لم يتفق المحللون، على تقييم موحَّد لنتائج زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين منتصف أيار/مايو، وهناك تباعُد بين مجموعة من الرؤى التي تناولت تفاصيلها، لكن المُعطيات المتوافرة حول قمة بكين، تُشير إلى أن الزيارة مهمة بكل المقاييس، وهي تُشبه إلى حدٍ كبيرٍ زيارة الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون في عام 1972 التي أنهت قطيعة 25 عاماً، وأسست لمرحلة طويلة من تنظيم الخلافات، ولمُساكنة سياسية وتجارية.
الساحة مفتوحة اليوم أمام البلدين الكبيرين ليتربعا على عرش الاستقطاب الدولي -سواء كان هذا الاستقطاب ثنائياً أو أكثر من ثنائي- فالولايات المتحدة تملك أكبر اقتصاد في العالم، والصين هي الثانية من بعدها في المجال ذاته، والمؤكد أن حجم القوة الخشِنة والإنفاق العسكري للأولى هو الأعلى في العالم، والإنفاق الحربي الصيني أصبح ثانياً، برغم القدرة النووية والصاروخية الروسية الهائلة، والطريق مُعبَّد أمام الصين للولوج إلى مكانة عالمية أكثر تأثيراً مما هي عليه اليوم، بسبب إخفاقات الولايات المتحدة في بعض المجالات، ولانشغال الأقطاب الآخرين، لا سيما الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي في همومٍ، أو مهام، تُعيق متابعتهم الحثيثة لما يجري على الساحة الدولية، وهؤلاء مُستهدفون من الاندفاعة الترامبية على كُل حال.
من البديهي اعتبار زيارة الرئيس ترامب للصين محاولة جدية لتقاسُم النفوذ في الأماكن الحساسة من الكرة الأرضية، وبرودة الأعصاب السياسية الصينية تُغري واشنطن بالاندفاع نحو حوار قد يساعدها على تنفيذ أجندتها المرسومة، وفي المقدمة من هذه الأجندة، كبح الارستقراطية السياسية والاقتصادية الأوروبية، ذلك أن ترامب يفترض أن «القارة العجوز» تأخذ نصيبها بأكثر مما تستحق من الحصاد الاستراتيجي والمالي العالمي، وحان الوقت لتطويع -أو تحجيم- هذا الدور، خصوصاً أن هذا الدور لا يُطيع الإدارة الأمريكية في بعض المحطات.
كان يمكن تأجيل زيارة ترامب لبكين بسبب حربه مع إيران، ولكن يبدو أنه أصرَّ عليها لاستثمارها في هذه الحرب، وبالفعل فقد طلب ترامب من الرئيس تشي جين بينغ المساعدة في الضغط على إيران لتسليم اليورانيوم عالي التخصيب، وهو ما يُجنِّب العالم خطر امتلاك طهران لقنبلة نووية كما قال، وسيكون ثمن ذلك تأمين فتح مضيق هرمز أمام التجارة الصينية من دون أي عوائق، لا سيما مرور الحاجات النفطية الضرورية، لكن المعلومات غير المنشورة تُفيد بأن تشي رفض لعب دور الضاغط على إيران، ولم يتجاوب مع الطلبات المذكورة، برغم أنه أغدق الوعود الوردية على ضيفه اللدود، من خلال عقد صفقات تجارية كبيرة، ومنها شراء 250 طائرة بوينغ حديثة.
لا ترفض الصين التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية بطبيعة الحال، ولكنها لا ترغب في عقد تعاون ثنائي يظهر كأنه صفقة لتقاسُم النفوذ في العالم، لكن ذلك لا يعني عدم حصول تفاهمات غير عادية خلال القمة، ومنها تخفيف التعاون بين الصين وشركاء لها في القارة الأمريكية.
