صراع يحدد النظام العالمي

00:33 صباحا
قراءة دقيقتين
افتتاحية الخليج

لكل حرب أدواتها ووسائلها، وأدوات الحرب الحالية تختلف عن سواها من حروب إقليمية وعالمية. الصراع الحالي بين روسيا من جهة والدول الغربية من جهة أخرى حول أوكرانيا ومجمل ساحة أوروبا الشرقية، وأيضاً بين الصين من جهة والولايات المتحدة وبعض الدول الغربية الأخرى، حول بحر الصين الجنوبي وتايوان، والنفوذ في جنوب شرق آسيا، يأخذ مديات واسعة سياسية واقتصادية وسياسية وعسكرية وتقنية وسيبرانية، وعلى نتائجها سيتحدد شكل النظام العالمي الجديد إن كان من خلال المفاوضات، أو في الميدان. 

فنتيجة الحرب العالمية الثانية أدت إلى قيام نظام دولي ثنائي القطبية (الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي) ظل صامداً حتى انهيار الاتحاد السوفييتي وتفككه إلى مجموعة من الدول عام 1991، حيث أعلنت الولايات المتحدة سيادتها المطلقة على النظام الدولي، وبدء «العصر الأمريكي»، لكن على مدى العشرين سنة الماضية جرت تحولات عالمية دفعت بالصين إلى الصفوف الأولى عالمياً، اقتصادياً وتكنولوجياً واستثمارياً، كما استعادت روسيا قدراتها العسكرية والسياسية وعلاقاتها الدولية، في حين حصل انكفاء أمريكي واضح على مختلف المستويات وصفه ساسة وخبراء أمريكيون بأنه «بداية الانحدار»، كما هو حال كل الإمبراطوريات في التاريخ، وكُتب في ذلك العديد من المقالات ووُضع أكثر من كتاب يفصّل مدى هذا الانحدار ونتائجه، ومنها بروز قوى دولية أخرى فاعلة تعتزم المشاركة في قيام نظام دولي جديد على أنقاض النظام الحالي الذي يتفكك.

إن أي نظام دولي جديد لا يقوم من تلقاء نفسه؛ بل نتيجة مخاض عسير ومؤلم تفرضه التحولات الدولية وموازين القوى، إما من خلال الحروب، وإما من خلال الحوار والتوصل إلى صيغة مقبولة للمشاركة. 

وما يجري الآن على الساحة الأوروبية بشأن أوكرانيا، وتمدد حلف الأطلسي شرقاً باتجاه حدود روسيا، وارتفاع سقف المواجهة، ورفض تقديم أي تنازلات من الجانبين، وأيضاً تصاعد حدة النزاع بين الصين والولايات المتحدة، وقيام تحالفات أمنية وعسكرية على اتساع ساحة جنوب شرق آسيا بهدف تطويق الصين، كل ذلك هو الوجه الحقيقي للصراع على النظام الدولي الذي تصر الولايات المتحدة على البقاء وحيدة في قيادته. 

لم تحقق المفاوضات بين روسيا وحلف الأطلسي (الناتو) أي اختراق يمكن أن يساعد على تهدئة الوضع؛ بل كانت هناك حملة غربية ضارية ضد روسيا وتهديدها بعقوبات شديدة جداً، كما أن العلاقات بين الولايات المتحدة والصين ليست أفضل حالاً. 

كل ذلك يشير إلى أن هذه الدول تريد حسم مسألة النظام الدولي، وذلك لن يتحقق إلا من خلال المزيد من سياسة «عض الأصابع» أو «حافة الهاوية»، ومن ثم التوصل إلى صيغة اتفاق، وإلا فإن العالم سيشهد مواجهة ساخنة ومدمرة قد تتجاوز حدود الدول المعنية، وقد لا يبقى معها أي نظام دولي.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"