عادي

لبنان يغرق في أزماته

23:48 مساء
قراءة 4 دقائق

بيروت- رامي كفوري
كان ينقص حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، حديثة الولادة، ما حصل من تطورات في ملف التحقيق بانفجار مرفأ بيروت، وحملة ثنائي «حركة أمل» و«حزب الله» المركزة ضد القاضي طارق البيطار، وما تلاها من تداعيات ميدانية كانت ذروتها في أحداث الطيونة المشؤومة، ليكتمل المشهد الأسود، وتتوالى الأزمات، وتتناسل، ويشتد أوارها.

فيما كانت الحكومة اللبنانية تُعد العدة لتحريك ملف الكهرباء انطلاقاً من التوافق الدولي- العربي على استجرار الغاز من مصر، عبر الأردن، فسوريا، لتزويد لبنان بحاجته من الطاقة، أو على الأقل لسد النسبة الأكبر من هذه الحاجة بعد استثناء موضوع استجرار هذه المادة الحيوية من العقوبات التي يفرضها «قانون قيصر» بقرار أمريكي، تتالت الاستحقاقات والتحديات انطلاقاً من الخلافات والتصدعات السياسية. وما زاد في الطين بلّة هو استمرار تردي الوضع الاقتصادي والاجتماعي، في ظل عودة الدولار إلى الارتفاع من دون سقف له، بعدما أعلن حاكم مصرف لبنان وقف دعم المصرف المحروقات كلياً، ما أشعل أسعار البنزين والمازوت التي حلقت متخطية قدرة للبناني على احتمالها، وهذا ما سينعكس سلباً على كل السلع الحياتية، بدءاً من المواد الغذائية الأساسية وصولاً إلى الدواء.

على أن الأخطر هو ما يجري تداوله عن أن مفاوضات الجانب اللبناني مع صندوق النقد الدولي هي في بداياتها، وأن الصندوق يتشدد في فرض شروطه القاسية على الشعب اللبناني، قبل أن يدفع دولاراً واحداً، وحتى إن قرر الدفع، فإن ذلك سيكون بعد الانتخابات النيابية، أي بعد ستة أشهر على الأقل، وبعد الإصلاحات المالية والاقتصادية، وبالتالي لا يبقى للبنانيين سوى إخراج دولاراتهم التي تمكنوا من سحبها من المصارف قبل السابع عشر من أكتوبر/ تشرين الأول 2019، وإيداعها في منازلهم. أي أن هناك عملية استدراج قسرية لل«فريش موني» المخبأة، بعدما تبخرت القيمة الفعلية للرواتب. كذلك لم يتبق أمامهم سوى تحويلات المغتربين التي سبق أن تدفقت بسخاء، وليس ما يشي باستمرارها على المنوال نفسه.

الأزمة، إذاً، تحاصر لبنان.. غلاء محروقات في غياب البدائل كالنقل المشترك، ارتفاع جنوني في أسعار السلع في ظل انعدام الرقابة من قبل مصلحة حماية المستهلك، وعدم القدرة على تثبيت سعر صرف الدولار، وخسارة ثمانين في المئة من قيمة الشيكات المصرفية.

كل القطاعات تعاني الحيرة والشلل، وغير متأكدة من إمكان استمرارها في العمل، وفي مقدمها قطاع الاستشفاء، والقطاع التربوي، وفي كل يوم تعلو الصرخة، مرفقة بتحذير عالي النبرة.

الدولار والأسعار

لا تملك حكومة الرئيس ميقاتي أي خطة لخفض سعر الدولار قبل أن تضخ الأموال في الداخل اللبناني، ولا مصدر حالياً إلا في التحويلات من الخارج بانتظار التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي لتوفير ملياري دولار تساعد في خفض الدولار إلى 12 ألف ليرة لبنانية. لكن كما هو معروف، وفي ضوء الإعراض العربي، والشروط الدولية التي تعلنها الجهات الراغبة في المساعدة مثل صندوق النقد، فإن من الصعب توقع انخفاض سعر صرف الدولار قريباً.