هناك تباين كبير بين الرؤى الصينية والرؤى الأمريكية حول تسهيل كامل مراحل خطة «مونرو» ذلك أن بكين تريد من الولايات المتحدة تخفيف منسوب دعمها للحلفاء في شرق آسيا، وهذه الدول زادت من منسوب موازناتها الدفاعية، بما يُقلِق الصين، وواشنطن تدعم هذا التوجه لدى حلفائها، وهي ترتبط باتفاقية دفاعية خاصة مع اليابان، تفرض معاملتها كأنها دولة عضو في الناتو، ويبدو أن الطلب الأمريكي بتجفيف الصداقة بين الصين والدول الأمريكية، يقابله طلب صيني بتجفيف هذه الصداقة بين واشنطن ودول شرق آسيا، والطلبان من الصعب تطبيقهما في الظروف الحالية، والإشارة إلى هذه الاستحالة كانت واضحة من خلال الإعلان عن زيارة للرئيس تشي إلى بيونغ يانغ.
لقد حافظت الصين على احترام حلفائها، ودعمت دورهم في عمليات التفاوض، كما أنها تُقدم لهم أحدث التكنولوجيا العسكرية. بينما واشنطن لا تدعم بمثل هذا المنسوب سوى إسرائيل.
في دفاتر حسابات المتقاتلين على الضفة الشمالية من الخليج وفي مضيق هرمز، كل المساحات مُخصّصة لاحتساب الأرباح والخسائر لدى المشاركين في الحرب، وهناك تجاهل كبير للمتأثرين فيها، وللمتضررين منها، فالولايات المتحدة الأمريكية، ومعها إسرائيل، باشرتا الحرب من دون التشاور وبلا استئذان، وإيران تهرُب إلى الأمام من خلال استهداف جيرانها في الخليج العربي، وحشر المجموعات الحليفة لها في لبنان والعراق في محرقة قاتلة، تُنهك بلاد الرافدين، وتكاد تقضي على بلاد الأرز.
يبدو أن الأطماع الاستراتيجية لدى طرفي النزاع هي التي تتحكَّم في مفاصل الحدث، حيث إن فريقاً يُعدّ العدّة للهيمنة، ولاستثمار المنطقة، وخيراتها، وموقعها لمصالحه، الاقتصادية والسياسية، بينما الفريق الثاني يتحيّن الفرص لتوسيع منسوب «انفلاشه» في البلدان المحيطة، واستغلال مقدرات ليست من حقه، وقد وصل الأمر إلى حد المطالبة بإدارة خاصة لمضيق هرمز الذي يعتبر بموجب القانون الدولي معبراً حراً تحكمه قواعد اتفاقية قانون البحار لعام 1982، والدول المُشاطئة له من الجهة الجنوبية - الغربية أكثر التصاقاً به، وقبل أن يُطلق عليه الاسم الجديد، كان عربياً خالصاً كما الجزر القريبة منه.
وكلا الفريقين المتقاتلَين يتسلح بميثولوجيات عقائدية غريبة عجيبة، تدّعي أن ما يحصل استحقاق تاريخي ذكرته «الكُتب» في روايات تتحدث عن معركة «هرمجدون» التي يروِّج لها بعض الإسرائيليين، وأصدقاء لهم في الولايات المتحدة الأمريكية، بينما يروّج الطرف الآخر لما يُسمى «معركة آخر الزمان» في استحضار لمشهديات غير مفهومة، وربما الهدف منها تخفيف منسوب المسؤولية عن الارتكابات التي تحصل بحق من ليس لهم علاقة بالحرب، ولتبرير حجم الضحايا والخسائر الكبيرة التي حصلت.
الخليج العربي، والدول القريبة من ساحات المعركة، تدفع أثماناً مرتفعة من جراء هذه الحرب، وأحياناً يشعر بعضها بأن استهدافه يحصل عن سابق تصوّر وتصميم -لا سيما من الجانب الإيراني- وقد وصل الأمر إلى فرض حالة ترهيب يرافقها تهديد، بما يمكن وصفه عدواناً واضحاً، واستغلالاً للحدث، لتنفيذ أجندة خاصة هدفها توسيع منسوب الهيمنة، وفرض وصاية على مضيق هرم، يتهدّد بموجبها استقرار الحراك التجاري والنشاط الاقتصادي، بما ينعكس سلباً على الأمن في المنطقة برمّتها.
