الخطر الأكبر

00:29 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمود حسونة

حتى الطقس صار متطرفاً، الكوارث الطبيعية ليست جديدة، وهذه حقيقة لا ينبغي أن نركن عليها ونغفل محاولات البحث عن أسباب زيادتها وخروجها عن المألوف خلال الفترة الماضية، فأن تتعرض أوروبا لفيضانات تقتل وتشرد وتخلخل الاستقرار البشري في عدد من مدنها، فهو أمر غير مألوف، وأن تشتعل الحرائق بكثافة في دول مختلفة من قارات العالم القديم والحديث وتقتل البشر وتُتلف الطبيعة وتلوث البيئة، فهو أيضاً غير مألوف، وأن تضرب موجات الحر الشديد الولايات المتحدة وكندا، فهذا أيضاً غير مألوف، وأن تتسبب هذه الموجات بموت البعض بسبب ضربات الشمس أو الإجهاد الحراري فهو ما يفرض على البشرية الحذر مما هو قادم، وهو ما يحتم علينا جميعاً دولاً وحكومات وشعوباً ومنظمات معنية وغير معنية أن نأخذ قضية التغير المناخي بجدية أكبر، وأن يبذل كل فرد في المليارات الثمانية ما يستطيع من أجل خفض الاحتباس الحراري وتجنب العواقب الوخيمة المنتظرة. 

التغير المناخي، لم يعد مجرد نظريات يتبناها العلماء ويحذرون منها، ولم يعد مجرد قضية تُبحث في المؤتمرات العلمية؛ بل أصبح واقعاً نعيشه ونعانينه، الكل تلسعه حرارة الصيف اللافحة، وتخترق عظامه برودة الشتاء القارسة، وجميعنا يدرك أن المناخ قد تغيّر ولم تعد قارات الدنيا محمية خلال الصيف من ارتفاع درجات الحرارة، وبعد أن كانت منازل الشماليين مجهزة بوسائل تدفئة للشتاء ولا يوجد في قاموسهم أجهزة التبريد الصيفية، أصبح الكثيرون منهم يسعون لتركيبها أملاً في أن تقيهم من عواقب ارتفاع الحرارة.

وبعد انتشار الحرائق الناجمة عن ارتفاع الحرارة وازدياد موجات الجفاف بشكل غير مسبوق في سيبيريا التي عهدناها الأبرد عالمياً والمغطاة بالثلوج معظم العام، لا يبقى أمامنا سوى الحذر من جائحة مناخية قد تضرب الكوكب خلال سنوات ليست بالبعيدة. 

ما تعلمناه في المدارس تبدّل، والحقائق العلمية تزعزعت، وكأن الفصول بدلت هيأتها وتبادلت مهامها في بقاع مختلفة على كوكبنا، والممطر شتاء حار جاف صيفاً، أصبح ممطر معظم أوقات العام، وحار جاف بضعة أيام وحار رطب أياماً أخرى، وما كان شديد البرودة أصبح معتدلاً وأحياناً شديد الحرارة. بسبب التغيرات المناخية حصلت اختلالات في الطبقات الأرضية والطبقات المناخية نتيجة تضاعف ثاني أكسيد الكربون والميثان والغازات السامة في الغلاف الجوي، وهو ما يهدد حياة الإنسان ويحوله من كائن مستقر داخل وطنه، إلى كائن متنقل بحثاً عن طقس معتدل؛ وهو ما سيضاعف نسبة الهجرة. 

الكارثة ليست في الجو وحالة الطقس والسعي وراء نسمة هواء فقط، لكن في أن هذه التغيرات ستتسبب بنقص مياه الشرب حول العالم وستزيد الصراعات الدولية والحروب في عالم لا تنقصه حروب، كما ستتلف محاصيل زراعية وقد تختفي بعض الخضراوات والفواكه، وجميعنا يدرك أن موجة شديدة الحرارة أو موجة شديدة البرودة تتلف محاصيل وتقضي على آمال ملايين من الفلاحين، ولاحقاً ستقضي على خصوبة التربة، ناهيك عن انقراض حيوانات وذوبان الجليد وما يسفر عنه من ارتفاع مستوى البحار والمحيطات وغرق جُزر ومدن ساحلية وارتفاع نسبة المشردين. 

هي سلسلة مربوطة بإحكام وأي خلل في جزء يؤثر في باقي الأجزاء، لذلك يمتد الخطر إلى زيادة الأمراض وكثرة الفيروسات وسرعة انتشارها، ولنا في «كوفيد- 19» وسلالاته وتحوراته ومفاجآته درس، ويكفينا أنه يلاعب البشرية لعبة «توم آند جيري»، نلاحقه باللقاحات والإغلاقات والإجراءات الاحترازية، وهو يباغتنا بتحوراته وما تحمله سلالاته الجديدة من صفات تشغل العلماء بحثاً واستقصاء. 

الأخطار الناجمة عن التغير المناخي تهدد العالم بشرقه وغربه وشماله وجنوبه، لكن لنا نحن العرب ولجيراننا الأوروبيين منها نصيب الأسد؛ إذ كشفت مُسَوّدة تقييم وضعتها الأمم المتحدة الأسبوع قبل الماضي، عن أن منطقة البحر المتوسط تعد «مركز التغيّر المناخي» وستشهد موجات حر غير مسبوقة وجفاف وحرائق، ولعل ما حدث في عدة دول متوسطية من حرائق مؤخراً، دليل واضح على أن الخطر واقع وليس محتملاً؛ ومن يقرأ تحذيراً آخر للأمم المتحدة صدر قبل أيام يدرك أن المستقبل مروع مع تصاعد موجات الطقس المتطرف.

الخطر قادم إلينا بسبب اعتداءات البشر المتكررة على الكوكب، وإذا لم تتحرك الحكومات وتنتبه الشعوب ويستفيق المتجاوزون، سندفع جميعاً الثمن، وستلعننا الأجيال المقبلة على ما ارتكبناه في حقهم من آثام.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي، بدأ مسيرته المهنية عام 1983 في صحيفة الأهرام المصرية، وساهم انطلاقة إصداراتها. استطاع أن يترك بصمته في الصحافة الإماراتية حيث عمل في جريدة الاتحاد، ومن ثم في جريدة الخليج عام 2002، وفي 2014 تم تعيينه مديراً لتحرير. ليقرر العودة إلى بيته الأول " الأهرام" عام 2019

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"