الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
وليد عثمان
رئيس قسم المنوعات في صحيفة "الخليج"
أحدث مقالات وليد عثمان
21 أبريل 2026
ما معنى نهاية الحرب؟

لا عاقل يصفق لأيّ حرب، ودائماً ما تنبني استراتيجيات التعامل مع أي خلاف على تجنّبها ما أمكن؛ لأن الخسائر لا تستثني أحداً، حتى الذي تنتهي المواجهة بإعلان انتصاره.

وانتصار طرف، أو أطراف، يعني تحقق كل أو معظم أهداف الحرب المعلنة بالسلاح والتفاوض، وهو أمر لايمكن حسمه حتى الآن بالنسبة لطرفي المواجهة الأمريكية - الإيرانية، بعيداً عن ادعاءات كل منهما، أو الزعم بتحطيم أحدهما قدرات الطرف الآخر، إما للحفاظ على القدرات النفسية وترويج استمرار إحجام القبضة على الداخل في هذا الجانب، أو إرضاء لتيارات سياسية أو أتباع، والضغط على الخصم لدفعه إلى التسليم والقبول بالشروط في الجانب الآخر.

الواقع أننا نعيش ساعات قد تكون حاسمة في المواجهة الأمريكية -الإيرانية، والمؤكد أن كل طرف ينشد نهاية لهذه الجولة وفق معاييره، وقد تكون النهاية وشيكة، أو تتأجل، سواء بامتداد الهدنة، أو استئناف الحرب بحثاً عن صيغة حسم جديدة.

الثابت أن دول الخليج التي استهدفها العدوان الإيراني، ضمن حسابات خاطئة وحمقاء، لم تسعَ إلى الحرب، ولم تحرّض طرفاً عليهاً، بل رحّبت قبلها بأيّ صيغة تساعد على عدم الانجرار إليها، وأسهمت في تقريب وجهات النظر بين الولايات المتحدة وإيران. والمؤكد أن دول الخليج تنتظر نهاية لأوضاع حذرت منها كثيراً، ومنها تهديد أمن العالم واستقراره الاقتصادي والإنساني، وزيادة دوائر العداء الإقليمي بما ينال من أمان الشعوب وحقها في العيش والحلم.

ورغم الثابت والمؤكد، فإن حسابات دول الخليج اختلفت بعد أن طالها العدوان، فليس من المتصور أن تكون بعيدة عن سياقات رسم نهاية الحرب بعد أن كانت الأقرب إلى آثارها بعدوان مباشر عليها استهدف سكانها وممتلكاتها وثرواتها المتصلة بمسارات الاقتصاد العالمي.

كيفية توقف الحرب، لا مجرد نهايتها، هو ما يعني دول الخليج، وحضورها في أروقة التفاوض، بأي شكل تختاره، ليس رفاهية أو إثباتاً للتمثيل، بل هو استمرار للتصدي للعدوان الإيراني، والأهم عدم تكراره، أو حتى التهديد به.

اللغة الإماراتية في التعامل مع الأمر لم تتخلّ يوماً عن وضوحها ومواكبتها لكل تصرف خلال أيام العدوان. بهذه اللغة، واجهت الإمارات الجار الأحمق، ليس فقط لأنه خصّها بمعظم نيران إرهابه، لكن أيضاً لأنها نظرت في آفاق ما بعده ورأت أن الانشغال بالتصدي له لا يعني تأجيل التهيّؤ للمستقبل.

لا شك في أن رؤية الإمارات للمستقبل ما يعالج قضايا العالم، والإقليم، والمنطقة، والبيت الخليجي، لكن ذلك لا تكتمل نجوعه بغير صيغة طويلة الأمد رادعة للجار. والمسألة هنا لم تعد مجرد مخاوف، أو هواجس، أو احتمالات، فنحن إزاء حقائق صنعها العدوان الإيراني ونسفت قواعد حكمت التجاور والتعاون وراهنت على فهم جماعي للتعايش الآمن.

