عادي

هل يدق الذهب المسمار الأخير في نعش الدولار؟

5 إشارات تحذيرية لنهاية الهيمنة
22:56 مساء
قراءة 5 دقائق
دبي: هشام مدخنة

ليس سراً أن الصين وروسيا كانتا تدّخران أكبر قدر ممكن من الذهب لسنوات. فالأولى هي أكبر منتج ومشتر للمعدن النفيس في العالم، والثانية تأتي وراءها مباشرة على سلم الترتيب.

تمتلك روسيا أكثر من 2300 طن من الذهب، لتكون بذلك واحدة من أكبر المخازن في العالم. بالمقابل، لا تعرف كمية الذهب التي تمتلكها الصين، لكن بحسب معظم المراقبين هي أكبر من المخزون الروسي.

يمنح الذهب الروسي والصيني الدولتين إمكانية الوصول إلى شكل محايد من المال وبدون مخاطر. فلطالما اعتُبر الذهب أكثر أشكال النقود ديمومة للبشرية منذ 2500 عام بسبب خصائصه الفريدة التي تجعله مناسباً لتخزين القيمة وتبادلها. بعبارة أخرى، الذهب هو السلعة المادية الوحيدة الأصعب إنتاجاً، والأكثر مقاومة للتضخم. وهذا ما يعطيه أفضلية مالية فائقة.

وهذا هو السبب في أن الذهب يمثل بديلاً نقدياً حقيقياً للدولار الأمريكي، وبما أن روسيا والصين تمتلكان الكثير منه، فيمكن لهما استخدامه للانخراط في التجارة الدولية وربما دعم العملات. وهو ما يفسر اليوم سبب طلبهما النهم على الذهب، فلقد كانتا تنتظران اللحظة المناسبة لسحب البساط من تحت الدولار الأمريكي. وعلى ما يبدو أتت تلك اللحظة...

تمثل هذه الحيثية الدقيقة مشكلة كبيرة بالنسبة لحكومة الولايات المتحدة، التي تكسب قدراً فائقاً من القوة لمجرد أن الدولار الأمريكي هو العملة الاحتياطية الأولى في العالم، فيمكن لها طباعته من لا شيء، وتصديره إلى بقية العالم مقابل سلع وخدمات حقيقية، وهو أمر لا تمتلكه دولة أخرى. لكن الذهب الروسي والصيني ربما في طريقه لدق المسمار الأخير في نعش هيمنة الدولار وتأسيس نظام نقدي جديد خارج سيطرة الولايات المتحدة. نستعرض في ما يلي خمس إشارات تحذيرية دالة على اقتراب نهاية هيمنة الدولار وما سيحدث بعد ذلك:

الدولار

 

1- العقوبات على روسيا تكشف هشاشة احتياطيات الدولار

في أعقاب العمل العسكري الروسي في أوكرانيا، شنت الحكومة الأمريكية أشد حملة عقوبات على الإطلاق، حتى أصبحت روسيا الآن أكثر دولة خاضعة للعقوبات في العالم.

وكجزء من هذا، استولت الحكومة الأمريكية على احتياطيات الدولار الأمريكي للبنك المركزي الروسي. ما اعتبر مثالاً مذهلاً على المخاطر السياسية المرافقة للدولار. إذ يمكن لحكومة الولايات المتحدة الاستيلاء على احتياطيات الدولار لأي دولة أخرى ذات سيادة لمجرد الخلاف المستقبلي معها.

وبحسب صحيفة «وول ستريت جورنال»، أظهرت العقوبات الأخيرة إمكانية سحب احتياطيات العملات المتراكمة لدى البنوك المركزية، ما قد يؤدي إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية والإدارة الاقتصادية وحتى الدور العالمي للدولار الأمريكي.

أدت محاولة عزل روسيا هذه إلى تآكل الثقة في الدولار الأمريكي بوصفه عملة احتياطية عالمية، وحفّزت العديد من البلدان المهمة لاستخدام البدائل في التجارة إضافة إلى احتياطياتها، والتعامل مع روسيا بعملاتها المحلية بدلاً من الدولار الأمريكي.

بيتكوين

2 - الروبل والذهب والبيتكوين مقابل الغاز والنفط والقمح

تُعد روسيا أكبر مصدّر في العالم للغاز الطبيعي والأخشاب والقمح والأسمدة والبلاديوم، وهو عنصر حيوي في صناعة السيارات. كما أنها ثاني أكبر مصدّر للنفط والألمنيوم، وثالث أكبر مصدّر للنيكل والفحم. وهي منتج رئيسي كذلك ومعالج لليورانيوم لمحطات الطاقة النووية. حيث يوفر اليورانيوم المخصب من روسيا وحلفائها الكهرباء ل 20% من المنازل في الولايات المتحدة. كل هذه مجرد أمثلة قليلة عن السلع الاستراتيجية التي تهيمن عليها الدولة. باختصار، روسيا ليست مجرد قوة نفطية وغازية ولكن يمكن وصفها بالقوة السلعية العظمى.

