يخشى كثيرون من أن تكون إيران نجحت في استدراج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى مرحلة من عدم القدرة على حسم المواجهة معها، والوقوف موقف العاجز عن التصرف.
الخياران الواضحان أمام ترامب: إما العودة إلى المواجهة العسكرية مع إيران التي أفرزت وقائع جديدة على الأرض، أهمها وضع مضيق هرمز، أو المضي إلى اتفاق يتأسس على هذه الوقائع ويستغل حاجة الرئيس الأمريكي إلى «إنجاز» يضمه إلى ما يفتخر به من حروب أطفأها، أو يعينه في مواجهة خصومه قبل الانتخابات النصفية المقررة بعد خمسة أشهر.
لا أحد يريد الحرب، فلها كُلفتها، وأول المتضررين منها إيران، ولو أنكرت، لكنها تريد منذ اليوم الأول أن تتقاسمها مع محيطها الخليجي أولاً، لذلك لا تزال تصرّ على استهدافه، ومع بقية العالم المتضرر اقتصادياً من واقع مضيق هرمز الجديد.
هذا الواقع بدأته إيران باختطاف المضيق والعمل على تغيير وضعه التاريخي، وردّ الرئيس الأمريكي بحصار السفن الإيرانية ومنع طهران من تصدير نفطها، وبالتالي حرمانها من عوائده وما يترتب على ذلك من أزمات اقتصادية واجتماعية.
ومنذ بدأت الهدنة بين الطرفين في 8 إبريل/نيسان الماضي، وما تبعها من مفاوضات مباشرة، وما يقال عن تفاهمات سرية أو غير مباشرة، تبدو إيران المستفيدة من هذه المراوحة في ملفات الأزمة، إذ جعلت وضع مضيق هرمز ومستقبله النقطة الأبرز في التفاوض، وبعده يأتي البرنامج النووي الذي كان السبب الأول للحرب.
لأكثر من مرة، خرج الرئيس الأمريكي مبشراً باتفاق نهائي مع إيران، وأفرط الوسطاء والمقربون من التفاوض في التفاؤل بقرب التوصل إلى صيغة نهائية. وهدد ترامب طهران بالجحيم، وطمأن الأطراف المعنية إلى أنها لن تتحكم يوماً في مضيق هرمز، ولن تملك برنامجاً نووياً، لكنها لا تزال تناور.
تستمر إيران في الاعتداء على الدول الخليجية، وتستهدف منشآتها المدنية، وتسعى بالوقيعة بينها للإيحاء بأنه لا وحدة في الموقف تجاهها. وربما تريد إيران أن تجعل عدم الرغبة الخليجية في العودة إلى الحرب ضاغطاً على ترامب ليبقى أمامه فقط خيار التفاوض، وهو يتسع يوماً بعد آخر لمزيد من شياطين التفاصيل وتضييع الوقت.
جرّت إيران الرئيس الأمريكي إلى أسابيع الضباب التي تعجزه حتى الآن عن اتخاذ قرار، وتستبقي في المنطقة والعالم حالة اللاحسم، بما فيها من الاستهداف المتقطع لدول خليجية، وعدم وضوح مآل مضيق هرمز الواقع بين الاختطاف الإيراني والحصار الأمريكي. وفي مواجهة الرئيس الأمريكي المتفرد تقريباً بالتصريحات المتعلقة بالأزمة، تتبادل وجوه إيرانية الأدوار، إما في قاعات التفاوض، أو الزيارات الخارجية، أو الأحاديث المستفزة والمجافية لمقتضيات الدبلوماسية أو حسن الجوار، بينما لا يعلم أحد على وجه اليقين من يصنع القرار الإيراني.
إن لكل خيار في مواجهة إيران ثمناً يمكن التحسّب له، لكن بقاء ترامب في الفخ الإيراني هو ما لا يمكن توقع نتائجه.
