عادي

شاعر يرثي نفسه قبل موته

16:36 مساء
قراءة 3 دقائق
الشارقة: الخليج
كثيرة هي الحكايات العجيبة والغريبة المتعلقة بالموت، لكن أن يدرك الإنسان قرب منيته ثم يرثي نفسه، فهو الأكثر غرابة، وهو ماحصل مع واحد من فحول شعراء العربية، هو مالك بن الريب.
ولد مالك بن الريب وترعرع في بادية بني تميم بالبصرة مع بداية العهد الأموي، وكان من الشعراء الصعاليك؛ وروي أنه كان شجاعاً وفاتكاً لا ينام إلا متوشحاً سيفه؛ ومتيقظاً دوماً ومتحفزاً للقتال، وقيل إنه جمع أكثر من 30 صعلوكاً على رأسهم شظاظ الضبي، وأبي حردبة المازني التميمي، وغويث بن كعب التميمي، لقطع الطريق، وكان ذلك في خلافة معاوية بن أبي سفيان، وقد شاع خبرهم في أرجاء الدولة الأموية، وتناقل الناس أخبارهم، وتجنبوا المرور في طرقاتهم وحذروا من مفاجآتهم.
لكن تغييراً كبيراً طرأ على حياة ابن الريب.. وتقول القصة إن سعيد بن عثمان بن عفان كان في طريقه إلى خراسان والياً لمعاوية بن أبي سفيان، لأجل إخماد تمرد في خراسان، وفي طريقه قابل مالك بن الريب، وكان سمع عنه كثيراً، وأعجب بشجاعته وإقدامه، وعندما التقاه ازداد إعجابه به وبهيئته، فقد كان مالك حسن الوجه والثياب، فسأله سعيد بن عثمان متعجباً: «ما يدعوك إلى ما بلغني من العبث والفساد وفيك هذه الصفات الجميلة كالشجاعة والنجدة»؟، فرد عليه ابن الريب قائلاً: «يدعوني إلى ذلك العجز عن الوصول إلى المعالي ومساواة ذوي المروءات»، والحوار يشير إلى القيم والرؤى التي كان يحملها مالك بن الريب، فقد كان معتداً بنفسه، وصاحب نفس ترجو المعالي.
فكان أن أغراه سعيد بن عثمان بالجهاد في سبيل الله بدلاً من قطع الطريق، بعد أن وعده بأن يغنيه إذا ما كفّ عن أفعاله تلك، وجعل له كل شهر خمسمئة درهم، فاستجاب مالك لنصح سعيد، فذهب معه وأبلى بلاءً حسناً وحسنت سيرته، وتبدلت طريقة حياته تماماً، وعقب الغزو، وبينما هم في طريق العودة من خراسان، مرض ابن الريب مرضاً شديداً، أو يقال إن حية لسعته، وهو في القيلولة فسرى السم في عروقه وأحس بالموت، وكان معه صديقاه فراح يبثهما حزنه وألمه بعد أن غادروا جميعاً حياة الصعلكة والتشرد إلى حياة جديدة، فأخذ يذكّر صاحبيه بحياتهم السابقة، أيام الشجاعة والقوة.
كل تلك التفاصيل أوردها مالك في القصيدة التي رثى بها نفسه، والتي ظلت تعرف بالبردية الحزينة، أو بكائية مالك بن الريب، والتي يورد فيها كذلك كيفية تبدل حياته من حال لحال، وتحوله من حياة الصعلكة إلى واقع جديد مختلف يتسم بالجدية والالتزام، وقد حملت المرثية الكثير من الإشارات الغريبة التي تنبىء بموته، طالباً من صديقيه أن يجهزا كفنه، ويدفناه في مكان ما، وبعد أن يفرغا من تلك المهمة عليهما أن يبلغا أهله، بأن يصحبا ناقته من دون أية زينة، وكانت كل النياق مزينة، عندئذ سيعرف قومه وعشيرته أن مالكاً قد مات، وفي القصيدة، يدعو مالك أمّه لزيارة قبره:
ويقول مطلع القصيدة:
ألا لَيتَ شِعري هَل أَبيتَن لَيلَةً
بِجَنبِ الغَضا أُزجي القلاصَ النَواجِيا
ويقول في أهم أبياتها:
فَيا صاحِبَيْ رَحلي دَنا المَوتُ فَاِنزِلا
بِرابِيَةٍ إِنّي مُقيمٌ لَيالِيا
أقيما عَلَي اليَومَ أَو بَعضَ لَيلَةٍ
وَلا تُعجلاني قَد تَبَينَ شانِيا

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/w34jt7pf