اليوم، وبعد أن استولت الحكومة الأمريكية على احتياطيات روسيا من الدولار الأمريكي، لم تعد تستخدم موسكو الدولار كثيرا ولا تريد استبدال سلعها بأموال يمكن لمنافسيها أن يأخذوها.

ولم تعد روسيا تقبل الدولار الأمريكي (أو اليورو) مقابل طاقتها. وتطالب بالدفع بالروبل، بالإضافة إلى الذهب أو البيتكوين.

3 - النفط مقابل اليوان والروبل والروبية

منذ أن أصبح الدولار هو العملة الاحتياطية العالمية بحلول الستينات والسبعينات من القرن الماضي، بالإضافة إلى كونه المعيار القياسي الذي تجري بموجبه معاملات النفط الخام، يتم شراء النفط وبيعه بالدولار، وتمكنت الولايات المتحدة منذ ذلك الحين من إنشاء سوق ضخم للدولار الأمريكي.لكن قرار روسيا بيع النفط إلى أوروبا بالروبل، وإلى الصين باليوان، والهند بالروبية، أثار دهشة الجميع. والآن، تعمل الصين، أكبر مشتر للنفط الخام في العالم، ومنتجون رئيسيون على وضع آلية جديدة لشراء النفط مقابل اليوان بدلاً من الدولار. وعليه، بدأت الاقتصادات الرئيسية العالمية تتخلص من هيمنة الدولار الأمريكي على سوق النفط، فإلى أين سيقوده ذلك كعملة؟

الدولار الأمريكي

4 - انفجار نقدي وسط هستيريا «كورونا»

في مارس/آذار عام 2020، ضخّ الاحتياطي الفيدرالي دولارات من العدم أكثر مما كان عليه في وجود الولايات المتحدة منذ ما يقرب من 250 عاماً. ومارس رئيسه جيروم باول سلطة لا يمكن فهمها. في ذلك الوقت، شهدنا ذروة انهيار سوق الأسهم وذعراً بشرياً وسط هستيريا فيروس كورونا.

لقد كانت كمية غير مسبوقة من طباعة النقود بلغت أكثر من 4 تريليونات دولار، وضاعفت تقريباً المعروض النقدي الأمريكي في أقل من عام. ولمزيد من التوضيح، طبع الاحتياطي الفيدرالي، بضغطة زر، دولارات من فراغ أكثر من الناتج الاقتصادي اليومي لسكان الولايات المتحدة ال 331 مليوناً مجتمعين، والذي يبلغ حوالي 58 مليار دولار.

وعليه، ترقى تصرفات بنك الاحتياطي الفيدرالي خلال أزمة كوفيد المستمرة إلى أكبر انفجار نقدي حدث في الولايات المتحدة على الإطلاق. وعندما بدأ بنك الاحتياطي الفيدرالي برنامجه التسهيلي، طمأن الشعب الأمريكي بأن أفعاله تلك لن تسبب ارتفاعاً حاداً في الأسعار. لكن لسوء الحظ، لم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً لإثبات العكس. وبمجرد أن أصبح ارتفاع الأسعار واقعاً، ادعى الفيدرالي أن التضخم «حدثٌ مؤقت» وأنه لا يوجد ما يدعو للقلق. وبالطبع، كانوا مخطئين، والحقيقة هي أن التضخم خرج عن السيطرة وهو آخذ في الارتفاع. وبعد كل شيء، فإن طباعة النقود الجارية الآن هي مجرد أحجام أكثر منها قيمة.

5 - إقرار الفيدرالي بانتهاء سيادة الدولار

جاءت كلمات رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول الختامية في مارس/آذار الماضي، وهو المكلف بضمان عدم اعتراض عملة أخرى لهيمنة الدولار الأمريكي، ك «المانشيت» الذي زين صفحات تهاوي الدولار.

إذ قال: «من الممكن أن يكون لديك أكثر من عملة احتياطية واحدة». ما اعتُبر قبولاً من قبل الشخص الذي يتمتع بأكبر قدر من السيطرة على الدولار، العملة الاحتياطية العالمية الحالية، بوجود منافس أو منافسين محتملين. لذلك، فهل أصبحت أيام سيطرة الدولار الأمريكي على العالم معدودة؟

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"