[email protected]
لا تطيق إسرائيل الأمم المتحدة، خاصة في هذه الولاية، وها هي الصدامات المتكررة بينهما تنتهي بتجميد العلاقة من الجانب الإسرائيلي حتى تنتهي ولاية أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للمنظمة أواخر العام الحالي.
هذه العداوة مبعثها أن الأمم المتحدة في زمنها الحالي تقول تجاه ممارسات إسرائيل في الأراض الفلسطينية ما هو أضعف الإيمان، وتحاول المنظمة منذ بدأت الحرب في غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023 ألا تكتم ما تستطيع من شهادة وتسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية بعيداً عن اللغة الرمادية.
قالت الأمم المتحدة الكثير عما جرى في غزة ونبّهت إلى مفردات الإبادة الشاملة تجاه سكانها، لا لتدين إسرائيل فقط، وإنما لتضع من يعنيه الأمر أمام مسؤوليته ليس فقط أمام حاضر هذه المنطقة، إنما أيضاً تجاه مستقبلها الذي تحاول آلة النار الإسرائيلية القضاء عليه.
لا تستثني إسرائيل في أي موضع تستهدفه أي فئة، لكن ما تفعله بالأطفال في غزة ولبنان يأخذ المنطقة إلى مستقبل يتغذى على العنف والرغبة في الانتقام ونسف احتمالات التعايش.
إسرائيل وهي تتمدد في مزيد من جغرافيا غزة ولبنان ترتكب حماقة طويلة المدى، ليست جديدة على نهجها، لكنها أعظم تأثيراً الآن، وأكبر أثراً في الآتي من سيناريوهات مرادة للمنطقة. يتقاسم الصغار مع غيرهم آلام النزوح والجوع والمرض والبحث عن موضع للحياة فوق أرض تتقلص يوماً بعد آخر وتضيق بأهلها، ويجد الأطفال أيضاً أماكن دائمة في قوائم الضحايا، لكن من ينتظر منهم لا تعني له الحياة إلا المعاناة، فالاتفاقات والهدن لا تعيد إليهم حقوقهم الأساسية، بل تجور على ما قد يتوفر منها في أوقات استثنئاية.
مرة جديدة، تقول الأمم المتحدة إن اعتزام إسرائيل توسيع وجودها في غزة خطوة تعني في أحد أوجهها مزيداً من البؤس للأطفال على الأوجه الصحية والغذائية والنفسية في بقعة صغيرة محشوة بالبشر الذين يستأسد عليهم حتى القوارض المتسللة من الشقوق التي لا يملك أحد خرائطها ولا تتبنى صناعتها جماعة أو جهة.
أما لبنان، فتقول الأمم المتحدة أيضاً إن الأرقام المتعلقة بصغارها مروّعة في محاولة للتذكير بقاعدة قديمة لم يعد له أثر، وهي حماية الأطفال في مواضع النزعات، وفق القانون الدولي الإنساني الذي يتعرض للتنكيل كل يوم.
أحصت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) 77 طفلاً قتلوا أو جرحوا في لبنان خلال أسبوع واحد، بمعدل 11 طفلاً كل يوم، وفي أحد الأيام السبعة، قُتل سبعة أطفال وأُصيب 30 آخرون.
الفاعل المباشر، كما هو معلوم، إسرائيل التي أنهت منذ إعلان الهدنة مع «حزب الله» منتصف إبريل/ نيسان، حياة 55 طفلاً وجرحت 212 آخرين.
تكرر إسرائيل تجربتها في غزة على الأراضي اللبنانية، والخطر أبعد من الجغرافيا، فالمكاسب المتوهمة من التوغل وتوسيع رقعة النيران تساويها خسائر قد لا ترى الآن، وخلاصتها تلغيم المستقبل، بما يجعله مهيأً للانفجار في وجه الجميع.