الفريق الذي باشر الحرب على إيران تجاهل مصالح ورؤى دول المنطقة، وهو يمارس استهتاراً واضحاً بمقدرّاتها، وقد تكون أحد أهداف إسرائيل تقويض منسوب النمو، العلمي والمالي والاقتصادي، في هذه الدول، والفريق الآخر في الحرب يمارس ابتزازاً دانه العالم أجمع، من خلال قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2817 بتاريخ 11/3/2026 الذي اعتبر استهداف الصواريخ والمسيّرات الإيرانية للدول العربية المجاورة عدواناً موصوفاً، وخرقاً واضحاً للقانون الدولي.
المعتدون على دول الخليج العربي، والذين يحاولون فرض أمر واقع يتعارض مع مصالحها، ربما لا يدركون عناصر القوة التي تمتلكها هذه الدول، أو ربما يدركونها ويحاولون تجاهلها، فقمة مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي انعقدت استثنائياً بمدينة جدة في 28 إبريل/ نيسان اعتبرت أن أمن دول مجلس التعاون كلٌ لا يتجزأ، وأيّ اعتداء يستهدف أيّ دولة هو بمثابة عدوان عليها جميعاً. وحرص قادة دول الخليج على خفض التصعيد، وإنهاء الحرب القائمة، لا يعني بأية حال تفريطاً في المقدرات، الوطنية والقومية، لهذه الدول.
وما ظهر من تضامن عربي ودولي واسع مع دول الخليج العربي التي تعرضت للعدوان الإيراني، كان رسالة حاسمة في وجه المعتدين، وأكدت مواقف المُتضامنين على الاستعداد للمساندة إذا اقتضت الضرورة. ولعلّ عشرات الزيارات التي قام بها العديد من قادة دول العالم إلى دولة الإمارات، ودول المنطقة، وكذلك عشرات أو مئات الاتصالات التي تلقاها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، كانت خير دليل على المكانة الدولية التي تحظى بها دولة الإمارات، حيث عبر الجميع عن تضامنهم التام مع الإمارات، ووقوفهم إلى جانبها، وتأييدهم التام لما تتخذه من إجراءات مشروعة للحفاظ على سيادتها وأمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها والمقيمين على أراضيها.
مناورة المتحاربين بهدف النيل من دول الخليج لاقت رفضاً حازماً، والنظر إلى هذه الدول المُسالمة والتي لا تريد الحرب بأنها ضعيفة، مقاربة موهومة. لأن لديها عوامل قوة كبيرة، ومقدراتها ومصالحها وأمن شعوبها، لا يمكن التفريط فيها، والدفاع عنها ثابت غير قابل للتراجع، ومحاولة البعض من القريبين من هذه الدول، أو البعيدين عنها، فرض أمر واقع يقلِّل من شأن هذه الدول، أو يفرض هيمنة عليها، هي بمثابة الأحلام غير القابلة للتطبيق على الإطلاق، مهما ازدادت الصعوبات، وجميع المعنيين بالحرب مطالبون بوقفها، واحترام القانون الدولي، وتجنُّب أيّ اعتداء على حقوق الآخرين، أو تسديد فواتير من حساباتها.
المآسي في جنوب لبنان متنوعة، احتلال إسرائيلي، وغارات جوية يومية، واغتيالات، وتجريف قرى، وتهجير، ثم تحوَّلت نعمةُ المطر التي ينتظرها أصحاب المواشي والرعيان إلى نقمة لم تكُن بالحسبان. والعودة إلى القرية مُتعثرة، بل مستحيلة، فالوحوش الإسرائيلية المُتفلِّتة تتربص شراً، ولا تستأذن أحداً على الأرض أو في السماء عندما تنقضُّ على الفريسة. والفريسة ضحايا أبرياء، ومعهم قطعان خلقها الله على أرضٍ طيبة، وهي لا تعرف بمهالك الحروب، ولا بسياقات المفاوضات وبريق الشاشات.
آلاف الرعيان في جنوب لبنان، ينتشرون على مساحة البلدات والقرى والشِّعاب، ولهؤلاء حواضر من الماشية والقطعان على اختلاف أنواع الحيوانات الأليفة، تُزينها كلابُ الأمانة. والكلابُ تُحبُّ الأرض وتنشدُّ إليها ربما أكثر من كل الكائنات. يقول أبوعلي: خرجتُ مع قطيع الأغنام التي رعيتها بعناية وبشغف وبعرق الجبين، كما ربيتُ أولادي، وهي مصدر رزقي، وأكنُّ لها الحنين.