كل ذلك ينبغي أن يكون في جوهر النهاية الحقيقية للحرب، أياً كان موعدها، بعيداً عن التسويف أو المناورة.

[email protected]

19 أبريل 2026
الإرادة الغائبة في أزمة المضيق

لم يكن أحد يتصور أن تنتهي المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، ولو بهدنة أجلها أسبوعان أوشكا على النهاية، بأزمة عالمية في مضيق هرمز لها أثرها الحالي على الاقتصاد العالمي، وتبعاتها الأكثر خطورة إذا استمر الأمر رهن إرادتي طهران وواشنطن فقط.

كان حصار المضيق أحد السيناريوهات المطروحة على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل بدء الحرب من مستشاريه، لكنه لم يختر ذلك، ربما ثقة في أن مسارات المواجهة لن تفرض ذلك، وأن الضربات التي ستتلقاها إيران ستضعفها إلى الحد الذي تعجز معه عن اللعب بورقة المضيق.

وخلال أيام الحرب وبعدها، قال ترامب غير مرة إن البحرية الإيرانية أصبحت مستقرة في القاع وإنها انتهت للأبد، لكن الأمور قادت العالم قبل بدء المفاوضات الأمريكية الإيرانية في باكستان إلى واقع واحد هو أن إيران أغلقت المضيق في وجه الملاحة الدولية، وبذلك أصبح مضيق هرمز محور النقاش العالمي، متقدماً في الاهتمام الأمريكي على ما بدأت الحرب من أجله، وهو موضوع البرنامج النووي والصواريخ.

وبعيداً عن أن دونالد ترامب ساير في البداية رغبة إيران في فرض رسوم عبور من المضيق وأعلن أنه يمكن أن يقاسمها إياها، فإن الأمر انتهى إلى حصار أمريكي للممر بداعي الضغط الاقتصادي على إيران ودفعها إلى القبول باتفاق نهائي، وبدا أن هذه الحصار آتى أكله بالإعلان الإيراني، السبت، عن فتح المضيق، ما وسع دائرة التفاؤل بانتهاء الحرب، لكنه لم يستمر غير ساعات عاد بعدها التوتر إلى «هرمز» بإحكام الحرس الثوري قبضته عليه.

ورغم أن البعض يقرأ الصراع الأمريكي الإيراني في المضيق في إطار تبادل الضغوط قبل الاتفاق أو العودة إلى الحرب، فإن كل دول العالم ترى في رهن الممر الحيوي بإرادتي طهران ووشنطن خطراً لا يصح النظر فقط إلى تأثيراته الحالية، ولا السماح بشرعنة هذا الوضع المتجاوز بوضوح للقانون الدولي.

نحن أمام اختبار جديد للقانون الدولي والعبث بمصالح العالم التي تتأرجح بين إغلاق المضيق أو فتحه من جانب إيران، وحصاره من الطرف الأمريكي، والأخطر في الأمر هو بقاء هذه الورقة في يد طهران وإيمانها بنجاعتها للاستخدام المرن عند كل أزمة.

من هنا، فإن الإرادة الثالثة، بل الوحيدة، التي يجب أن تعلو على ما سواها، هي إرادة العالم التي تتوالى المناقشات حول صيغتها وأسلوب تعبيرها عن رفضها للاحتكار الإيراني لأمر المضيق وجرّه إلى تفاصيل أي خلاف من دون النظر إلى مصالح الدول.

ولا يخفى الجهد الإماراتي المبكر لقطع الطريق على تثبيت أي واقع إيراني في المضيق، والاستعداد للتعاون في حماية وضعه التاريخي ممراً عالمياً مفتوحاً للجميع بغير ارتهان لإرادة طرف، وهذا الجهد انتبهت لقيمته بقية دول العالم مع استحكام أزمة المضيق وها هي تشارك فيه، لاستعادة الإرادة الدولية التي تغيب في تطورات الصراع.

