تونس وفرص التدابير الاستثنائية

00:27 صباحا
قراءة 4 دقائق

د.إدريس لكريني

مرّ على اندلاع الثورة التونسية التي أفضت إلى سقوط نظام «بن علي» أكثر من عشر سنوات، وعلى الرغم من الجهود المبذولة في ما يتعلق بإرساء دستور جديد وسن عدد من التشريعات، وإحداث عدد من المؤسسات، وتنظيم مجموعة من الاستحقاقات الانتخابية غير المسبوقة من حيث ضوابطها ونزاهتها.. إلا أن الحصيلة كانت جد متواضعة من النواحي الاجتماعية والاقتصادية؛ حيث تصاعدت نسب الفقر والبطالة، وتراجعت الاستثمارات الأجنبية ومداخيل السياحة، ما أثر بشكل سلبي ملحوظ في التجربة الديمقراطية في البلاد، التي اتسمت بالمد تارة والجزر تارة أخرى، أسهمت فيها أيضاً هشاشة التحالفات الحكومية وعدم استقرارها.

 وأمام هذا الوضع، تزايدت حدة الاستياء الشعبي ونسبة العزوف السياسي، ناهيك عن الاحتجاجات الاجتماعية التي عمت شوارع العاصمة وانتشرت في مختلف مناطق البلاد، رفعت خلالها الكثير من المطالب الاجتماعية والسياسية، مع الدعوة إلى استقالة الحكومة وحل البرلمان، كما تم اقتحام عدد من مكاتب حزب «النهضة» في عدد من المدن، فيما أسهمت تداعيات جائحة كورونا في تعميق هذه الأوضاع وتزايد الاحتقان، مع بروز اختلالات في تدبيرها من قبل الفاعل الحكومي، وتصاعد نسب الإصابة ومعدلات الوفاة بشكل قياسي انهارت معه المؤسسات الصحية بالبلاد.

 وفي غمرة هذه التطورات، أعلن الرئيس التونسي قيس سعيّد، عن تجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن نوابه، وإقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي، مع توليه لممارسة السلطة التنفيذية بالتنسيق والتعاون مع رئيس حكومة يشرف على تعيينه، وترؤسه للنيابة العامة في سياق متابعة عدد من الملفات، كما تم الإعلان لاحقاً عن فرض حظر التجول في البلاد لمدة شهر.

 وقد أعلن الرئيس، أنه تحرك في هذا الصدد، انطلاقاً من مقتضيات الدستور التونسي وبخاصة الفصل 80 منه الذي ينص على أنه: «لرئيس الجمهورية في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية..»، كما أكد أن اتخاذ هذا القرار كان ضرورياً بالنظر إلى الظروف الصعبة والخطِرة التي تمر بها البلاد، محذراً بشدة من تبعات رفض هذا القرار أو مواجهته بالعنف.

 وفي الوقت الذي رحبت فيه العديد من القوى السياسية بالبلاد بهذا القرار، باعتباره إجراء يدعم مسار الثورة ويسهم في تحقيق تطلعات الشعب التونسي، عبّرت أخرى عن رفضها له، معتبرة أن الأمر يتجاوز مقتضيات الدستور.

 فقد اعتبر رئيس البرلمان وزعيم حزب النهضة «راشد الغنوشي» الخطوة بمثابة «انقلاب على الثورة والدستور»، أما الرئيس السابق منصف المرزوقي فرأى في ذلك «خرقاً لمقتضيات الدستور»، وهو ما أكده «حزب قلب تونس» أيضاً.

وفي مقابل ذلك، اعتبر حزب حركة الشعب الوحدوي الناصري، أن القرارات تمثل «تصحيحاً لمسار الثورة»، كما رحب الحزب الدستوري الحر بالخطوة «لإنقاذ تونس من الدمار».

 ودعا الاتحاد التونسي للشغل، في بيان أصدره حول الموضوع إلى وضع ضمانات دستورية وجدول زمني لتطبيق هذه «الإجراءات الاستثنائية»، مؤكداً ضرورة تجنب كل مظاهر العنف.

 كما تباينت المواقف الدولية والإقليمية في هذا الصدد؛ حيث طالبت منظمة الأمم المتحدة، النخب السياسية التونسية إلى «القيام بتدابير عاجلة تدعم حل الخلافات من خلال الحوار والتحلي بالمسؤولية»، أما جامعة الدول العربية فقد دعت الأطراف التونسية إلى «التهدئة ودعم تطلعات الشعب».

 ومن جهته، رفض قيس سعيد، نعت ما قام به ب«الانقلاب»، مؤكداً أن ما اتخذه من تدابير استثنائية، هو إجراء مرحلي مستمد من صلاحياته المقررة بموجب الدستور (المادة 80) باعتباره رئيساً للدولة، مبرزاً أنه قام باستشارة رئيس البرلمان حول الأمر. 

 وبالموازاة مع ذلك خرج الكثير من المواطنين إلى شوارع العاصمة، وفي عدد من المناطق في البلاد للاحتفاء بالقرار الذي اعتبروه «ضرورياً لوقف تطور الأوضاع نحو الأسوأ»، و«لمحاسبة المفسدين واسترجاع الأموال المنهوبة»، فيما احتج آخرون على القرار ودعوا إلى «العودة الطبيعية لعمل المؤسسات».

 لاحظ الكثير من المهتمين، أن الصراع بين مؤسسة رئيس الدولة من جهة، ومؤسستي البرلمان والحكومة من جهة أخرى قد ازداد بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، كما أثار تصريح للسيد قيس، القاضي باعتبار صلاحياته كقائد أعلى للقوات المسلحة يمتد إلى قوات الأمن الداخلي إلى جانب المؤسسة العسكرية، نقاشات سياسية وأكاديمية واسعة، فيما عبّرت بعض القيادات من حزب النهضة عن رغبتها في الإطاحة بالرئيس.

 لقد مرت تونس ومنذ عام 2011 بمجموعة من الأزمات السياسية التي مثّلت تمريناً حقيقياً لتفعيل مقتضيات الدستور، ما زج بالبلاد أحياناً في متاهات من الصراع، وأثر بالسلب في أداء المؤسسات، وعلى الرغم من المخاوف التي رافقت هذه المحطات الصعبة فقد استطاع التونسيون تجاوزها باستحضار المصالح العليا للبلاد، وتحمل عدد من القوى الديمقراطية لمسؤوليتها في توفير الأجواء السليمة لبلورة توافقات بناءة، علاوة على المسؤولية التي تحلت بها المؤسسة العسكرية على مستوى الحفاظ على الأمن وحماية المؤسسات.

[email protected]

عن الكاتب

​باحث أكاديمي من المغرب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"