نزحنا مشياً إلى منطقة قريبة من الجنوب بعد سماع تهديدات إسرائيل وطلبها منا إخلاء البلدة. وفي مكان النزوح دخلنا إلى مراحٍ مكشوف وبجانبه عرزالٌ من خشب، بالكاد يحجب لذعة الشمس في النهار، ويقي من «الندى» في الليل، يملكه صديقٌ تعشعشُ فيه الأصالة اللبنانية والحميَّة العربية فوق كل الحسابات السياسية.
ويتابع أبوعلي: كنَّا اعتقدنا، كما في كل عام، دخل نوار (مايو)، ومعه يسافر الشتاء إلى البلاد البعيدة، ويتركنا نرقص فوق الغلال ووراء القطعان، وننام ملء الجفون، فلا الحرُّ يكوينا، ولا برد الليل يؤذينا، فنوار عندنا مقبولٌ ولو جار، وإذ بالعاصفة الهوجاء الباردة تضرب من دون رأفة، وبردها قارسٌ لا يأبه لحيطان المراح، بينما السماء التي حملت لنا الصواريخ القاتلة والمُسيرات اللعينة، تركتنا نتفرَّج على «حبال» المطر الغزيرة، ومَن فوق السماء يشهدُ على عذاباتنا، ونتكلُ عليه ليأخذ حقنا من المعتدي، ويرأف بنا على كُل حال.
في كل بلدة جنوبية عددٌ من الرعيان الطيبين الصابرين، عاشوا حياتهم نكبة بعد نكبة، وبينما كانوا ينتظرون الفرج بعد أن تغيَّرت موازين القوى وقواعد الاشتباك مع نهايات العام 2024، وإذ بحروب «المساندات» الغريبة العجيبة تفتح عليهم جحيماً إسرائيلياً بغيضاً، كانوا اعتقدوا أنه ابتعد عنهم بعض الشيء. والويل الويل لمن يأمن شرّ إسرائيل. والقطعان التي انتظرت صفوة عشب الربيع، لا تريد ترك المراعي ولا تريد الرحيل إلى مكانٍ بعيد، ولا تستمع للإنذارات ولا تخاف من القصف القاتل. أما الكلاب الأمينة فاحتارت في الاختيار، بين رحيلها مع الرعيان وبين بقائها مع القطيع، فحراسة كلاهما أمانةٌ، والحارس هو نفسه ليس بأمان.
على صعوبة النزوح من المنازل المبنية بالكدّ والتعبِ وعرق الجبين، وهي مُعرَّضة حكماً للدمار، فهذا النزوح المقيت أهونُ حالاً من تركِ القطيع في المراح من دون طعامٍ وشراب، وإفلاتها في البراري أصعب من الإقدام على تنفيذ مُنكرةِ الموت الرحيم، سيأتي وحوش الغزاة لاقتناصها من الجو، وسيأتي وحوش البرّ لافتراسها في لحظة الهلع الكبير.
أيها القابعون بلا عاطفة أمام شاشات العقول الاصطناعية، ووراء الميثولوجيات الموسومة الغريبة على ضفتي جنوب الجنوب وشمال الجنوب، اتَّقوا الله فيما تفعلون، والله حق وعدل وسلام قبل أي شيءٍ آخر، وهو لا يأمر بالقتل، ولا يُشرِّع السوء والضغينة، وهو أساس الملك، لا يوصي «براري» واسعة من حقوق الناس لتكون ملكاً - أو كياناً كبيراً – لمعتدين غاصبين، يحترفون قتل الناس وتشريد الأبرياء، ويهلكون الأرض وما عليها من رعيانٍ وقطعان. وربُ العالمين ضنينٌ بأي منقلباتٍ تسيرون، وهو لم يُكلف أحداً باستعباد أحد، ولا بمباشرةِ الحرب واستقدام الويلات.
