هل يتعافى لبنان من أزماته؟

00:44 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. فايز رشيد

لا شكّ أن تشكيل حكومة لبنانية جديدة يعد خطوة في الاتجاه الصحيح، لكن الحكومة تحمل صفة المؤقتة. يأتي ذلك في الوقت الذي يشهد فيه لبنان أزمات كثيرة أبرزها: الأزمة الاقتصادية المتمثلّة في انخفاض سعر صرف الليرة اللبنانية مقارنة بالدولار، الأمر الذي أدّى إلى ازدياد نسبة الفقر في لبنان، كما أثّر ذلك على مستوى حياة المواطن اللبناني يشكلٍ عام. أيضاً، يجري تشديد القيود على عمليات سحب العملات الأجنبية من البنوك.

لقد حاولت الحكومات السابقة احتواء الوضع من خلال تدابير مختلفة كدعم سلع استهلاكية محددة، وملاحقة المتاجرين بالعملة في السوق السوداء. لكن تدهور الليرة شكل ضربة قاصمة لتلك الجهود، فمن شأن نفاد احتياطي المصرف المركزي من الدولار أن يؤدي إلى تفاقم الأزمة، من دون اتخاذ إجراءات حاسمة للجم التدهور وإعادة بناء ثقة المودعين بالمصارف، وجذب الأموال من الخارج وتوحيد سعر الصرف.

وبحسب المراقبين كانت ولادة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي غير طبيعية، فالرجل كاد أكثر من مرة أن يعلن اعتذاره عن تشكيل الحكومة بسبب العراقيل والعقبات التي وضعت في طريقه، كما أنّ مكلفين من قبله قد اعتذروا بسبب تلك العراقيل. لا يمكن إدراك إمكانية تعافي لبنان من أزماته التي بلغت ذروتها تقريباً مع انهيار الليرة وفقدان المواد الأساسية من الأسواق اللبنانية أو ندرة وجودها، إلا في ضوء معرفة الأسباب التي كانت تحول دون تشكيل الحكومة رغم المصاعب والأزمات التي كان ولا يزال يعانيها لبنان.

إن المشكلة الأساسية التي يعانيها لبنان تكمن في نظامه الطائفي القائم على المحاصصة بين الطوائف والأحزاب، وهذا ما أدى إلى أزمة في تأليف الحكومة، ومن أسباب تأخير التشكيل أيضاً عوامل خارجية، فكلّ طرف خارجي يستعمل لبنان ساحة وأداة ضغط بوجه الطرف الآخر. وكان الاستحقاق الحكومي أبرز الملفات التي تستغلها تلك الأطراف، لأن لبنان يقع في منطقة التجاذب الإقليمي، وبالتالي فإن هذا البلد استُخدم في هذا التجاذب. كما أن كل طرف إقليمي أو دولي يحاول أن يفرض هيمنته أو وصايته على لبنان بشكل مباشر أو غير مباشر.

أما وقد تشكلت الحكومة وصارت أمراً واقعاً، فهذا يعني أن لبنان سيتعافى من أزماته التي يئن تحت وطأتها ويعاني من ثقلها. لذا، من الطبيعي أن تقف حكومة ميقاتي أمام تحديات مهمة وخطرة في آن واحد، لكن قبل ذلك لا بد من التذكير أنها حكومة قصيرة العمر نظرياً لأنها محكومة بإجراء الانتخابات النيابية بعد ثمانية شهور، وهي بعد الانتخابات ستكون مستقيلة حتماً.

أما التحدّيات الآنية التي تواجه حكومة الرئيس ميقاتي حالياً، فمنها التحدي السريع المتمثل بإيجاد حلول للأزمة الاقتصادية المعيشية الخانقة، وهذا يحتاج إلى إجراء مفاوضات جدية وحقيقية مع الدول المانحة وصندوق النقد الدولي كما الدول العربية، وهنا تُطرح جملة شروط وإصلاحات من أبرزها إحداث إصلاحات مالية وقانونية وإدارية وغيرها، من أجل وضع حدّ للفساد والفوضى في البلد، وربما هذا في جوهره له علاقة بترسيم الحدود مع إسرائيل، وكذلك ملف النفط والغاز في المتوسط.

وهنا لا يملك الرئيس ميقاتي أمام هذه الملفات عصا سحرية تخوّله إيجاد حلول أو قناعات لأولئك الداعمين، ما يعني أنه قد يقع بين مطرقة صندوق النقد والدول المانحة من ناحية، وسندان الرفض الشعبي الذي قد يواجهه في الداخل اللبناني انطلاقًا من اعتبار البعض أن تلك الإصلاحات المطلوبة دولياً عملية تطويع للبنان نتيجة فرض شروط عليه من ناحية ثانية، وبالتالي فلن تكون مفاوضات الحكومة مع صندوق النقد الدولي لحل الأزمة الاقتصادية ميسرةً وسهلةً وتسمح بالتعافي السريع.

التحدي الثاني الذي لا يقل أهمية لكنه قد لا يكون على السرعة والعجلة ذاتها هو تحدي إجراء الانتخابات النيابية في وقتها، أي في شهر مايو (أيار) المقبل، وإدخال بعض التعديلات على القانون الانتخابي الذي يعتبره البعض في لبنان غير منصف.

أجل، إن وجود حكومة قد يخفف بعض آثار الأزمة الاقتصادية المعيشية والأزمات الأخرى، لكن من المشكوك فيه أن تكون الحكومة قادرة على حلّ هذه الأزمات المستعصية.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب وباحث في الشؤون الاستراتيجية، وهو من الخبراء في الصراع الفلسطيني العربي-"الإسرائيلي". إضافة إلى أنه روائي وكاتب قصة قصيرة يمتلك 34 مؤلفاً مطبوعاً في السياسة والرواية والقصة القصيرة والشعر وأدب الرحلة. والمفارقة أنه طبيب يزاول مهنته إلى يومنا هذا

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/vd7hknhf