[email protected]
لم تكن منطقة الخليج يوماً، كما هي الخريطة العربية كاملة، خلواً من التحديات، ولا ينفصل ذلك عن الموقع الجغرافي في الأساس، ثم ما ظهر في باطنها من ثروات، وصولاً إلى كونها الآن رقماً مهماً في المعادلات العالمية، لا من باب صلتها بمصادر الطاقة العالمية وأمنها فحسب، إنما لأدوارها السياسية الفاعلة المؤسسة على عناصر قوة متعددة، سواء فيما يتصل بالقضايا العربية والإسلامية أو غيرها.
وسط تحديات، نشأ مجلس التعاون الخليجي في مثل هذا الشهر عام 1981، في استجابة لازمة وواعية لمهددات أمنية وسياسية، كانت إيران في قلبها أيضاً، ولتغيّر في طبيعة القوى الدولية الموجودة في المنطقة، ولرغبة حقيقية في توحيد المواقف وخلق إطار دفاعي مشترك يحمي الثروات، والمصالح المتزايدة، والطموحات المتصاعدة، وفي قلبها الارتقاء بالواقع الاقتصادي الاجتماعي لشعوب دول الخليج، وتطويع عوائد النفط للاستثمار في البشر؛ ليكونوا خط الدفاع الأول في مواجهة الأطماع القريبة والبعيدة.
ومر مجلس التعاون الخليجي مع الدول التي يحتويها بمنعطفات وتحديات خلال سنواته الـ 45، لكنه في المقابل نجح في تجاوزها ورسَّخ دعائم العمل المشترك بينها، وحوَّل رؤى مؤسسيه إلى مؤشرات وأرقام يسهل قراءتها على المستويات التنموية كلها، سواء على مستوى العلاقات بين الدول الست، أو بينها وبين أقاليم العالم. والأهم هو انعكاسات هذه المسيرة على الواقع البشري في دول الخليج، من حيث تأسيس وحدة اجتماعية بين شعوبها تتجاوز، خاصة في لحظات الخطر، المشاعر القُطرية، وتعبر عن وحدة المصير. ولا يمكن بالطبع ما عاد على دول الخليج من منح الاستثمار في الإنسان أولوية، خاصة في دول مثل الإمارات آمنت منذ البداية بأنه ثروتها الأغلى وسلاحها الأهم.
بالطبع، هناك مراجعات لأداء مجلس التعاون الخليجي، كحال التجمعات الإقليمية والدولية كلها، لكن الغالب عليها تزايد الإيمان بوجوده وتعزيز أدواره، خاصة مع التحديات التي تعيشها المنطقة.
صحيح أن حقائق كثيرة نبتت وترسَّخت فوق رمال هذه المنطقة، فلم يعد الواقع كما كان قبل 45 عاماً، وأن هناك تباينات في شأن التعامل مع بعض القضايا، وهذا طبيعي، لكن المعنى الحقيقي للتعاون، بمعناه العام، لم يتغير، وتغلب حتمية دوام الإيمان الخليجي المشترك بوحدة المصير والبناء على ما تحقق من مكتسبات بفضل الصيغة الإقليمية الجامعة.
تحضر إيران أيضاً في قلب التحديات الحالية، وهي ليست كما كانت في 1981 حين تأسس المجلس، ولا دوله على حالها، فهذه الدول مجتمعة، ومنفردة في أغلبها، أصبحت نموذجاً تنموياً ناجحاً له ثقله العالمي وكلمته المقدرة في الملفات الدولية الكبرى، بينما في الجوار ردّة سياسية واقتصادية وحضارية استغلت أول فرصة للتعبير عن نيتها المبيتة الاعتداء على محيطها.
هذه الاعتداءات تعززت في وجهها معاني التعاون، إن على مستوى كل بلد خليجي، أو في الشعور الجمعي الذي يعتبر المجلس أحد تجلياته.