وحدها الدولة اللبنانية الجامعة صاحبة الحق بالدفاع عن اللبنانيين وعن أرضهم و«قطيعهم»، وهي قوية إذا ما وقف اللبنانيون جميعاً خلفها، وقادرة على ردع إسرائيل وتحرير الأرض وتأمين الاستقرار، والفرصة مُهيأة لتوفير ظروف مناسبة تحفظ التضحيات وتُعيد النازحين المنكوبين إلى بلداتهم وقراهم، وتستعيد الأسرى وتُحرِّر الأرض. واللحظة السياسية مؤاتية للوقوف إلى جانب الدولة وقواها الشرعية لتوفير مستقبل آمن للبنان. وعندما تعتدي إسرائيل مجدداً سيكون اللبنانيون جميعاً سداً منيعاً في وجهها.
د. ناصر زيدان
يشكِّل مضيق هرمز حجر الزاوية في تداعيات الحرب التي دارت بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران من جهة ثانية، وهو ما كان أكبر عامل ضغط في سياق المعركة وفي الخبايا المُحيطة بالمباحثات الجارية للتسوية في إسلام آباد، رغم بقاء الملف النووي في صدارة الاهتمام، وقد تزايدت تأثيراته في مجرى المنازلة، بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض حصار على منافذ المضيق بالتوازي مع الإغلاق الذي فرضته إيران.
هناك أهداف غير مُعلنة للحرب بطبيعة الحال عند الفريقين، لا سيما حاجة الرئيس دونالد ترامب لتحقيق انتصار يُفيده في الملف الداخلي الأمريكي، وحاجة رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو لهزيمة إيران، لاستثمارها في الانتخابات المقبلة، ثم حاجة إيران لحفظ ماء الوجه في أي تسوية قد تحصل.
لكن المضيق؛ ليس منطقة إيرانية صافية، بل تحده من على ضفتيه الجنوبيتين أراضٍ عربيةٍ خالصةٍ. والقوانين الدولية صنفتهُ ممراً عالمياً تجري فيه الملاحة البحرية من دون قيود وفق اتفاقية أعالي البحار لعام 1982، وكل الأطراف المعنية وقَّعت على هذه الاتفاقية، ونصف مسافة عرض المضيق البالغة 33 كم، تُعتبر مياهاً إقليمية واقتصادية للدول التي تُشاطئهُ من الجنوب، والشروط الإيرانية بفرض السلطة على المضيق هي شروط غير مشروعة، ولا يجوز أن تمُرّ، مهما كانت نتائج الحرب، لأن ذلك يُعتبر اغتصاباً لحقوق الآخرين، وتعدٍ صارخ على النظام الدولي العام.
يمرُّ عبر المضيق 20% من حاجة الأسواق الدولية للنفط، ومثلها من حاجات هذه الأسواق للأسمدة الزراعية، بينما هو ضرورة للاقتصاد الإيراني الذي يصدِّر منه المنتجات النفطية والغاز الطبيعي، وتستورد طهران عبره أغلبية حاجات البلاد الاستهلاكية، وكذلك بالنسبة لدول الخليج العربية، فهو شريان حيوي لاقتصاداتها ولحراكها التجاري.
الدول العربية الخليجية ليست شريكة في الحرب، ولكنها دفعت فاتورة غالية من تداعياتها، وتحمَّلت أكثر مما ينبغي من الخسائر، فالصواريخ الإيرانية استهدفت بعدوانها المنشآت الحيوية لهذه الدول، ومن دون أن يكون لها لا ناقة ولا جمل بما يجري.
الصبر الاستراتيجي الذي مارسته الدول العربية المعنية، وعدم ردها على العدوان الذي طال أراضيها، انطلاقاً من مبدأ حفظ الجيرة، ولعدم دخول حرب ليست حربها؛ لا يعني بأية حال أن هذه الدول عاجزة على الإطلاق، وهي لن تتنازل عن حقوقها السيادية، خصوصاً كونها شريكاً مُشاطئاً لجوانب مضيق هرمز، ولن تقبل بأية تسويات تنتقص من حقوقها المشروعة، لكنها تلتزم بمندرجات القانون الدولي ذات الصلة.
