حياة شاعر مثل عود ثقاب

00:05 صباحا
قراءة 3 دقائق

لا أعرف ما إذا كانت الصحافة الثقافية في أمريكا معنية هذه الأيام باستعادة إِدجار ألِنْ بُو في مناسبة مرور نحو 170 عاماً على وفاته (1809  7 أكتوبر 1849)، هذا الشاعر الذي بدأت رواية حياته في اللحظة التي توفي فيها على نحو بالغ الغموض والغرابة في أحد شوارع مدينة بالتيمور وهو يهذي باسم امرأة: رينولد، غير أن صاحب «الغراب» الذي حوّله من طائر ذي فأل سيئ إلى كائن شعري تسلّل إلى عشرات أشعار العالم في ما يُسمّى دائماً الأثر الأدبي ليس شاعراً أمريكياً فقط، بل هو أيضاً الشاعر الذي رفع له القبّعات شعراء فرنسيون كبار مثل: شارل بودلير، وستيفان مالارميه، فهو شاعر إنساني عالمي بقدر ما للطيور من أوطان لا حدود لها ولا أسماء.
بالنسبة لنا نحن العرب قرأنا بو في أكثر من ترجمة من الإنجليزية إلى العربية، وكاد بعض شعرائنا يحفظون غيباً قصيدة «الغراب» بل، ويتمثّلونها في نصوصهم كما أن شاعرها الأصلي لم يكتبها.
قصيدة الغراب، قصيدة هذيانية، رمزية، استعارية، وهي تعبير أدبي ونفسي في الوقت نفسه عن التشظيّات الروحية والعقلية وحتى البدنية لإدجار بو نفسه الذي عرف الحب واليتم والعوز والديون، لكنه في ذروات كل هذه المصائب كان يتمسك بالشعر، ولأقل، هنا إنه كان يتمسك بالكتابة، وتحديداً بالنثر: القصة والرواية، والعودة مجدّداً إلى الشعر، لكن شفافية روحه ونكساته القلبية، والمقصود بها هنا انتكاسات ومرارات الحب، وليس القلب البشري المادي الذي لم يكن سوى مضخة دم صغيرة بالنسبة للشاعر الذي احتاج فقط إلى أربعين عاماً من الحياة، كانت كافية ليملأ اسمه أمريكا والثقافة الشعرية الغربية التي اعتبرته أيقونة أدبية وشخصية في آن..
نقرأ أيضاً قصيدة أخرى لإدجار ألن بو لها صلة مباشرة بالثقافة الإسلامية، خاصة بالقرآن الكريم الذي قرأه في مرحلة مبكرة تماماً من حياته قبل أن يصل العشرين من عمره، ليكتب قصيدة «الأعراف». والأعراف هي سور حول الجنة، والأعراف واحدة من سور القرآن أيضاً، تأثر بها بو وهو دون العشرين من عمره، ووظفها توظيفاً شعرياً أشار إليه العديد من نقّاد الأدب.
يرى بعض النقّاد أن شهرة إدجار ألن بو ظهرت بعد موته، لا بل إن موته الغامض والمأساوي في الوقت نفسه، وحيداً، مُهلهلاً رثّاً، أضفى على نهايات حياته طابعاً تراجيدياً يجعل منه هو نفسه شخصية روائية لم يكتبها بالطبع، لكنه عاشها بكل مرارة وحرمان من الحب الذي كان الموت يختطفه دائماً فجأة من بين يديّ الشاعر سيئ الحظ.
في حياته لم تجلب له أشعاره وأعماله الروائية والقصصية ما يمكن أن يحفظ له حياة محترمة من حيث حاجته إلى المال، لكن سيأتيه المجد الأدبي والمعنوي بعد موته، وشغفت به «هوليوود» مصنع نجوم السينما التي قامت على أعمال قصصية جرائمية أو «هذيانية» له تشبه أجواء «الغراب» المتطفل على شاعر في عزلته ووحدته الموحشة.
العرب لم يترجموا الكثير من تراث هذا الكاتب الأمريكي الذي عاش في عمر عود ثقاب فقط، بل، وقرأوه أيضاً ربما أكثر وأفضل ممّا قرأه الأمريكان أنفسهم، بخاصة بعد تمدد ثقافة «الهمبرجر» و«الجينز» التي لم يكن يعرفها إدجار ألن بو.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"