[email protected]
لا يزال لبنان يدفع من أبنائه وممتلكاته وسيادته ثمناً باهظاً للتجاذبات الداخلية والإقليمية والدولية، ما يبقيه مستباحاً بأكثر من وجه وضحية لكونه ساحة اختبار إرادات مرهونة بالتطورات الجارية في المنطقة.
لبنان، الوطن والشعب، يقف وحيداً مكتوياً بالنار في غياب عجز مؤسساته الرسمية عن ترجمة جهود حصر السلاح في يد الدولة، واستمرار الارتباط بين «حزب الله» وإيران، وعدم اتعاظ الأول مما يجري في المنطقة منذ أحداث السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وما أحدثته من تحولات في موازين القوى وما يوصف بوحدة الساحات في مواجهة إسرائيل.
يصر لسان «حزب الله» على أن يجلب الويلات للشعب اللبناني، محتكراً قرار «المقاومة»، رافضاً الالتزام بسياسة الدولة، والأخطر من ذلك الرهان على النظام الإيراني الذي يجرّ لبنان إلى مسار آخر للتفاوض، أي التفاوض بين طهران والولايات المتحدة، وجعله أحد ملفات المناورة وتضييع الوقت، والقول إن ذراعاً إيرانية لا تزال فاعلة في الأراضي اللبنانية وتملك تأثيراً في تقرير مستقبلها.
في خلفية التطورات، لا يمكن تجاهل رمزية بقاء السفير الإيراني في بيروت، رغم الرفض الرسمي له، وما يمثل ذلك من الإصرار على المس بسيادة لبنان، وهو أمر يتورط فيه ويشجع عليه «حزب الله» الذي قال إنه تلقى تطمينات من وزير الخارجية الإيراني بأن طهران «لن تتخلى» عن دعمه، وأن لبنان مشمول في أحدث مقترح إيراني لإنهاء الحرب مع الولايات المتحدة.
«حزب الله» يملك قدرة على الانفصال عن الواقع تصور له أنه لبنان وأنه رمز مقاومته وانتصاره، بينما استباحت إسرائيل ما بعد معاقله في الجنوب، ووزير الخارجية الإيراني يمعن في النيل من سيادة وطن عربي والاستمرار في التدخل في شأنه، والاحتفاظ بوكيل فيه، رغم كل ما قيل عن مصائب الأذرع الإيرانية في عواصم عربية، وأثر ذلك في سيادتها وأمنها واستقرار الإقليم كله.
بموازاة ذلك، لم يهنأ اللبنانيون في الجنوب وغيره بالهدنة مع إسرائيل، لا في إطارها الزمني الأول ولا بعد تمديدها.
يتبادل «حزب الله» وإسرائيل كل فترة اتهام خرق الهدنة، لكن معاناة اللبنانيين لم تتوقف حتى الآن، وتواصل خلق غزة جديدة بما لذلك من ثمن إنساني وجغرافي لا ينفصل عن واقع لبنان المستباح.
لا يغيّر من الأمر أن يرى لبنان الرسمي في المفاوضات مع إسرائيل منجاة للبنانيين، رغم معارضة «حزب الله»، ولا قبول الجانب الإسرائيلي الانخراط فيها في الولايات المتحدة وبرعايتها وتشجيعها، فواقع المعاناة اللبنانية يتفاقم، وسيزداد سوءاً بإصرار النظام الإيراني على أن يبقى لبنان ضمن أدواته للمراوغة.
كل هذه الوجوه المتداخلة للاستباحة تعني، للأسف، أن فقدان أكثر من ثلاثة آلاف شخص، وتهجير ما يزيد على مليون، وتدمير قرى وإخلاءها مصائب لا نهاية قريبة لها، ما دامت أطراف عدة تتاجر بلبنان وترفض انفصاله عن ملفات الصراع في المنطقة.