فرض هيمنة أمر واقع أحادي الجانب على مضيق هرمز، أو إخضاعه لتسويات جانبية بين أطراف لا تملك حق السيادة عليه، سيكون سابقة خطِرة جداً، وسيقضي على النظام الدولي في الممرات البحرية الأخرى، وعندها قد تسري هذه الفوضى أيضاً على مضيق جبل طارق ومضيق باب المندب ومضيق أوريسند في بحر البلطيق ومضيق ملقا في الشرق الأقصى.
ماذا -افتراضياً- لو أقدمت الدول العربية المُشاطئة إلى إقفال مضيق هرمز بوجه السفن الخارجة من إيران أو القادمة إلى موانئها؟ وهو افتراض يدفع إليه منطق المعاملة بالمثل، حيث السلطات الإيرانية أغلقت المضيق بوجه سفن هذه الدول، ولهذه الدول حق سيادي يشبه أو يزيد على الحق السيادي الذي تمتلكه إيران، هذا الافتراض الذي يكلف تطبيقه أقل بكثير من كلفة الجهد الإيراني لذات الغاية، نظراً لطبيعة النتوءات الجغرافية؛ سيؤدي إلى خنق الاقتصاد الإيراني بالكامل، وبمنسوب أكثر مما يصيب الدول العربية، ويكفي الإشارة إلى أن 90% من الصادرات النفطية الإيرانية تنطلق من جزيرة خرج وتمرُّ عبر المضيق، لكن هذه الدول مُتمسِّكة بالقانون الدولي وليست من الوارد الإقدام على هذا الإجراء.
إن الحفاظ على النظام الدولي مصلحة لكل الأطراف، بمن فيهم إيران والولايات المتحدة ، أما المغامرات التي تتعارض مع هذا النظام؛ فقد تأتي بنتائج عكسية، ويمكن لها أن تُحدِث فوضى دولية هائلة يتضرَّر منها الجميع.
الحرب الخبيثة محطة لاستنتاج الدروس والعِبر، ولإعادة النظر بالمقاربات الخاطئة، والساحة العربية ليست مساحة مُباحة لدفع الفواتير، ولا هي منطقة تقاسُم مغانم لأصحاب الطموحات المُلتبِسة.
د. ناصر زيدان
أقرَّ الكنيست الإسرائيلي ما أطلق عليه «قانون إعدام الأسرى» في نهاية شهر آذار/مارس المُنصرم، وهو يستهدف الفلسطينيين دون غيرهم، في قرار عنصري مرير واضح، لم يسبق أن حصل من قبل، بينما لا يُشبه هذا القانون أياً من اللوائح التشريعية التي سبقته، حتى إبان نظام الفصل العنصري الذي كان قائماً في جنوب إفريقيا قبل العام 1990. والقوانين تكاد تبكي دماً على ما لحق بها من عار بمناسبة التصويت الذي جرى على هذا المولود المُشوه.
يشوِّه القانون المشؤوم كل ما يُحكى عن ديمقراطية إسرائيلية، ذلك أن الديمقراطية لا تتعايش مع الظلم والإجرام، وهي وسيلة لتحقيق العدالة والانتظام. والتشريع الجديد لا يستند إلى أي اعتبار موضوعي، وهو مُجرَّد من الإنسانية، ويخالف المعاهدات الدولية وميثاق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان، لأنه لا يتقيَّد بمبدأ المساواة، وهو مُخصص للاقتصاص من مجموعة من السكان دون غيرهم، لأنه ينطبق على الفلسطيني الذي يدافع عن نفسه، أو أنه يقاوم محتلّ أرضه، وميثاق الأمم المتحدة أجاز لهؤلاء استخدام كل الوسائل لتحرير أرضهم.