14 أبريل 2026
خير لا يصيبه العدوان

توحدت الإمارات في وجه العدوان الإيراني الغاشم منذ بدأ، لكن تفاصيله لم تشغلها عن واجبها الإنساني المعتاد، ولم تنس مهمتها الإنسانية، سواء بتواصل دعم الفلسطينيين في غزة، أو «الفزعة» لإنقاذ طفل مريض، أو النجاح في وساطة جديدة لتبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا.
لم تتذرع الإمارات بما تواجهه، خاصة أن العالم كله رآها في قلب الاستهداف الإيراني، ولو تأخرت عن بعض واجباتها الإنسانية في ظل هذه الظروف ما عوتبت، لكنّ فطرة الشهامة قادرة على إدارة الأولويات بمهارة وتشهد على خبرة توزيع الجهود على الملفات التي تتعامل معها الدولة فلا يُنسي أحدها الآخر.
لذلك، لم يكن غريباً وسط احتشاد الصفحات بأخبار العدوان الإيراني أن تقرأ، وهذا ليس مفاجئاً لمن يعرف جوهر الإمارات، أن «الفارس الشهم» الذي يمثلها ويختصر معناها الإنساني يواصل عمليته المستمرة لدعم الفئات الأكثر احتياجاً داخل غزة بتنفيذ مبادرة جديدة لتوزيع طرود ملابس على النساء والمرضى وكبار السن، تخفيفاً للأعباء المعيشية التي تواجهها الأسر في ظل ظروف القطاع الصعب.
لم تكن هذه المبادرة استثناء في هذا التوقيت الحرج، فبعدها بأيام، وبروح الفروسية والشهامة نفسها، يمتد جسر حميد الجوي، لإيصال 100 طن من المساعدات الإغاثية العاجلة إلى الأشقاء في غزة، استمراراً لترجمة قيم التضامن والتكافل التي تنتهجها الإمارات، قيادةً وشعباً، في مساندة أهل القطاع.
قبل ذلك وبعده، لم تتوقف الإمارات عن نصرة الغزيين بكل الأوجه، رغم كل ما يدور في المنطقة، خاصة بدول الخليج، بل إنها، وضد كل موجات التشاؤم التي تلف المراقبين، تواصل نسج «ثوب الفرح»، المبادرة التي تنفذ للمرة الثانية وتسلك سبيل دعم أهل غزة نفسه، بحفل زواج جماعي يمثل في أحد معانيه الانتصار الدائم للحياة مهما كانت الظروف.
لا ينفصل عن ذلك التفاف مجتمع الإمارات حول طفل مريض لتوفير كلفة علاجه. وهذه كلها خطى إماراتية اعتيادية في الداخل وفي غزة وكل بقعة تعاني، لكنها أكثر دلالة حين تتواصل الآن وتبدو أكثر رسوخاً وقوة من الصواريخ والمسيرات المهاجمة، بل إن هذه الجهود الإنسانية أحد أوجه الصمود والثقة في الانتصار على العدوان وتشفّي البعض ونكرانه.
وكالمعتاد أيضاً، وفي غمرة التصدي لمشعلي الحروب، حرّرت الإمارات بوساطة جديدة بين روسيا وأوكرانيا 350 أسيراً من الجانبين. وفي ذلك، مرة أخرى أكثر من دلالة، فالدور الإنساني لا يقيّده ظرف صعب، وطرفا الأزمة المتواصلة: روسيا وأوكرانيا يثقان بالوسيط المجرّب لأكثر من عشرين مرة، وبجهوده النبيلة التي استفاد منها ما يفوق 6300 أسير.
كل هذه الجهود الإنسانية مرت في سياقها الطبيعي، رغم استثنائية اللحظة، وربما استغربها البعض، لكنها كانت لمن يعرف الإمارات تأكيداً لقاعدة الفروسية والشهامة والنبل والإيثار والإيمان بأن الإنسانية أبقى في السراء والضراء.
[email protected]