[email protected]
يرى كثيرون أن إيران نجحت في استدراج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى حالة الجمود في ملف المواجهة الراهنة بينهما، وهو ما يعني انتصاراً مؤقتاً لها، رغم ما تتكبده من خسائر اقتصادية يومية، وما طال بناها التحتية والقيادية من ضربات قاصمة بفعل الضربات الأمريكية والإسرائيلية، وفي مقدمتها مقتل المرشد وشخصيات بارزة في هرم السلطة.
ورغم أن هذه الضربات بدت مؤشراً على مرحلة سياسية جديدة في إيران، يمكن معها تحقيق ما بدأت من أجله الحرب، وهو البرنامج النووي والصواريخ، فإنها انتهت بأمر لم يكن مستبعداً، لكنه ربما كان مؤجلاً في احتمالات المواجهة، وهو إقدام النظام الإيراني على العبث بملف مضيق هرمز، ومحاولة فرض واقع جديد له مخالف لكل القوانين الدولية، ومعطِّل لمصالح العالم الاقتصادية.
منذ وقف إطلاق النار، ورغم الحصار الأمريكي المضروب على سفن إيران، وما يسفر عنه من خسائر اقتصادية يومية، فإنها حتى الساعة نجحت في جرّ الولايات المتحدة إلى مساحة التفاوض التي لم تؤد إلى شيء، وتعيد طهران استثمار تاريخها في المراوغة وتضييع الوقت، بينما لا تتغير رهانات دونالد ترامب، ولا خطابه المراوح بين الترغيب والترهيب، ما خلق حالة الجمود في الموقف التي تدفع دول الخليج ثمناً لها في ظل الإصرار الإيراني على استهدافها استمراراً لضياع بوصلته.
من المهم تكرار القول إن دول الخليج لم تدفع إلى حرب في المنطقة، بل سعت بجهود حثيثة إلى تجنبها، وحين قامت لم تسع إلى أن تكون طرفاً فيها. ورغم ذلك، فإن النظام الإيراني اصطنع منذ الساعات الأولى للحرب عداوة مع جيرانه، وعبّر باستهدافات إرهابية عن نوايا مبيتة ترجمها بشكل خاص في عدوانه المتواصل على الإمارات وأهلها.
ورغم إمعان النظام الإيراني حتى الآن في الاعتداء على منشآت الإمارات المدنية وأهلها، واستمرار سقطاته بحق دول خليجية، فإن أحداً لا يدق طبول الحرب، ولا يزال الرهان الإماراتي على تسييد القانون الدولي، والاعتصام بمقرراته ومؤسساته، وتؤجل الإمارات ردوداً تقدر عليها، وستجد من يدعمها فيها، أملاً في يكون مستقبل المنطقة وأبنائها والعالم أكثر أمناً واحتكاماً إلى العقل.
ولهذا، فإن حالة الجمود هذه في حالة اللاحسم، سواء اختارت أطرافها أو أحدها استئناف العمل العسكري، أو غلب خيار التفاوض، لكنه لا يجوز أن يكون أبدياً، خاصة أن الطرف الإيراني يقدم من الشواهد اليومية ما يثبت سوء نواياه، وما يرسخ إصرار جيرانه على حل الموقف الجامد بما يضمن استتباب الأمن في المنطقة وبناء العلاقات فيه وفق القوانين الدولية التي يحترمها الجميع، والضامنة لبقاء طرف يتلذذ باللعب بالنار وإيذاء الآخرين.
قبل ساعات، كرّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعيده للنظام الإيراني، ورغم ذلك استمر في العبث بملف هرمز بإنشاء ما سماه هيئة لإدارته، ما يعني أنه ماض في غيّه، وأن حسم أمره لا بدّ أن يكون قريباً من أجل الإيرانيين وجيرانهم والعالم.
