الصين وأمريكا والجانب الخطأ من التاريخ

00:36 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. ناصر زيدان

العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين بدأت تخرج من سياق تنظيم الخلاف الذي كان معتمداً منذ بداية عهد الرئيس جو بايدن. وقد أسهمت الأزمة الأوكرانية في توتير العلاقة بين القطبين الكبيرين، فواشنطن تريد من بكين المساهمة في الحصار الاقتصادي على روسيا، لكن الوقائع تُثبت أن الصين لم تعد محايدة كما كانت قد أعلنت عند بداية الحرب في فبراير/شباط الماضي؛ بل إنها تقف إلى جانب روسيا في الحفاظ على أمنها وسيادتها، وفقاً لما أعلنه الرئيس الصيني شي جين بينغ في الاتصال الهاتفي الأخير مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وفي كلمته عبر الفيديو أمام المنتدى الاقتصادي في سان بطرسبورغ.
والاتصال الهاتفي الذي جرى بين جين بينغ، وبوتين، الأربعاء الماضي، استدعى رداً أمريكياً، حيث أعلن الناطق باسم وزارة الخارجية «أن الذين يدعمون بوتين يقفون على الجانب الخاطئ من التاريخ». وقال إن الصين «مازالت على علاقة وطيدة بروسيا على عكس ما تعلنه عن حيادها في الحرب الأوكرانية».
مما لا شك فيه أن تاريخ البشرية يمرّ بلحظة سياسية صعبة جداً، وقد يتطور الاختناق الدولي الحاصل إلى حرب كونية شاملة. وبابا الفاتيكان فرنسيس، رأى أن الحرب العالمية الثالثة قد بدأت بالفعل، وربما هناك مّن خطط لافتعال الأزمة الأوكرانية للوصول إلى حالة الحرب، كما قال البابا في حديثه لمجلة «لاسيلفتا كاتوليكا» الإيطالية.
بين الولايات المتحدة والصين خلافات كبيرة، قد تفوق الخلافات الحاصلة بينها وبين روسيا؛ ذلك أن التهديدات المتبادلة التي صدرت عن وزير دفاع الولايات المتحدة لويد أوستن، ونظيره الصيني وي فنغي، بعد اجتماعهما في سنغافورة مطلع فبراير/شباط، توضِّح صورة التأزّم الحاصل بين الطرفين. فالأول قال: «إن واشنطن ستقف بقوة إلى جانب تايوان إذا ما تعرضت لهجوم عسكري صيني»، والثاني ردّ عليه: «إن الصين ستقاتل حتى النهاية من أجل منع استقلال تايوان».
البيان الذي صدر عن قمة الرئيسين جين بينغ، وبوتين، التي حصلت على هامش دورة الألعاب الأولمبية مطلع شهر شباط/فبراير الماضي في الصين، أكد التعاون الاستراتيجي بين البلدين في مختلف المجالات، بما في ذلك الإصرار على مبدأ «الصين واحدة» بما فيها تايوان، من دون أن يصل الأمر إلى الإعلان عن تحالف عسكري. والرئيس الأمريكي جو بايدن، غمز من قناة المناورات الروسية الصينية التي حصلت بالقرب من جزيرة تايوان، إبان زيارته إلى اليابان وكوريا الشمالية بين 20 و23 من مايو/أيار الماضي، واعتبرها «استفزازية وتهدد الاستقرار في المنطقة».
من الواضح أن منسوب التوتر الدولي على خلفية الحرب الأوكرانية، وحول ما يجري في تايوان، ارتفع إلى حدود قياسية، وأفرز خارطة أحلاف جديدة تصطف حولها القوى الدولية الكبرى. فالولايات المتحدة ومعها حلفاؤها الأوروبيون من جهة، وروسيا والصين وحلفاؤهم من جهة ثانية. 
وما يؤكد واقعة الفرز الدولي العمودي، دعوة اليابان وكوريا الجنوبية لحضور قمة حلف شمال الأطلسي التي ستعقد في إسبانيا في 28 من يونيو/حزيران، وهي المرة الأولى التي تحضر فيها اليابان مثل هذه القمة منذ تأسيس الحلف عام 1949، كما دُعيت السويد وفنلندا لحضور القمة أيضاً.
التوتر بين اليابان وحليفتها كوريا الجنوبية من جهة، وكوريا الشمالية من جهة ثانية، يكاد يُسبب نزاعاً في أي لحظة، وبيونغ يانغ تجري تدريبات على إطلاق الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، وتستعد للقيام بتجارب نووية، ولا تكترث للتحذيرات الأمريكية، وهي لا تخشى من بكين وموسكو، والعاصمتان لا تقومان بأي إجراء رادع ضد كوريا الشمالية، على الرغم من اعتراضهما على تمردها على القرارات الدولية، والوقائع تؤكد أن كوريا الشمالية ستكون من ضمن حلف دولي يضمها مع روسيا والصين إذا ما تطورت الأوضاع نحو الأسوأ.
مَن يقف على الجانب الخاطئ من التاريخ؟ المسألة تحتاج إلى تدقيق. فالصين ترى أن روسيا دافعت عن سيادتها وأمنها الاستراتيجي في أوكرانيا، وهي لا تعترف بأن الحرب عدوان أو احتلال، ومنسوب التبادل التجاري  لا سيما في مجال النفط والغاز  تطور إلى مستوى كبير بين البلدين منذ بداية الحرب، بينما ترى واشنطن أن مساندة روسيا في حربها ضد أوكرانيا يسهم في تقويض الاستقرار الدولي، ويُشرِّع الفوضى في العلاقات الدولية، وتعتبر أن المساندة الصينية لروسيا، كانت العامل الأساسي الذي أدى إلى التملّص من العقوبات الاقتصادية عليها.
من الواضح أن الوقوف إلى جانب خيار تخفيف التوتر، وطلب حل النزاعات بالحوار وبالطرق السلمية كما يؤكد ميثاق الأمم المتحدة، هو الخيار الصحيح الذي يُجنِّب البشرية ويلات جديدة.

عن الكاتب

دكتوراه في العلوم السياسية والقانون الدولي العام.. أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية.. له 10 مؤلفات وعشرات الأبحاث والمقالات والدراسات في الشؤون الدولية..

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"