لبنان الجريح

00:21 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمد نورالدين

أيّاً تكن نتائج الاستشارات النيابية الملزمة التي سيقوم بها رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون لتكليف اسم جديد يشكل حكومة جديدة فإن المصاعب والأزمات التي سيواجهها وهو جزء منها غير خافية على أحد.

 فلبنان كان «يجدد» أو بصورة أدق كان منذ مئة عام، تاريخ تأسيس «لبنان الكبير» (1920)، الذي تحول إلى جمهورية مستقلة عام 1943، يعيد إنتاج سلطته السياسية مرة كل عشرين أو ثلاثين سنة. وغالبية محطات التغيير كانت للأسف دموية ولم يكن يخرج منها «منتصراً» سوى الطبقة السياسية الحاكمة.

 فجميع الأسماء الحالية هي وريثة الرموز التي كانت في العام 1920 و1943 و1958 و1975 و1989. حتى الفئة الجديدة المنضمة إلى الفئات القديمة تحولت إلى جزء من الطبقة السياسية. وعلى هذا نجد اليوم «زعماء» جدداً رفعوا شعار إلغاء الطائفية ومن ثم أصبحوا من أعتى المدافعين عنها.

 أياً يكن رئيس الحكومة الجديد المكلف فإن الأزمة أزمة نظام سياسي واقتصادي وقضائي وأمني ما عاد ممكناً إعادة إنتاجه إلا إذا كان يراد للبنان أن يزداد خراباً وتسد أي كوة ينبثق منها بصيص أمل.

 وحتى لا نظلم الطبقة السياسية وحدها والتي تستحق أقصى العقوبات الممكنة وأقلها السحل العلني، فإن أزمة النظام السياسي في لبنان مزدوجة: داخلية وخارجية.

 في الداخل كانت الطائفية عصب النظام. فتلطى خلفها حماتها وأدعياؤها. وتحول لبنان تدريجياً إلى وكر للأفاعي يلسع أبناءه كلما تحدث أحد عن إلغاء الطائفية. فإلغاؤها، كما حاولوا إقناعه، يعني إلغاء الطائفية. وإلغاؤها يعني تمكين طائفة أخرى من التغلب على طوائف أخرى. حتى بات اللبناني ينام ويستيقظ ويأكل ويشرب النزعة الطائفية. يمكن للزعيم الطائفي، أن يورث أبناءه وأحفاده باسم الطائفة. 

ويمكن له عرقلة مشروعات إصلاحية باسم الطائفة. ولكن الزعيم الطائفي زرع في عقول أبناء الطائفة أن إلغاء الطائفية هو إلغاء لهم. فيما العكس هو الصحيح. وحده إلغاء الطائفية يتيح البدء في ورشة عمل إعادة تصحيح مسار لبنان كوطن يعيش فيه أبناؤه متساوون لا يُسرقون ولا يُذلون على محطات تعبئة الوقود وعلى الصيدليات الفارغة من الأدوية. 

وليس أشرف من مثل هذه المعركة لإلغاء الطائفية في بلد تجرأ مسؤولوه كلهم على سرقة أموال الناس الذين أودعوا أموالهم في البنوك فتآمروا مع أصحاب المصارف والقضاء (لمنع البت في الدعاوى) ومنعوا البرلمان من القيام بسنّ قوانين تحمي المودعين.

 أما العامل الخارجي في استمرار نظام الفساد فهو بيّن واضح وضوح الشمس.

فعندما تأسس «لبنان الكبير» أرست فرنسا المنتدبة نظاماً طائفياً بغيضاً ومفصلاً على كل الطوائف حتى إذا حانت لحظة رحيلها عام 1943 تركت في لبنان أعتى نظام طائفي. والمفارقة أن فرنسا نفسها كانت اعتنقت العلمنة رسمياً عام 1905. لكن ما هو مسموح داخل فرنسا ممنوع في الخارج، وهذه حال كل الدول الاستعمارية من فرنسا وبريطانيا إلى ألمانيا وإيطاليا والولايات المتحدة. والسبب بسيط حيث إن مثل هذه الدول تبحث عن مبرر للتدخل في شؤون الدول الداخلية لتبقى مصدراً لتقسيم المنطقة وإثارة الاضطرابات. لذا على سبيل المثال ويا لأكبر الأسف أن العراقيين لم يجدوا بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 سوى نظام «المحاصصة» والفساد اللبناني نموذجاً يقتدون به. فوقعوا في شر أفعالهم: فساد بالجملة، طائفية بغيضة، واحترابات داخلية.

 هكذا أراد الخارج، كل الخارج، الغربي والعربي والإسلامي، أن يكون لبنان على ما هو عليه. حتى لو أراد أبناؤه، فرضاً، إلغاء الطائفية، مُنعوا وأُدخلوا في نزاعات وحروب أهلية.

 لبنان اليوم يعيش ما لم يعشه بلد في العالم من فتك لمستقبل أبنائه، الذين تحولوا إلى متسولين لوجبات غذائية حتى للجيش، ومستجدين عن دواء مخفض للحرارة. كل ذلك بفضل الطبقة السياسية الأعفن في العالم، وبفضل الخارج الأكثر توحشاً.

عن الكاتب

باحث ومؤرخ متخصص في الشؤون التركية .. أستاذ التاريخ واللغة التركية في كلية الآداب بالجامعة اللبنانية.. له أكثر من 20 مؤلفاً وعدد من الأبحاث والمقالات

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"