[email protected]
تأسيساً على تجارب وشواهد متواصلة ومثمرة، يمكن القول إنه ما من دولة في العالم تؤمن، مثلما تفعل الإمارات، بحتمية التواصل الزمني وعدم انقطاع المراحل، بحيث يبقى الماضي، بوجوهه المضيئة، دروساً متدفقة في الحاضر وملهمة للمستقبل.
تعرف الإمارات قبل أي أحد أن الانشداد إلى الجذور حصانة لأي تجربة لا توقفها في محلها مكتفية بما كان، وإنما تمنحها زاداً متجدداً لمواصلة البناء والذهاب المبكر إلى المستقبل باستثمار لكل مستجداته، لكن بغير تخلٍّ عما سبقه ولا التنكر لكل منجز إنساني سابق.
هذا الاتساق الإنساني هو أول ما يستهدفه التطرف في أي مكان، فأول ما يريد محوه آثار من سبقوا، والربط المقصود بين كثير من المنجزات الحضارية والخروج من دائرة الإيمان. التطرف يريد نفوساً خاوية شاكةً في ماضيها وثوابتها، ليسهل عليه حشوها بأفكاره الكارهة للحياة وقيادتها إلى حيث يريد.
لم يكن غريباً أن تكون الإمارات مبكراً في طليعة الدول التي انتبهت لتعمّد تشويه المعالم الحضارية، بتنوع انتماءاتها العقدية، حول العالم، وتصدت لذلك ضمن مواجهتها الشجاعة مع الأفكار المتطرفة. وبقدر حرصها على صون البشر أولاً في المناطق المبتلاة بالإرهاب أو العنف السياسي، قادت الإمارات جهوداً عالمياً لحماية المنجزات الحضارية، وترميم ما طالته المدافع أو الأفكار المتطرفة، كأنها ترى في تذكير الإنسان بعظمة ماضيه والشواهد على ذلك، دعوة له إلى أن يستعيد بشريته القادرة على صنع كل شيء، وأن يترك في حاضره، ثم مستقبل أبنائه، ما يربطه بجوهر الاستخلاف في الأرض وعمارتها وديمومة أثره النافع للنفس والآخرين.
وسط كل أنواع الدعم الذي تقدمه لحاضر سوريا ومستقبلها، ها هي الإمارات تقف عند أبرز علامات تاريخها: الجامع الأموي في دمشق، لتزيد إيمان الشقيق السوري بأن الانطلاق السياسي والاقتصادي لا ينفصل عن الإيمان بعظمة الماضي والقدرة على تكراره بصور تناسب المستقبل واستدعاء ما يفيد منه لمواصلة البناء.
التاريخ، في قراءته الإماراتية، وهكذا يجب أن يكون دوماً، مخزون للدروس وأدوات لاستنهاض الهمم واستئناف الدور الذي يضيف إلى البناء الحضاري الحديث. وحماية مفردات هذا التاريخ ومسح علامات التطرف عن وجهه جهدان لازمان في المعركة مع التطرف ومحاولات استبقاء المنطقة أو العالم في مساحات اختلاف مفتعلة يسكنها أمراء الحرب والإرهاب ويقتاتون فيها على دماء الناس، خاصة حين يجرونهم إلى مناطق تحزب عقدي يفتت عقولهم وأجسادهم وأوطانهم.
يذكر العراق والعالم للإمارات جهدها في «إحياء روح الموصل» وتمويلها مشروع إعادة الجامع النوري الكبير ومئذنته الحدباء إلى ما كان عليه قبل هجمات تنظيم «داعش» الإرهابي.
ومن أبوظبي، انطلق التحالف الدولي لحماية التراث في مناطق النزاع (ألف) بقيادة إماراتية فرنسية، وجذب دولاً وشخصيات ومؤسسات وازنة في العالم يجمعها الإيمان بقيمة الأثر الإنساني وضرورة حمايته من الضرر في مناطق الصراعات، وبعد أن تهدأ، وفي ذلك، مرة أخرى، تذكير للإنسان بإنسانيته.
[email protected]