12 أبريل 2026
لبنان المشمول بالأسى

سقط لبنان المجرور عنوة إلى ساحة الحرب، من حسابات أطرافها عند التفاوض على الهدنة وبعد إقراراها، وليس ذلك بجديد.
تطلّب الأمر كثيراً من الوقت لحسم إن كان لبنان جزءاً من اتفاق الهدنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من أخرى، وغرق البلد المنكوب في كل وقت بمعظم ساساته، في جدل لم ينته حتى الآن، خاصة أن الاستهداف الإسرائيلي له متواصل، بينما توقفت المواجهة مع إيران مؤقتاً وبدأت مرحلة التفاوض في إسلام آباد.
الاختلاف حول ما إذا كان اتفاق التهدئة يشمل لبنان من عدمه إحدى صور الأسى والسخرية التي تلازم واقعه على الدوام، إذ غرق في تضارب الأقوال حول اختلاف لغات بنود الهدنة، لكنه، في المحصلة، لم يسلم ووجد نفسه أمام توحش التوغل الإسرائيلي، لا في جنوب لبنان، حيث الميدان الرئيسي لمعظم المواجهات، إنما توسع الأمر حتى بلغ قلب بيروت وأوقع من اللبنانيين، بغير تمييز، ما أوقع من قتلى ومصابين، وراكم خسائر البنية التحتية والواقع الاقتصادي القاسي.
لبنان، مرة أخرى، ضحية أكثر من طرف، أولهم دولة غائبة عجزت عن فرض كلمتها أمام «حزب الله» واستمرار وكالته لإيران وحمل سلاحها، حتى في وجه اللبنانيين الذين يجبرون في كل مواجهة على اقتسام ويلات هذا الارتباط، لكنهم يحرمون من أي نصر مدّعى.
أما إيران، فلم تقف كثيراً عند ضياع لبنان في ترجمة اتفاق الهدنة، واستراحت لجعله بنداً في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة في باكستان، بينما مجزرته الجديدة تبلغ مدى قاسياً وتصل إلى نقاط جغرافية لم تصلها من قبل في السنوات الأخيرة.
وكانت إسرائيل أول من روّج خروج لبنان من دائرة الهدنة، وأصرّ مكتب رئيس وزرائها، بنيامين نتنياهو، صباح اليوم التالي للاتفاق على أن يفرض واقع استباحة الساحة اللبنانية التي تجاوزت هنا جغرافية مواجهته التقليدية مع «حزب الله» في الجنوب وشقّت طرقها إلى ما بعد، بإنذار مسبق وبغيره.
تساوى الطرفان الإيراني والإسرائيلي في اعتبار لبنان بنداً في المفاوضات، بغض النظر عن الخسائر الشاملة، فالمهم تطويعه على مائدة المحادثات، ليخدم رغبة كل طرف.
ستقبل إيران، في أي اتفاق نهائي، فصل ساحة لبنان عن وكالاتها السياسية والعسكرية بعد أن استثمرتها فيما يدمر، وستتركه يواجه وحده جراحه القديمة والجديدة التي أحدثتها إسرائيل بعد أن استبقت مفاوضات إسلام آباد بفرض واقع جديد في الجبهة اللبنانية شارك فيه الطرف الأمريكي بجزء من الجدل حول بنود الهدنة.
ضغط نتنياهو ليبقى لبنان وحيداً، وتغاضى الطرف الأمريكي إرضاء للحليف الشريك في مواجهة إيران، بل إنه أكد أن لبنان ليس جزءاً من الهدنة. وعندما تحسّب الطرف الأمريكي لخطورة ذلك على المفاوضات المرتقبة مع إيران، طلب تخفيف العمليات الإسرائيلية في لبنان ليبقى في مأساته الطويلة محل إجماع، بينما يختلف حوله المتحاربون في أوقات الاستراحة.

