عادي

«ذا لوست سيتي».. رومانسية ممتعة بلا توتر أو ملل

يبعدك عن أجواء التكنولوجيا والتواصل الاجتماعي
22:28 مساء
قراءة 5 دقائق
1

مارلين سلوم
الرومانسية هي الأقل حضوراً في السينما الحديثة، وكأنها نقطة ضعف يهرب منها صناع الأفلام فيصبون كل جهودهم في تقديم أعمال معقدة يسمونها ب«خيال علمي» تعتمد على البطولات الخارقة والقصص الوهمية اللامنطقية وتكديس أسماء أبطال، وتخلو من المفهوم الحقيقي للخيال العلمي، فيما تذهب الفئة الأخرى باتجاه «الأكشن» والجريمة، بينما الواقع الذي نعيشه يتطلب تكثيف جرعة الرومانسية الراقية في السينما، لأن الجمهور يحتاج إليها بشدة كمحطة استراحة هرباً من اللهاث وإيقاع الحياة السريع والصاخب وضجيج عالم التكنولوجيا. لذا تجد في فيلم «ذا لوست سيتي» أو «المدينة المفقودة» المعروض في الصالات منفذاً تلجأ من خلاله إلى الهدوء والاستمتاع بالمشاهدة فقط، بلا توتر أو ملل.

تتخلى عن بعض الشروط التي تضعها في حسابك وأنت تختار مشاهدة أو تقييم فيلم، مثل أن تكون قصته جديدة وغير محكية في السينما من قبل، مقابل أن تجد منتجاً جيداً يقدم لك المتعة والإخراج الجيد والتمثيل الكفيل بجذبك طوال مدة العرض. هذا ما يحصل معك وأنت تشاهد فيلم «المدينة المفقودة»؛ حيث تشعر بأن القصة مألوفة، سبق أن شاهدت مثلها في أفلام سابقة، وتذكرك كثيراً بفيلم «الحجر رومانسي» (بطولة مايكل دوجلاس، كاثلين تيرنر وداني دي فيتو، إخراج روبرت زيميكيس، إنتاج 1984)، ناهيك عن عدة أفلام ترتكز على البحث عن مدينة مفقودة أو كنز مفقود في جزيرة نائية وآثار قديمة وأساطير خرافية تحسبها فعلياً جزءاً من التاريخ القديم. وهنا تحسب نقطة إيجابية لصالح «ذا لوست سيتي»؛ إذ على الرغم من تشابه قصته مع أعمال سابقة فإنه عرف كيف يتميز وينجح في تقديم حبكة رومانسية كوميدية مشوقة، ولا شك أن لأبطاله دوراً مهماً في هذا النجاح، لاسيما الثنائي الرائع ساندرا بولوك وتشانينج تاتوم.

تماماً مثل فيلم «رومانسينج ذا ستون» تعتمد الخطوط العريضة للقصة التي كتبها وأخرجها الثنائي آدم وآرون ني وشاركهما في الكتابة أورن أوزييل ودانا فوكس، على وجود مؤلفة قصص رومانسية تضطر رغماً عنها للسفر إلى إحدى الجزر النائية، في «رومانسينج ذا ستون» تسعى الكاتبة إلى إنقاذ شقيقتها المخطوفة، وتضطر للتعامل مع اثنين من المرتزقة في بحثها عن الكنز، بينما في «ذا لوست سيتي» يتم خطف الكاتبة لوريتا سيدج (ساندرا بولوك) مؤلفة رواية «المدينة المفقودة» مباشرة بعد حفل إطلاق كتابها الأخير من قبل رجل الأعمال الثري أبيجيل فيرفاكس (دانيال رادكليف)، ويصطحبها بطائرته الخاصة إلى جزيرة نائية في المحيط الأطلسي ليريها بأن المدينة المفقودة التي تتحدث عنها موجودة، وعليها أن تفك له رموز كلمات منقوشة على ما يشبه البردية كي يتمكن من الوصول إلى كنز الملك كلامان وهو عبارة عن تاج أهداه لحبيبته الملكة تاها، فيثبت لأبيه أنه أفضل من أخيه الذي سلمه الأب كل أعماله.

تكرار الاسم

اللافت هو اختيار اسم «ذا لوست سيتي» لهذا الفيلم على الرغم من وجود فيلم سابق بنفس الاسم مع اختلاف القصة والمضمون، إنتاج عام 2005 بطولة وإخراج أندي غارسيا وشاركه مجموعة من النجوم منهم بيل موراي؛ مغامرات وأجواء رومانسية وبركان يسيطر على الجزيرة النائية (حيث تدور معظم أحداث القصة) وهو على وشك الانفجار في أي لحظة، لذلك يشكل عامل ضغط مهماً وعلى البطلة الإسراع في حل اللغز والوصول إلى الكنز في الوقت المناسب، أو العمل بذكاء من أجل الفرار قبل فوات الأوان.

