العفوي والفطري والمثقف

00:03 صباحا
قراءة دقيقتين

يُرجع الشاعر والباحث في تاريخ الحضارات د. خزعل الماجدي اختراع الكتابة إلى 3200 عام قبل الميلاد أولاً في وادي الرافدين، ويقول في كتابه البحثي المهم «حضارات ما قبل التاريخ»، إن السومريين هم أوّل من اخترعوا الكتابة في جنوبي العراق وتحديداً في منطقة أوروك «الوركاء». ويرى د. الماجدي استناداً إلى مراجع تاريخية وآثارية وبحثية أن الكتابة انتقلت من وادي الرّافدين إلى مصر في حدود 3000 عام قبل الميلاد، ثم انتقلت الكتابة بعد ذلك إلى الصين والشام والهند - كما يقول - وفي الألف الثاني قبل الميلاد عرفت اليونان الكتابة، وعرفتها إيطاليا في القرن السادس قبل الميلاد، أما فرنسا وبريطانيا «فلم تعرفا الكتابة إلّا في القرن الأول قبل الميلاد عندما دخلها الرومان».
خزعل الماجدي قبل أن يكون باحثاً في حضارات ما قبل التاريخ هو شاعر، ومن أوائل مجموعاته الشعرية «يقظة دلمون» منشورات العام 1980 عن وزارة الثقافة العراقية، أي قبل نحو 42 عاماً، ومنذ ذلك الوقت الشعري المبكر كانت الأساطير والحضارات والأديان والرموز الأسطورية والأنثروبولوجية والتاريخية من أوّل اهتماماته.
شخصياً، إذا أردت أن أقرأ في تاريخ الحضارات، أقرأ ما يكتبه د. خزعل الماجدي، وفي السياق مثلاً ومن شغل الماجدي العلمي والأدبي والثقافي الغزير كتابان مهمّان له: «الميثولوجيا المندائية»، وله «تاريخ الخليقة»، وبالطبع له العديد من الدراسات والبحوث الحضارية والمعتقدية والميثولوجية التي لا تغيب عنها شمس الشعر أو شمس الباحث الشاعر أو الشاعر الباحث لا فرق ما دمت تقرأ مادة خفيفة على القلب. «مشنشلة» بالمعلومات من أولها إلى آخرها، لكن كل هذه المعلومات تبدو من بعيد قصيدة طويلة هي امتداد ل«يقظة دلمون».
الأساس في هذه المقالة هي الكتابة أو اختراع الكتابة، وقد يكون من الصواب القول: «اكتشاف الكتابة»، وليس اختراعها؛ إذ تحيل كلمة «اختراع» إلى ما هو مادي علمي بل وصناعي، فيما الاكتشاف هو حاجة الإنسان إلى إشباع فضوله البشري البسيط والغنائي والإبداعي، فيكتشف الكتابة، ليكتب الأغاني والشعر والحكايات.
ولكن، أيّاً كانت الكتابة، اختراعاً كانت أم اكتشافاً.. فما المقصود ب«الكتابة»؟.. هل هي كتابة الحروف أو كتابة الأبجديات لأغراض التواصل اللغوي أو الإنساني أو الاجتماعي بين البشر؟.. إن المقصود ب«الكتابة».. هو كتابة الأدب: الشعر، النثر، الحكمة، المسرح، الأغاني، الحكايات.. أي كل ما هو أدبي إبداعي.. مُدّون، ومكتوب؟.
اختراع الكتابة أو اكتشافها كان هذا أو ذاك. المقصود الكتابة الغرضية، والمقصود أيضاً الكتابة الأدبية، فقد كان كل ما هو قبل التاريخ: بسيطاً، وتلقائياً، غير مُجنّس، وغير مُحدّد، وغير مثقف.
كل ما هو عفوي، وفطري، وطفولي.. هو غير مثقف تماماً، مثل اكتشاف أو اختراع الكتابة للمرة الأولى في حياة البشر.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"