النخب.. والتحوّل الرقمي

00:31 صباحا
قراءة 4 دقائق

د.إدريس لكريني

على امتداد التاريخ البشري، لعبت النخب أدواراً طلائعية، حيث ساهمت في تطور الحياة الإنسانية في مختلف المجالات، فبفضل إبداعاتها وذكائها وطموحها وجاذبيتها، استطاعت أن تؤثر في توجهات الناس، وتتحكم في فئات عريضة من المجتمع.

 تمثل النخب أقلية داخل المجتمع، وهي تتوفر على خصائص وقدرات ذاتية وإمكانيات أخرى موضوعية، تمكّنها من قيادة المجتمع والتأثير فيه، من خلال قدرتها على صناعة القرارات المختلفة أو التأثير فيها، وهي تحتل بذلك مكانة متميزة داخل المجتمعات، باعتبارها القاطرة التي يفترض أن تقود حركة التطور والتنمية، غير أن نجاح هذا الدور الحيوي والمهم يظل مشروطاً بمدى قوتها ومصداقيتها وتجدّدها.

تتباين أهمية النخب بحسب حضورها وقوتها وقدرتها على التأثير، وبمدى الاحترام والمصداقية التي تحظى بهما في أوساط المجتمع، وهي تصنف بحسب المجال الذي تعنى وتهتم به، وعلى الرغم من كونها تحظى بحضور وازن وسط الجماهير، غير أنه وعلى عكس النخب الاقتصادية والدينية والعسكرية التي يقتصر تأثيرها في غالب الأحيان على قطاعات ومجالات بعينها، فإن النخب السياسية بمستوياتها المختلفة، تحتل مكانة متميزة ضمن قائمة النخب المختلفة الأخرى، بالنظر إلى دورها في صناعة القرارات التي تمس مختلف المجالات التي تهم المجتمعات.

  لا أحد كان يتصوّر قبل عقدين من الزّمن أنّ تطوّر شبكة الإنترنت وما أتاحته من إمكانات جديدة على مستوى التواصل وتبادل المعلومات، سيحدث ثورة حقيقيّة من حيث التأثير في الرأي العام وفي السياسات العمومية.

  فقد أتاح النشر الإلكتروني فرصاً كبيرة في هذا الخصوص، وأثار اهتمام الكثيرين منذ بدايات ظهوره، وبخاصة في أوساط الشباب الذين انجذبوا للتقنيات الحديثة التي يزخر بها على  مستويات عدة، وهو ما يبرزه الإقبال الشديد والمتزايد على شبكات التواصل الاجتماعي.

 يؤكد الكثير من الإحصائيات الإقبال المتزايد لمختلف الفئات الاجتماعية على شبكات التواصل الاجتماعي بأصنافها المختلفة، بعدما تحولت من تقنيات للتواصل، إلى قنوات مؤثرة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.. ويجد هذا الإقبال المكثف تفسيره في الحرية التي توفرها هذه الشبكات على مستوى التعاطي بقدر من الحرية مع عدد من المواضيع، والتواصل العابر للحدود، بما يمثل تجاوزاً للرقابة التقليدية التي ظل يفرضها الكثير من الحكومات على وسائل الاتصال بشكل عام.

  وأصبحت تمثل هذه الشبكات بذلك متنفساً بالنسبة لعدد من الأشخاص الذين وجدوا فيها منبراً للتعبير عن الذّات وعن التطلّعات وإبراز المَواقف المختلفة، وهو ما يفسر إقبالهم المكثّف على هذه التقنيات، حيث نجح الكثير منهم في إيصال أصواتهم إلى المجتمع وإلى صنّاع القرار.

  وفي الوقت الذي أتاحت هذه الشبكات فرصاً أمام مجموعة من الفئات للتعبير عن معاناتها وآرائها وآمالها وتطلعاتها، ولتناول عدد من القضايا والإشكالات المهمة بالنقاش الجاد والمرافعة بشأن عدد من الملفات السياسية والقانونية والاجتماعية، أمام صانعي القرار، فتح المجال أيضاً لنشر مجموعة من الأخبار الزائفة والمغلوطة، والنقاشات التافهة والشعبوية.

  ومع تطور هذه الشبكات التي أصبحت تعج بمحتويات سياسية واجتماعية وتقنية وثقافية وفنية متباينة، ما أعطاها إشعاعاً وانتشاراً وتأثيراً كبيراً على المستويات الوطنية والإقليمية وحتى الدولية، برز الكثير من صانعي وعارضي المحتويات في هذه الشبكات وحققوا انتشاراً كبيراً، في مجالات متعددة، فيما تباينت المضامين من حيث جودتها.

ومع تطور هذا الانتشار وتنامي تأثيراته الملحوظة داخل المجتمع، سعى العديد من الدول إلى تطوير ترسانته القانونيّة على طريق دعم الأمن الرقمي، من خلال تجريم عدد من الممارسات المنحرفة، كالإشادة بالعنف والتحريض والقرْصنة الرقميّة.

حقيقة أن ثمة العديد من السياسيين والمثقفين والإعلاميين والفنانين انفتحوا على ما توفره هذه الشبكات من إمكانات وفرص، بفتح حسابات في هذا الخصوص، واستطاعوا أن يحققوا تأثيراً مهماً في أوساط الجماهير، غير أن كثيراً من هذه النخب لم تتحمس بعد لذلك، لاعتبارات ذاتية وأخرى موضوعية.

  لا تخفى التطورات المذهلة التي تحققت مع التكنولوجيا الرقمية، وتأثيراتها المتسارعة داخل المجتمعات في مناطق مختلفة من العالم، وهو ما دفع الكثير من الدول إلى توظيفها في المجالات الإدارية والتجارية والأمنية والتعليمية والصحية.  وتشير التقارير والمعطيات الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة أن شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت تربط بين ما يناهز نصف سكان العالم بالكامل، ما يعزز التواصل بين الشعوب، ويسهم في نشر المعارف والعلوم والثقافات والمعلومات المختلفة.

  لا تخفى الإشكالات التي واجهت النخب داخل كل المجتمعات، حيث كان من الطبيعي أن تتأثر سلباً أو إيجاباً بالمتغيرات والتطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يشهدها محيطها، ويبدو أن التطورات الرقمية التي استوعبت كل الفئات المجتمعية بغض النظر عن كفاءاتها ومستوياتها التعليمية والمهنية، كلها عوامل تفرض انخراط النخب في هذه الدينامية لتعزيز مكانتها داخل المجتمع والتفاعل المسؤول مع قضاياه، ولإرساء قدر من التوازن، والحيلولة دون تفشي السطحية والشعبوية بكل أشكالهما ومظاهرهما.

[email protected]

عن الكاتب

​باحث أكاديمي من المغرب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/56rfy5tw