بلا مقدّمة تعريفية بالشاعر، وبلا دراسة ولو موجزة تمهّد لمناخاته الشعرية أو تلقي الضوء ولو برؤية انطباعية على لغته وصوره الشعرية صدر ديوان الشاعر السعودي محمد الثبيتي (1952-2011) عن دار الانتشار العربي في بيروت. واللّافت أيضاً أن الثبيتي لم يكن غزيراً في كتابة الشعر، بل كان غزير الشعرية أو غزير المعنى الشعري الذي جعل منه وبكل جدارة أدبية واحداً من أبرز شعراء الثمانينات العرب وليس السعودية فقط والخليج العربي.
ديوان محمد الثبيتي هو أعماله الكاملة التي جاءت في 330 صفحة من قطع يراوح بين المتوسط والكبير، ويضم الديوان المجموعات الشعرية الأربع للشاعر الذي اجترح توقيعه الأدبي البالغ الخصوصية منذ بداياته الشعرية في أوائل ثمانينات القرن العشرين، وببساطة، يمكن القول إن الثبيتي وُلِدَ ناضجاً أو وُلِدَ كبيراً، وقد وازن بموضوعية شعرية بين شكلين من الكتابة: قصيدة العمود الخليلي، وقصيدة التفعيلة.
لم يكتب محمد الثبيتي مطوّلات شعرية أو «ملحمية»، بل كان يكتب الشعر لأنه يفيض به. ولعلّ الشعر، وحده الشعر، هو فيض القلب، وفيض الرّوح، وفيض الحياة بالنسبة لشاعر أصيل مشدود إلى التاريخ التراثي للعبارة وللكلمة الشعرية منذ جذرها الجاهلي وحتى إشراقاتها العباسية والعشقية والصوفية.
في داخل قصيدة محمد الثبيتي، سواء بشكلها العمودي أو بشكلها التفعيلي، ثمة إرث أدبي شعري عريق حافظ عليه الشاعر محافظته على شخصيته الأدبية وهويته الثقافية، أي أنه لم يقطع مع تراثه وتاريخه الأدبي الشعري كما قطع بعض الشعراء العرب، وفي الوقت نفسه كان حداثياً معاصراً بارزاً في قصيدة التفعيلة الثمانينية والتسعينية وعميقاً في تحوّلات هذه القصيدة، بخاصة في الجانب الغنائي.
غنائية محمد الثبيتي مُصَفّاة، ونقيّة وفي الوقت نفسه هي غنائية هادئة تنأى عن الثرثرة في البلاغة أو تنأى عن توسّل البلاغة الشعرية التي تحوّل القصيدة إلى زينة لغوية أو قطعة منمنمة بالألوان.
في شعر محمد الثبيتي الذي نكتب عنه الآن في مناسبة ظهور أعماله الشعرية الكاملة في معرض الشارقة الدولي للكتاب في هذه الدورة الأربعين، وأيضاً نكتب عنه في مناسبة مرور نحو عقد من السنوات على رحيله، ثمة صحراء، ورمل، وطير، وصدى، وظمأ، وأعراب، ونخل، وقوافل، ومطر، ودخان، ورياح.. مجبولة كلها معاً بلغة فيها أحياناً طبيعة الماء، وفيها أحياناً أخرى طبيعة الضوء، فكأنه أحياناً يرسم، ولكن بطبيعة الشعر الذي كان موقفه، وحياته، وصورته الغنائية الشفافة التي تشبه مدينته الطائف.
شعر محمد الثبيتي أيضاً هو شعر موسيقى وإيقاع، وفي أحد مهرجانات جرش الشعرية في أوائل تسعينات القرن العشرين قرأ محمد الثبيتي قصيدة بعنوان «تغريبة القوافل والمطر» ومنها هذا المقطع: «أدِرْ مهجة الصبحِ، صُبَّ لنا وطناً في الكؤوسِ/ يدير الرؤوس/وزدنا من الشاذلية حتى تَفِيءَ السحابة/أدِرْ مهجة الصبح واسفح على قِلَلِ القومِ قهوتك المرّةَ المستطابة/أدر مهجة الصبح ممزوجةً باللّظى/وَقَلّبْ مواجعنا فوق جمر الغَضَا/ثم هاتِ الربابةَ، هاتِ الربابة».
قرأ الثبيتي في مهرجان جرش لتصبح تلك القصيدة قصة المهرجان وقصة سهراته وأيّامه بين الشعراء العرب، غير أن الثبيتي لم يكن شاعر مهرجانات بالمعنى الإعلامي والاجتماعي الاستهلاكي، بل كان يكتب ليرضي محمد الثبيتي في داخله، ولكي يظل دائماً على شبه بمدينته.. الطائف.
[email protected]
محمد الثبيتي.. شاعر الغَضَا
5 نوفمبر 2021 00:08 صباحًا
|
آخر تحديث:
5 نوفمبر 00:09 2021
شارك