يمكن الإشارة إلى أهم ما يفضح مندرجات القانون الخبيث، بحيث أن القواعد العامة للقوانين لا تُجيز تشريع لوائح تُطبَّق على مواطنين لا يخضعون لسيادة الدولة، كما أن معاهدة أوسلو للعام 1993 التي وقعتها إسرائيل مع منظمة التحرير الفلسطينية اعتبرت أراضي الضفة الغربية خارج حدود الكيان، ولها استقلاليتها المعترف بها دولياً. والقرارات الدولية ذات الصلة تؤكد واقعة خضوع أراضي فلسطينية للاحتلال، لاسيما القرار 242/1967، ومعاهدة جنيف الرابعة للعام 1949 أكدت واجبات الدولة المحتلة بحماية المواطنين الواقعين تحت الاحتلال، ولا يجوز لهذا الاحتلال أن يمارس سلطته على هؤلاء.
القانون الجائر يطال الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، وعدد هؤلاء يقارب 10 آلاف معتقل، وقد تطبَّق عقوبة الإعدام اللعينة على جزء منهم. وقد اعتادت السلطات الإسرائيلية إلصاق التُهم بهذه الفئات من الفلسطينيين، بينما لا تطال روادعها أياً من المُرتكبين من المستوطنين المُدججين بالسلاح، والذين يمارسون عمليات القتل يومياً ضد الأبرياء من أبناء الأرض، فيما تشجع سلطات الاحتلال هؤلاء المستوطنين على استباحة المدن والقرى الفلسطينية وتتعمد الاستيلاء على أرضهم وممتلكاتهم وطردهم وقتلهم، وتقوم بتسليحهم لممارسة الإرهاب وبحماية قوات الأمن والجيش، من دون حساب أو عقاب، كما أن القانون لا يشير بالمطلق إلى الجرائم التي يرتكبها هؤلاء من قتل وتعذيب بحق الفلسطينيين.
في غمرة الهياج الحربي الخبيث الدائر في المنطقة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، والذي تطال فيه صواريخ ومسيرات المتحاربين منشآت ومدناً عربية ليس لها أي علاقة بالحرب الدائرة، استغلت قوى اليمين الإسرائيلي المتطرفة الموقف، ودفعت باتجاه إقرار القانون الجائر، ووافقها على ذلك رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بهدف إنقاذ الائتلاف الحكومي القائم. وصوَّت لصالح الاقتراح 62 نائباً وعارضه 48.
إن عملية تطبيق القانون أشارت إلى عدم جواز منح العفو على هذه الاحكام العسكرية، ويجب تنفيذ العقوبات خلال 90 يوماً. وقد عبَّر وزير الأمن إيتمار بن غفير عن فرحته لصدور القانون، واعتبره إنجازاً طال انتظاره، وقام بالاحتفال داخل الكنيست بعد صدور القانون وتوزيع الشمبانيا على النواب الذين صوتوا إلى جانب القانون، في تعبير صريح عن عنصريته المقيتة وكرهه للفلسطينيين.
الدول العربية دانت صدور القانون الجائر، وطالبت بإلغائه. والاتحاد الأوروبي هدَّد إسرائيل بفرض عقوبات عليها إذا ما أقدمت على تنفيذه. لكن ذلك غير كافٍ، وعلى الأمم المتحدة اتخاذ تدابير أكثر قوة لإلغاء القانون، والقوى الدولية الكبرى مُطالبة بإشهار الاعتراض على تشريع القتل والإعدام، وإحالة الذين يطبقونه أمام محكمة الجنايات الدولية.
الأزمات الكبرى تختبر القادة، وما تعيشه المنطقة العربية ومحيطها اليوم، يشكِّل ميداناً واسعاً لمثل هذا الاختبار، حيث الحرب المجنونة تدور بين أطراف يفتقدون إلى العاطفة الإنسانية.
إن خلط الأوراق بالضرب يميناً ويساراً من دون تفرقة بين الشركاء بالحرب، وبين الرافضين لها، والداعين لإيقافها، بمثابة ذرٍّ للرمادِ في العيون للهروب من المسؤولية، لكن ذلك لن ينطلي على المعنيين والمتابعين، ومَن يرفض العدوان على شعبه حريٌ به ألا يعتدي هو على الشعوب الأخرى.
