عمالقة خارج السيطرة

00:11 صباحا
قراءة 3 دقائق

سبع ساعات فقط انقطع خلالها ال«فيسبوك» و«واتس أب» و«إنستجرام» أربكت العالم، وألقت بظلالها على حياة الناس اجتماعياً واقتصادياً، سبع ساعات عاش البعض خلالها في حالة عزلة إجبارية لا تختلف عن العزلة التي فرضها «كورونا» على البعض سوى أنها كانت عزلة عن العالم وليست عن الأسرة والأهل، كما أنها كانت عزلة لمجموعات وليست عزلة أفراد، أحس معها الكثيرون أن العالم أصبح مملاً بلا جديد تنقله هذه المنصات وبلا تواصل من خلالها. 
 اقتصادياً، حضر حديث الخسائر المليونية والمليارية حيث قدرت بعض المؤسسات الاقتصادية ووسائل الإعلام خسائر مارك زوكربيرج مؤسس «فيسبوك» ومالك المنصات الثلاث بسبعة مليارات من الدولارات، وقدرتها مصادر أخرى بستة مليارات، وذلك بواقع مليار دولار لكل ساعة، لتتراجع ثروته إلى ١٢٢ مليار دولار ويتغير موقعه بين أثرياء العالم، فتراجع إلى المركز الخامس بدلاً من الرابع.
 عاصفة أعطال «فيسبوك» وأشقائه لم تنل فقط من ثروة زوكربيرج ولكنها تسببت في خسائر إجمالية تصل إلى 114 مليار دولار، سواء بين انخفاض في إيرادات المنصات، وتراجع في القيمة السوقية وتأثير على الاقتصاد العالمي وتأثير سلبي على مكانة شركات عملاقة أخرى في سوق المال، وهو ما يكشف عن أن «فيسبوك» لم يعد مجرد منصة للتواصل الاجتماعي، ولكنه أصبح وحشاً اقتصادياً، وعملاقاً اجتماعياً، ولاعباً سياسياً خارج عن السيطرة، يؤثر أكثر مما يتأثر، ويحكم ويتحكم، ويفضح ويشوه، ويروج الشائعات بين أرجاء الكوكب، ويمنح الأكاذيب رداء الحقائق، ويسهم في نشر التمرد والعصيان.. وأصبح جامعاً للبنائين الذين يبغون التعمير الاجتماعي ونشر الفضيلة بين الناس والتواصل بما يفيد الأفراد والمجتمعات، كما أنه جامع للهدامين والمخربين الذين يكرسون حياتهم للإفساد بين الناس ويسعون لهدم الكوكب وإعادة بنائه على مقاسهم وحدهم دون غيرهم. 
 شهادة فرانسيس هوجن مديرة المنتجات السابقة في «فيسبوك» ضده لا تكشف مستوراً، وإعلانها أن الشركة تعطي الأولوية للربح على حساب الصالح العام ليس مفاجأة، وقد يكون الجديد فقط أن أحداً من داخل المطبخ الفيسبوكي قرر فضح الشركة أمام العالم بالمستندات وليس بالمعلومات غير الموثقة.
 «فيسبوك» أصبح دولة أعظم في العالم تمتد مساحتها على امتداد الكوكب، ويقترب عدد سكانها من نصف عدد سكان العالم بعد أن تجاوز عدد مشتركيه ثلاثة مليارات، ومتوسط الوقت الذي يقضيه كل شخص على هذه المنصة ٥٨ دقيقة، أي أن البشرية تقضي ما يقرب من ثلاثة مليارات ساعة يومياً في رحاب دولة زوكربيرج، وهو ما دفعها لأن تمنح نفسها الحق لأن تكون الأداة التي تلاعب بها مخابرات الدول الكبرى بعضها بعضاً، لتصبح وسيلة تدخل في الانتخابات وتأثير على اتجاهات الناخبين، وأن تكون القوة التي ترفع مرشحاً لا يستحق إلى القمة، وتهوي بآخر يستحق إلى القاع. وفي دول أخرى كانت المنصة التي أشعلت انتفاضات ليس بهدف تغيير أنظمة حكم فقط ولكن أيضاً بهدف إسقاط دول وتقسيم أخرى، ونشر الفتنة بين أفراد الشعب الواحد وبين شعوب دول شقيقة ومتجاورة. 
 ليس «الفيسبوك» وحده الذي يتم توظيف البيانات والمعلومات المتداولة عليه إلى معاول هدم أحياناً ومواد بناء أحياناً أخرى، وإنما قد يكون الأكثر شعبية والأكثر تأثيراً حول العالم، ولأن الزمن لا يعود إلى الوراء، فقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي حقيقة في حياتنا لا يمكن الاستغناء عنها أو تهميشها، ولو فكر أحد في تهميش أحد هؤلاء العمالقة فبين عشية وضحاها سيحل محلها آخر ويتحول إلى عملاق في ساعات، ولنا في الأزمة الأخيرة دروس حيث كان عطل «فيسبوك» و«واتس أب» و«إنستجرام» لسويعات فرصة لازدياد عدد مشتركي منصات «سيجنال» و«تليجرام» وغيرهما أضعافاً، وبالتالي لن يكون الحل سوى في إصدار القوانين والتشريعات الدولية التي تحاصر انفلات هذه المنصات، وتراقب ما ينشر عليها بشكل غير منحاز وتجريدها من الألعاب السياسية، وضبط الإعلانات التي تبث عبرها، وإجبارها على ألا تكون وسائل إعلام جديدة وألا تتجاوز كونها وسائل تواصل. 
 قد يكون هذا الكلام صعباً أو مستحيل التحقيق، ولكنها أفكار ينبغي طرحها للنقاش المجتمعي أملاً في الاهتداء إلى وسيلة تقاوم فلتان هذه المنصات وأملاً في أن تتحول من أدوات هدم إلى منصات بناء.
[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي، بدأ مسيرته المهنية عام 1983 في صحيفة الأهرام المصرية، وساهم انطلاقة إصداراتها. استطاع أن يترك بصمته في الصحافة الإماراتية حيث عمل في جريدة الاتحاد، ومن ثم في جريدة الخليج عام 2002، وفي 2014 تم تعيينه مديراً لتحرير. ليقرر العودة إلى بيته الأول " الأهرام" عام 2019

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"