الغذامي.. ناقد بمذاق المفكر

23:54 مساء
قراءة 3 دقائق

محمد إسماعيل زاهر

إذا كان طه حسين قد ملأ الدنيا وشغل الناس بكتاب «في الشعر الجاهلي»، الذي أنكر فيه نسبة معظم ما نعرفه من شعر جاهلي إلى مرحلة ما قبل الإسلام، فإن محمد عبدالله الغذامي وفي أحد زوايا مشروعه قد وجّه سهام نقده الحادة إلى تأثير الشعر العربي على رؤيتنا للعالم وتفاعلنا معه. لقد أدى الشعر بوصفه فنّنا الأدبي الأول وديواننا الأبرز إلى «شعرنة» الذات العربية.

أرجع الغذامي يوماً سبب فشل مشروع النهضة العربية إلى أن رويتنا لتلك النهضة كانت «مشعرنة»، مما سيفتح الباب واسعاً أمام أطروحات نقدية تأثرت بشكل أو بآخر بالغذامي وفي حقول ثقافية عدة، أو تقاطعت مع الثقافة أو كانت على تخومها، ليس آخرها حازم صاغية، في كتابه الضخم «رومنطقيو المشرق العربي»، حيث نلمح قبساً من التشابه بين مفهومي «الشعرنة» و«الرومنطيقية».

لم يكن عمل الغذامي في تعاطيه مع الشعر نظرياً بحتاً، وتميز بجرأة لافتة في قراءاته المختلفة للشعراء العرب وبمعايير منهجية وأدوات بحثية حديثة، ومن هنا تأتي قيمته ومكانته، وتعاطي مع رموز شعرنا القديم والحديث، متخلصاً من سلطتهم الموروثة، وتوقف بالتحليل عند فحولهم بوصفهم شكلوا سلطة أثرت في الوجدان، ودفعته إلى بناء رؤية «مشعرنة» للوجود، منفصلة عن الواقع.

في الفصل الأخير من كتاب «النقد الثقافي.. قراءة في الأنساق الثقافية العربية»، يصل الغذامي إلى نتيجة مؤداها أن نزار قباني وأدونيس، وهما فحلان ثقافيان، أو مثقفان شكّلا لعقود سلطة أدبية وفكرية، وأنتجا حداثة رجعية، وتبدو أهمية أطروحة الغذامي من خلال عدة زوايا، فهي أطروحة تتناول فكرة النسق، وهي فكرة يمكن تعميمها ليس على نزار قباني وأدونيس وحدهما، ولكن على مجمل الخطاب الثقافي العربي، فلا يوجد من خرج على النسق في أي قضية من قضايا هذا الخطاب، الكل يعمل وفق آليات ذهنية واحدة. وهي مسألة تحتاج إلى دراسات أخرى عن أعلام الحداثة العربية.

ولكن ما هي الحداثة الرجعية التي أنتجها قباني وأدونيس؟، هي منظومة فكرية تتمثل في سلطوية ذات الشاعر وتضّخمها، هي بتعريف الغذامي في الكتاب: «ترسيخ الصوت الفرد، وهي قيم خلقها وعززها النموذج الفحولي الشعري، وصارت قاعدة مسلكية لكل نماذج التسلط والفردية الاجتماعية والسياسية، بما أن الشعر هو الوجدان العربي، ومن ثم فإن نماذجه هي ما يرسم القيم السلوكية الاجتماعية، من تحت غطاء التبرير البلاغي لكل أخطاء وعيوب اللغة الشعرية، مما «شعرن» كل مظاهر حياتنا من غير أن نعي ذلك».

تكمن أهمية اختيار نزار قباني وأدونيس في تمثيل الأول لجمهور المثقفين والثاني لنخبتهم، فإذا كان الانتشار الكاسح لقباني أسهم في «شعرنة» الذات العربية أو استثمر طبيعتها المشعرنة ليعيد إنتاج مراهقة رومنطيقية فكرية في ثوب عصري، فإن أدونيس نظّر لهذه «الشعرنة». فالحداثة لدى هذا الأخير هي حداثة الشعر، لا الفكر ولا الصناعة ولا العلم، والحداثة الشعرية تتجلى في اللفظ لا المعنى، يؤكد ذلك الغذامي بالقول: «فالحداثة عنده (يقصد أدونيس) لا منطقية ولا عقلانية، وهي حداثة في الشكل، وهو يصر على شكلانية الحداثة ولفظيتها، مع عزوف واحتقار للمعنى وتمجيد للفظ».

الأهم كذلك، وفق نقد الغذامي، أن قباني وأدونيس بعد عقود من التجربة (نصف قرن تقريباً بالنسبة للأول، وما يقرب من سبعة عقود للثاني)، كررا في النهايات نفس الأفكار وربما الصيغ الشعرية التي بدآ بها، ولعبا طوال تجربتيهما على آلية التكرار، نزار قباني استفاد من فكرة الشاعر الفحل والسيد المتسلط على قلوب النساء، وأدونيس لعب على أطروحة الشاعر المتجاوز للإنسان العادي من خلال «عبثية صوفية هائمة».

يصل الغذامي إلى نتيجة مؤداها أن الشعر بما له من مركزية في الثقافة العربية قد أعاق فرص التغيير.

إذن نحن أمام رؤية تحيل معظم مشاكلنا الثقافية الحضارية إلى الشعر الشاعر: غياب النظرة العقلية، وشيوع النزعة الشكلية، والعناية باللفظ على حساب المعنى والمضمون، وثقافة تبرير الأخطاء، والتكرار وعدم القدرة على التجديد والابتكار.

تفتح أطروحة الغذامي الباب واسعاً أمام العديد من الأسئلة التي يجب أن يناقشها كل مهموم بحال الثقافة العربية، بداية من اختبار السؤال المحرج الذي نتج عن أطروحته بالكامل ولم يُقدم أحد على دراسته بهدوء ورويّة ونظرة موضوعية، وهو: إلى أي مدى أعاق الشعر «الشعرنة» النهضة والتقدم؟، وماذا عن قرون نهضت فيها هذه الأمة وكانت تتمثل بالشعر نفسه؟، أم إن آليات التقدم تغيرت وبالتالي يجب التعاطي مع الشعر من هذا المنظور؟، وإلى أي مدى تتفاعل أطروحة الغذامي مع مناخ العصر وتتأثر به؛ عصر السرد وصعود المحكي؟، خاصة أن الغذامي أحد المنظرين العرب القلائل الذين انتبهوا مبكراً لتحوّلات عصر الصورة وما صحبه من صعود للشعبي وسقوط للنخبوي.

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

مقالات أخرى للكاتب