الارتفاع الدائم سيؤدي حتماً إلى ارتفاع في أسعار المحروقات والسلع الغذائية والأدوية، وبالتالي، إلى شلل شبه تام في دوائر الدولة وأجهزتها. وهذا الأمر سيشعل الشارع مجدداً، وسيعيد لبنان إلى مرحلة من الفوضى وعدم الاستقرار، وستبدأ في هذه الفترة تحركات اعتراضية في العاصمة والمناطق، وستكون هناك لقاءات في الاتحاد العمالي العام تضم إلى قيادة الاتحاد، نقباء المهن الحرة، ورؤساء الهيئات الاقتصادية، لوضع خطة عمل وتحرك.

مفاوضات الترسيم

من جهة أخرى، فإن زيارة الوسيط الأمريكي في مفاوضات الترسيم الحدودي البحري بين لبنان وإسرائيل، عاموس هوكستين، لم تحرز تقدماً يذكر، وهو يقول إن جولته الراهنة لها طابع استكشافي، وثمة مصادر لبنانية ترى أن هوكستين يستثمر في وجهات النظر المتباينة لمسؤولين لبنانيين، من موضوع التنقيب لإمرار طرح تقبل به تل أبيب، ويراهن على أن الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يمر بها لبنان قد تفضي في نهاية المطاف إلى الرضوخ، وخفض سقف الشروط التي سبق لبيروت أن أعلنتها للحفاظ على حقها في غازها وبترولها.

مصير الانتخابات النيابية

على هذا الصعيد، لم يبتلع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون موضوع تقديم الانتخابات النيابية من مايو/ أيار 2022 إلى السابع والعشرين من آذار/ مارس 2022، وإلغاء الدائرة الانتخابية السادسة عشرة الخاصة بانتخاب ستة نواب عن بلدان الانتشار، وتطيير البطاقة الانتخابية و«الميجا سنتر»، فوجد في التعديلات التي اقرها المجلس النيابي أخيراً ثغرة دستورية تستأهل رد القانون، وهذا ما يتيحه الدستور اللبناني لرئيس الجمهورية، وقد دعا رئيس المجلس النيابي نبيه بري اللجان المشتركة لدرس الأسباب التي علل بها رئيس الجمهورية ردّ التعديلات لاتخاذ الموقف المناسب. وإلى هذا الاشتباك القانوني - الدستوري بين رئاسة الجمهورية ورئاسة المجلس النيابي، أضيفت الدعوى التي تقدم بها تكتل «لبنان القوي» برئاسة النائب جبران باسيل أمام المجلس الدستوري لإبطال القانون الصادر أخيراً عن البرلمان، والمتضمن تعديلات على قانون الانتخابات، بما فيها تقديم موعدها.

والسؤال: في ضوء هذا الاشتباك، ماهو مصير الانتخابات النيابية: هل ستجري، هل تؤجل، هل تصبح في خبر كان.. مؤقتاً؟

الارتباك القضائي والشلل الحكومي

واخيراً، وليس آخراً، فإن مطالبة ثنائي «حركة أمل» و«حزب الله» بتنحية القاضي طارق البيطار عن ملف تفجير مرفأ بيروت، واصطدام ذلك بمعارضة قوى أخرى، والتسبب بانقسام عمودي في الشارع اللبناني، أدى إلى توقف الحكومة عن الاجتماع، خصوصاً بعد إعلان هذا الثنائي أن وزراءهما سيمتنعون عن حضور اجتماعات مجلس الوزراء، طالما أن لا استجابة لمطلبهما تنحية البيطار، وكف يده عن الملف. وفي الوقت الذي يعجز فيه مجلس القضاء الأعلى عن البتّ في هذه المسألة متأثرا بتداعيات الانقسام السياسي الحاد في البلاد، تكرر المشهد نفسه بالنسبة إلى أحداث الطيونة، ومن يتمعن بكلام الأطراف التي أطلقته غداة هذه الأحداث، يتبين له بوضوح ضبابية الصورة وتعقيدات الوضع، حيث عقدة تلي عقدة من دون انقطاع.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"