قديماً قيل «ويلاتها من أفلاكها وحكامها» في إشارة إلى ما يصيب الكوكب وناسه من نكبات وخراب. وقيل أيضاً «العقلُ قبل شجاعةِ الشُجعان» ومَن تولَّى شؤون الناس عليه أيضاً أن يحافظ على مصالحهم ويضمن سلامتهم. ومشروعية استخدام القوة لحفظ الاستقرار، تختلف عن شريعة الغاب المُتحلِّلة من كل القيم، حيث القوي يستفرِس ضد الأقل قوة. والذين يتجاهلون قوة الحق، ستصيبهم اللعنة ولو بعد حين، بينما الجار إذا جار على جاره لا يربح المُنازلة مهما طال الزمن، فالعدلُ أساس المُلك، وقوة القانون أشدُّ تأثيراً من جنوح القوة.
يمكن التأكيد أن الحرب الحالية، ضربت مقومات الأعراف والقيم، وبدا معظم الذين يقودونها مهووسون بالتسابق نحو تحقيق انتصاراتٍ واهية، ولو على أنقاض مقدرات شعوبهم ومكانة دولهم. وبعضهم يستند إلى ميثولوجيات قديمة واهية تعطي الحرب أبعاداً دينية، بعيداً عن المنطق والمشروعية.
كان يمكن لبعض أسباب الحرب أن تسوَّى بالطرُق الدبلوماسية وبالحوار، ومن خلال المؤسسات الأممية التي تتمتع بمشروعية دولية، وقيمة الخسائر بالأرواح وبالممتلكات التي أصابت إيران، تضاهي ألَم تنازلات كان يمكن القبول بها لتلافي المَقتلة، لا سيما منها تقييد خروج برنامجها النووي عن معاهدة حصر الأسلحة الذرية، وضبط الانفلاش غير المقبول للمجموعات التي تدور في فلكها وتُسبِّب أذى للعالم ولدول الجوار. وكان يمكن للإدارة الأمريكية استخدام المهارات القيادية بأفضل حال، وتجنُّب الدخول في هذه المعمعة المؤذية لها وللعالم. أما إسرائيل فبدا أن قادتها الذين ارتكبوا أفظع الجرائم في فلسطين ولبنان والبلدان المجاورة، ينتظرون الفرصة لتوسيع منسوب عدوانهم. أما إيران المُستهدفة، فقد انقضت على جيرانها الذين رفضوا الحرب منذ اللحظة الأولى، وقامت بعدوانٍ لا يقلُّ بشاعة.
لكن اللافت في هذا السياق الحِكمة التي تحلَّى بها قادة دول الخليج العربي، وهم لم يردوا على العدوان رغم امتلاكهم القدرة على ذلك، وقد تجنبوا جرّ بلدانهم لويلات الحرب، رغم الاستفزازات والاستهدافات العدوانية التي أصابت بلادهم انطلاقاً من القواعد الإيرانية، وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2817 وصَّف بدقة ما جرى، وأدان بوضوح الاعتداءات الإيرانية.
المفكر الكندي المعروف آلان دونو أصدر مؤخراً كتاباً بعنوان «نظام التفاهة» وقال فيه: يبدو أن التافهين بسطوا سلطانهم على غالبية دول العالم، وأمسكوا بمفاصل السلطة فيها، ووضعوا أيديهم على مواقع القرار، وقد تمدَّد نفوذهم إلى الميدان المالي والأكاديمي والإعلامي، وهو ما ينذرُ بأخطار جمَّة على البشرية.
إن تهميش الانتظام الدولي كارثةٌ معنوية كبيرة، وقد تجرُّ ويلات غير محسوبة على البشرية جمعاء. وتمسُّك قادة الاتحاد الأوروبي في قمتهم الأخيرة التي عُقدت ببروكسل في 19 مارس/ آذار ببقاء هيئة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة كأهم ركن من أركان النظام الدولي القائم، فيه إشارة واضحة إلى التهديد الذي يُصيب القانون الدولي، لصالح إرساء مقاربات فئوية لا يمكن لها أن تحلّ المشكلات المطروحة.
الحرب العبثية التي تدور في المنطقة، تعطي أهمية لقواعد الممارسة السياسية التي تعتمد على مهاراتٍ متوازنة، وعلى الحِكمة، وعلى القانون. أما الجنوح نحو الحروب والانفلاش والفوضى، فلن ينتج عنه سوى الخراب والدمار.