أكثر ما يريحك في هذا الفيلم أنه يبعدك عن أجواء التكنولوجيا والتواصل الاجتماعي، وكأنه من الأفلام القديمة؛ حيث الهاتف النقال مجرد وسيلة للاتصال ليس أكثر، فتنشغل بتفاصيل كثيرة وأجواء الطبيعة والكوميديا الظريفة غير المفتعلة وإن كانت متوقعة في بعض المشاهد. كوميديا الموقف تبدو تلقائية خصوصاً أن ساندرا بولوك بارعة في أدوار المغامرات المطعّمة بالكوميديا العفوية؛ وفي هذا العمل يشكل معها تشانينج تاتوم ثنائياً رائعاً؛ حيث يكشف هو الآخر عن خفة ظل وأداء مميز في الكوميديا، علماً بأن دوره بالأساس قائم على شخصية «النجم التافه»، فالعارض آلان يجسد شخصية «داش ميكماهان» بطل روايات لوريتا ويتصدر أغلفة كتبها، بينما تأخذ بطلتها الطبيبة لافمور شكل المؤلفة نفسها. آلان حقق نجومية واسعة جداً بفضل شخصية داش، لكن لوريتا تنظر إليه بشيء من الغرور وتعتبره «فارغاً» لا تحب وجوده خصوصاً أنه يسرق الأضواء في أي لقاء مع الجمهور وتتركز الأسئلة كلها حوله، في تلميح صريح إلى انشغال الجمهور أحياناً بالمظهر وشكل البطل وكأنه هو فعلياً من يفكر ويتحدث من تلقاء نفسه متجاهلين أنه يوجد هناك عقل مؤلف أو مؤلفة قام بحياكة خيوط القصة وحرّك كل الشخصيات كيفما يشاء.

على الرغم من أن شخصية آلان تبدو سطحية، فإن آدم وآرون ني نقلاها تدريجياً من مرحلة إلى أخرى لنكتشف مع البطلة لوريتا أن آلان ليس داش، وأنه ليس مجرد عارض يستعينون به لتصويره على أغلفة الكتب والمجلات. تطور ذكي بالشخصية تفاعل معه تاتوم بإتقان ونجح في مختلف المراحل، بداية كعارض يتباهى بشكله والشعر الطويل المستعار، ثم الإنسان الوفي الغيور على من عمل معها لسنوات، وبعدها المغامر العاشق، فبعد انتهاء حفل إطلاق آخر كتبها والاحتفاء بعودتها إلى الكتابة بعد انقطاع خمسة أعوام بسبب وفاة زوجها عالم الآثار جون، تشاجر آلان مع لوريتا ووصفها بالمومياء البشرية كدليل على جمودها وعزلها نفسها داخل منزلها، لكنه سريعاً ما شعر بتأنيب الضمير ولحق بها للاعتذار، فإذا برجال يقومون باختطافها بسيارة سوداء. يبلغ صديقتها ومديرة أعمالها بيث (دافين جوي راندولف) ويحاولان إقناع الشرطة دون جدوى بخطورة الأمر، لذلك يتصل آلان بمدربه الرياضي جاك ترينر (يجسده براد بيت في ظهور سريع ومميز) الذي يوافق على تتبع مكانها من خلال ساعتها الإلكترونية، وينجح بالفعل في الوصول إليها وإنقاذها، لكن المؤلفون لا يملون من مفاجأتنا وتعديل مسار الأحداث كي ترتفع وتيرة التشويق والإثارة باستمرار.

تفاعل وانسجام

مثلما تتصاعد الأحداث ويجد آلان ولوريتا نفسيهما وسط الغابة والجبال وعليهما إيجاد وسيلة للهروب من الاختطاف، يعلو تدريجياً التفاعل والانسجام بين الثنائي بولوك وتاتوم، خصوصاً في المواقف الكوميدية وليس فقط في التقارب العاطفي الذي تتوقعه وتنتظره بطبيعة الحال أنت كمشاهد.

كل الشخصيات في مكانها، حتى ضيف الشرف براد بيت ترك بصمة في الفيلم على الرغم من مروره السريع، ودانيال رادكليف أدى المطلوب منه لكن شخصية فيرفاكس لا تسمح له بالتحرك كثيراً ولا التنويع في الأداء أو الخروج عن المألوف، علماً بأن بطل «هاري بوتر» أثبت امتلاكه قدرات هائلة وعالية في تجسيد مختلف الألوان، لكن ميوله إلى الأدوار الغريبة والشخصيات «الشريرة» تبدو وكأنها محاولات لكسر هالة الطفل البريء المحبب هاري بوتر التي لازمته لسنوات طوال.

اختيار المخرجين التصوير في سامانا في جمهورية الدومينيكان منح الفيلم مصداقية بالمشاهد الطبيعية والغابات والجبال، وأسهم أيضاً في منح الجمهور مساحة من الراحة ومتعة النظر، ما يشكل عنصراً إضافياً يدفعك لمشاهدة الفيلم باسترخاء.
[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"