[email protected]

7 أبريل 2026
الجبهة الداخلية

في هذه الحرب التي تتأرجح نهايتها المأمولة على مشنقة الوقت والمهل الحافلة بالاحتمالات، تتعدد الجبهات وتختلط الأوراق وتتدفق الرؤى والتحليلات في محاولة للفهم والقبض على رجاء لنهاية قريبة.
ووسط كل هذا الغيم، تبدو الجبهة الداخلية في الإمارات نقطة ضوء، وهي تقدم كل لحظة علامات جدارتها بالرهان عليها في كل وقت، خاصة في مثل هذا التحدي الذي يخوضه كل فرد في الإمارات، إيماناً بالقدرة الجماعية على الصمود والنفاذ من تجربة الاستهداف المكثف بدرجة أعلى من الصلابة والاتحاد.
والاتحاد، الذي هو لصيق بالإمارات، اسماً وفعلاً ومحوراً للتجربة المستهدفة، يزداد تجلياً في هذه اللحظة التي تصهر كل مكونات المجتمع الإماراتي وتزيد قبضته على وطن هو في جوهره، حلم ممتد لكل أبنائه من إماراتيين ومقيمين، كلما تحقق منه فصل أغرى بانتظار المزيد وآوى إليه باحثون من كل أنحاء العالم عن حياة بمعناها الحقيقي المكتمل الذي يعز وجوده في معظم البقاع.
منذ قام الحلم على قاعدة أن خير الله في الإمارات لكل خلقه، ثم ثبت ذلك بالممارسة، آمن كل من يحيا في هذا الوطن أنه صاحب مصلحة في أن يبقى. وهكذا، تشكلت الجبهة الداخلية في الإمارات على قاعدة إنسانية تنعدم فيها المسافات بين القيادة وأبنائها، وتقوم فيها معادلة العيش المشترك على احترام تجربة لا بدّ أن تبقى محروسةً بالانتماء الصادق إليها وقانون معظمه غير مكتوب يساوي بغير تهاون، ويحاسب بلا تجاوز، ويوجّه من دون تعسف إلى اتباع ما يضمن الشراكة العادلة في الحلم الإماراتي.
وفي وقت مثل الذي نحياه، تبدو وحدة المجتمع الإماراتي، أو الجبهة الداخلية بمفردات الحرب التي لم نسعَ إليها، ثمرة لما كان وما هو كائن، وثقة في ما سيكون. حتى الذين عاشوا في الإمارات وغادروها منذ سنوات، يعودون إليها الآن بأرواحهم ويضعون أنفسهم في خدمة وطن أكرمهم وحقّ عليهم الدفاع عنه بغير تزلف، ولا طلب، إنما هي شهادة لوجه الله والإنسانية التي خبروا معانيها وسكنت تفاصيل حياتهم هنا.
لا قيمة لمن تنكّروا ولم يكتفوا بذلك، بل انضموا، ولو بالصمت، إلى الطاعنين، فتلك مواقف تذهب جفاء، أما ما نفعت به الإمارات الناس، فهو الباقي في صلابة جبهتها الداخلية أمام عدوان قد يكون الأوضح في أدواته وكثافته وما يحركه من غلّ، لكنها ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي تجد فيها الإمارات نفسها أمام سيل ادعاءات وتشويه لا يحرك في التجربة حجراً، إنما يرسخ أركانها ويصقل استثنائيتها.
الجبهة الداخلية في الإمارات تصنع، تحت نار الاستهداف، أبطالها، دعماً للقيادة، ولمن يرابطون على جبهات الوطن الأخرى، وتكفيهم عبء الالتفات إلى متربصين في وسائل التواصل أو على الشاشات والصحف، أو الانشغال بمن يتوهمون أنهم أمام تجربة هشة أو مرفهة لا تجزع حين يدنو الخطر.

