رفع الفائدة.. المبررات والتداعيات

21:47 مساء
قراءة 4 دقائق
2

د. جاسم المناعي *

بعد فترة طويلة نسبياً تجاوزت العقدين من الزمن والتي ظلت فيها أسعار الفائدة في مستويات متدنية تبدأ الآن دورة جديدة من ارتفاع أسعار الفائدة والتي قد تستمر في المدى المنظور. وبالنسبة للدول التي باشرت في رفع أسعار الفائدة مثل أمريكا وبريطانيا وقريباً أوروبا فإن المبرر الأساسي هو ارتفاع معدلات التضخم لديها بشكل أكبر بكثير من المعدل المستهدف من قبل السلطات النقدية وهو في حدود 2%، بينما وصل التضخم في أمريكا إلى ما يزيد على 8% وهو المعدل الذي لم تعرفه منذ أكثر من أربعين سنة كما وصل التضخم إلى 7% في بريطانيا.

ووفقاً لذلك بدأت السلطات النقدية في هذه الدول بالتخوف من أن مثل هذه المعدلات من التضخم من شأنها أن تؤدي إلى انكماش النمو الاقتصادي هذا إذا لم تؤدِّ إلى حالة من الركود. وتلافياً لمثل هذه النتائج أصبح موضوع رفع أسعار الفائدة أمراً ضرورياً لكبح جماح التضخم وضمان استقرار الأوضاع المالية والاقتصادية.

وفي الواقع فإن مؤشرات التضخم قد بدأت في الظهور حتى قبل اندلاع حرب أوكرانيا، حيث إن السياسة النقدية المتراخية والتي اتبعت من قبل البنوك المركزية الرئيسية في العالم والمتمثلة في الإبقاء على معدلات فوائد منخفضة جداً طوال فترة ليست بالقصيرة وتدخل السلطات النقدية، من خلال شراء السندات الحكومية إضافة إلى المبالغ الكبيرة التي ضخّتها السياسة المالية لتعويض الخسائر التي تكبدتها أنشطتها الاقتصادية من جراء جائحة كورونا، كل هذه الأموال الكبيرة قد أدت إلى توفر كمية هائلة من السيولة انعكست بالطبع في شكل ارتفاع الأسعار وتفاقم ظاهرة التضخم. حرب أوكرانيا أتت لتضيف مزيداً من الضغوط التضخمية من خلال تعثر إمدادات المحاصيل والمواد الغذائية إضافة إلى نقص في إمدادات موارد الطاقة نتيجة لمقاطعة أمريكا وإلى حد ما أوروبا للغاز والنفط الروسي، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط.

إن رفع أسعار الفائدة وإن كان من شأنه بالدرجة الأولى معالجة الأسباب المحلية للتضخم مثل فائض السيولة وشدة الطلب إلا أن العوامل الخارجية مثل تعثر إمدادات المواد الغذائية ونقص موارد الطاقة وارتفاع أسعارها قد تبقى خارج السيطرة إلى أن تزول أسبابها. مبررات رفع أسعار الفائدة قد تختلف لدى دول أخرى، فعلى سبيل المثال فإن الدول المرتبطة عملاتها بالدولار كمعظم دول المنطقة فإن رفع سعر الفائدة ليس راجعاً بالضرورة إلى ارتفاع مستوى التضخم بقدر ما هو راجع إلى مبررات أخرى تتعلق بالحاجة إلى ضمان استقرار أسعار الصرف واستقرار حركة رؤوس الأموال والتحويلات المالية. أما بالنسبة لتداعيات رفع أسعار الفائدة فهي عديدة أولها إمكانية تراجع معدلات النمو الاقتصادي هذا إذا لم يؤدِّ ذلك إلى حالة من الركود.

وفي حال استمرار حالة التضخم لفترة طويلة فإن اقتصاديات العالم يمكن أن تواجه ما يعرف بالركود التضخمي والذي يتلازم فيه وجود تضخم مع حالة ركود. بالنسبة إلى تأثير رفع سعر الفائدة على قيمة الدولار فإن العملة الأمريكية في هذه الحالة تزداد جاذبيتها وبالتالي يزيد الطلب عليها، الأمر الذي يرفع من قيمتها. هذا بالتبعية ينطبق على العملات المرتبطة بالدولار حيث تزداد قيمتها.

وفي حالة دول المنطقة المرتبطة عملاتها بالدولار فإن ارتفاع قيم عملاتها من شأنه جعل وارداتها أقل كلفة، الأمر الذي من شأنه من ناحية الحد من ارتفاع أسعار المنتجات المستوردة، لكن من ناحية أخرى من شأن ذلك تسهيل زيادة الاستيراد هذا إضافة إلى أن ارتفاع قيم عملات دول المنطقة من شأنه جعل صادراتها أقل تنافسية. من التداعيات الأخرى لرفع أسعار الفائدة هو زيادة تكاليف الاقتراض سواء لدواعي عمليات الإنتاج أو للنشاط العقاري خاصة تلك التي تعتمد على الرهون العقارية وبالتالي فإن تداعيات رفع أسعار الفائدة على قطاع العقار لا تعتبر إيجابية.

كذلك فإن التداعيات لا تعتبر إيجابية أيضاً لكل من قطاع الأسهم والسندات، لذلك نشهد وفقاً لذلك تراجعات في هذه القطاعات على الصعيد العالمي، وقد تزداد هذه التراجعات مع الاستمرار في رفع أسعار الفائدة. هناك بالطبع تداعيات إيجابية وإن كانت في قطاعات محدودة مثل قطاع المصارف، حيث إن رفع سعر الفائدة من شأنه زيادة أرباح البنوك نظراً لارتفاع الهامش الذي تتقاضاه المصارف في شكل الفرق بين سعر الإقراض ومستوى ما تمنحه للمودعين والذين يفترض أن ينالون عائداً متزايداً مع تزايد رفع سعر الفائدة.

هناك بالطبع تداعيات أخرى خاصة بالدول النامية والتي تتمثل في إمكانية نزوح رؤوس الأموال تجاه الدول ذات أسعار الفائدة الأعلى كما أنّ من شأن ذلك زيادة أعباء الدول المثقلة بالديون الدولارية، حيث إن رفع سعر الفائدة على الدولار ينعكس في شكل تكاليف أعلى لهذه الديون سواء السيادية منها أو الخاصة بمؤسسات هذه الدول، الأمر الذي قد يجعل من عملية تسديد هذه الديون مسألة صعبة جداً إن لم تكن متعسرة.

وسواء تعلق الأمر بمبررات أو تداعيات رفع سعر الفائدة، فإنه يمكن أن تقل حدّتها في حال حصول انفراجة في حرب أوكرانيا، وبالتالي ترجع إمدادات المحاصيل والمواد الغذائية إلى وضعها الطبيعي كما أن ذلك من شأنه أن يخفف من الضغط على مصادر الطاقة في حالة انتهاء المقاطعة للنفط الروسي، وبالتالي ترجع أسعار المواد الغذائية وأسعار النفط إلى مستوياتها فيما قبل الحرب. كذلك إذا تقلص مستوى النشاط الاقتصادي وساد التخوف من حصول ركود اقتصادي فإن هذه العوامل مجتمعة لا بد وأن تخفف من حدة الضغوط التضخمية، وبالتالي قد تؤدي إلى وضع تنتفي فيه مبررات الاستمرار أو على الأقل تخفيض وتيرة رفع سعر الفائدة. هل مثل هذه الأمور يمكن أن تتحقق؟ لا أحد يضمن ذلك.

* الرئيس السابق لصندوق النقد العربي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"