[email protected]

5 أبريل 2026
جسور تنهار

الجسور، منذ القدم، علامات نهضة تطوي المسافات والفوارق، وتلتهم العزلة بين جانبين، وتروّض الموانع المائية، فلتحتم الأفكار والعادات وتتحاور في اتجاهين انتصاراً لقيمة إنسانية أساسية هي التعايش بما يتفرع عنها من منافع اجتماعية واقتصادية وسياسية.
والجسور، على صلابتها، روابط قربى ومودة، سواء داخل الوطن الواحد، أو بين وطنين متجاورين، وبعضها تزداد رمزيته الجمالية حين يقوم التصميم على معانٍ مشرقة ومضيئة بالتفاؤل والتواصل، فيصبح الجسر مرادفاً لمدينة أو دولة، دالاً على محبتها للحياة والبشر وحتمية الوصل بينهم.
الجسور في الحرب شيء آخر، تساق إلى المعارك، ككل مفردات الحياة الوادعة، رغماً عنها، فإن لم تُسخّر لنقل آلات حصد الأرواح والجنود المكلفين بالقتل، تكون هي بذاتها هدفاً للقصف ومرادفاً لعودة الإنسان إلى بعض من سيرته الأولى حين كان لا يرى إلا نفسه ولا يؤمن بأن هناك من يشاركه الأرض والخيرات وحب الحياة، ويعتقد أن قدرته على إشعال النار سبيله الوحيد للعيش والاستمرار.
في الحرب الممتدة في المنطقة، تتمدد الجسور في قلب الخطط الجهنمية، وتبرز مدخلاً لعداوة تتسع ورغبة في استطالة الصراع وتحقيق مساعي الهيمنة والتعبير عن أحقاد لم يصبر أصحابها على كتمها طويلاً. وللأسف، أن جسوراً أخرى ليست من أسمنت وحديد تتمزق مهددة بتباعد بين عرب وحّدتهم طويلاً، أو أوصلت معظمهم إلى قناعة لا تهتز بوحدة المصير، لكن هذا التهديد لا محالة زائل كلما طالت أيام الحرب وانجلت أمام الأعين العربية مراميها، وأي أطرافها أخطر علينا أو أولى بالتصدي لأحقاده المغلفة بمزاعم الدفاع عن النفس.
يطول القصف الأمريكي أو الإسرائيلي جسراً في إيران فيأتي الرد تهديداً بنسف جسور خليجية، استمراراً للخلط الإيراني المقصود بين أوراق الحرب، بل إن رأس «الدبلوماسية» في طهران يجد من الوقت ما يعينه على التهديد باستهداف الجسر الرابط بين السعودية والبحرين، بعد أن سبقه زملاء له إلى تسمية الجسور في الدول الخليجية باعتبارها هدفاً للانتقام.
خطورة الأمر ليست في استمرار الخلط الإيراني بين الأمور ولا التعامي عن العدو الحقيقي، بل في الإصرار على قطع كل الجسور التي كانت بين الجيران وعبرت فوقها عقود من التعايش والمنافع المشتركة. ورغم أن الإمارات أولى نقاط الاستهداف وأنجحها في التصدي له، فإنها، قبضاً على قيمها الإنسانية رغم صعوبة اللحظة، تبقي الجسر ممتداً بين الإيرانيين الذين اختاروها وطناً للحياة ولا تفرق بينهم وبين أبنائها من كل الجنسيات.
وفي لبنان، يدفع الشعب المحب للحياة ثمن عقود من إصرار تيار على قطع الجسور الواصلة بين أتباعه والوطن وأن يكون معبراً لإرادة خارجية تنال من سيادته. وفي النتائج، تضرب إسرائيل جسور نهر الليطاني لتعمّق فصل الجنوب عن بقية لبنان وتكمل ما بدأه غيرها، عقدياً وسياسياً، برسم جغرافيا جديدة تزيد مأساة البشر في هذا الإقليم المنكوب بهواة قطع الجسور.

[email protected]