الوجه الآخر للعقوبات على روسيا

00:32 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. فايز رشيد

مضت أربعة أشهر على الحرب الأوكرانية التي بدأت في 24 فبراير/شباط الماضي، وليس هناك من آفاق قريبة لإنهائها. وآخر حلقاتها وفقاً لمسؤول في مدينة خيرسون الأوكرانية المطلّة على البحر الأسود أن استفتاء سيجري في المدينة بشأن انضمامها لروسيا. من جانب آخر وعلى وقع ما تشهده ساحة الصراع الأوكرانية من تصاعد كان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قد حذّر الغرب من أنه إذا قام بتزويد كييف بصواريخ بعيدة المدى فسترد موسكو بالسيطرة على مناطق أكبر من أوكرانيا. 

 لقد أعلنت دول كثيرة في حلف الناتو أنها ستزود أوكرانيا بأنظمة صاروخية متعددة الإطلاق يمكنها ضرب أهداف على بعد 80 كيلومتراً. وفي معرض توضيح الحلف لسبب إرسال منظومة راجمات الصواريخ المتعددة «إم 270» قال أحد مسؤوليه «إن دعم الناتو لأوكرانيا سيتغير مع تطور الأساليب الروسية». من جهته صرّح الرئيس الأمريكي جو بايدن بأن واشنطن ستزود أوكرانيا بأنظمة صواريخ «إم 142» أو «هيمارس»، بعد أن تلقى تأكيدات من كييف بأنها لن تستخدم لضرب أهداف داخل الأراضي الروسية. في هذا الشأن يمكن القول، إن أوكرانيا إذا ما اشتدّت وطأة الحرب عليها فإنها ربما ستنسى تعهدها لواشنطن وتقوم باستعمال الصواريخ ضد روسيا، ولسان حالها والحالة هذه ينطلق من أنها ليس لديها ما تخسره وبإمكانها استعمال كافة أسلحتها. وهو ما سيزيد من حدة التوتر بين روسيا وحلف الناتو. 

 وبالفعل صرّح الرئيس الروسي بوتين، بأنه «إذا استمر الغرب بتزويد أوكرانيا بصواريخ بعيدة المدى، فسيتعين على روسيا ضرب منشآت لم تستهدفها سابقاً».

 على صعيد ردود الفعل على الحرب الدائرة، يجري اتهام روسيا بالتسبب بأزمة غذاء عالمية، على الرغم من تأكيد منسّق الأمم المتحدة المعني بالأزمة في أوكرانيا، فإن المنظمة تبذل قصارى جهدها لتأمين الإفراج عن صادرات الحبوب العالقة في موانئ أوكرانيا على البحر الأسود. كما سلّط الضوء على الصعوبات المرتبطة بالتجارة الدولية مع روسيا على الرغم من عدم وجود عقوبات على الصادرات الإنسانية من المواد الغذائية والأسمدة من أوكرانيا. كما أوضح أن نحو 1.5 مليار شخص حول العالم «يحتاجون إلى الغذاء والأسمدة». 

وفي هذا المجال يقول الجنرال الروسي السابق ألكسندر أرتاماتوف، إن الوضع الحالي يستغله الغرب ويجعله «فزاعة»، فمن يعطّل تصدير الحبوب هي العقوبات التي تفرض على روسيا لعزلها عن العالم، وأن الغرب يسعى إلى أن تضغط دول منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا الأكثر حاجة إلى القمح على روسيا لتنسحب من أوكرانيا. لكن موسكو لا تقف عائقاً على حد قوله. وتساءل الجنرال الروسي: كيف يتم تصدير الحبوب في ظل تلك العقوبات الهيستيرية، بالتالي كيف يتم تصدير تلك الحبوب وغيرها من الأسمدة؟

 إن أزمة تصدير الحبوب من الموانئ أرجعتها روسيا أيضاً إلى الألغام التي تزرعها أوكرانيا في الموانئ، ما يُعيق سير سفن الشحن؛ حيث طالبت موسكو بضرورة تطهير كييف لتلك الموانئ من أجل استئناف التصدير مع ضمان توفير حماية لتلك الممرات. فكما هو معروف، تُسهم روسيا وأوكرانيا بنحو ثلث إمدادات القمح العالمية، في حين أن روسيا هي أيضاً مُصدّر عالمي رئيسي للأسمدة، وأوكرانيا مُصدر رئيسي للذرة وزيت دوار الشمس.

 عملياً ترتد العقوبات المفروضة على روسيا سلباً على أوروبا وغيرها من البلدان، وليس أدلّ على ذلك من الكارثة في ملف القمح والطاقة سواء النفط أو الغاز؛ إذ تتحدث تقارير كثيرة عن أن عدة دول أوروبية تستعد لانقطاع كهربائي بسبب نقص الإمدادات على خلفية استمرار الحرب في أوكرانيا، والتي أدت إلى نقص كبير في الطاقة في عدة دول أوروبية بسبب نقص الغاز الروسي. وطالبت دول أوروبية عديدة سكانها بتخزين المياه والغذاء إلى فترات قد تطول، وطالبتهم باستخدام الفحم بسبب نقص الغاز الروسي. ونتيجة لنقص الطاقة الكهربائية في دول أوروبية عديدة ارتفعت أسعار الكهرباء.

 من جانب آخر استغلّت الولايات المتحدة الحرب الأوكرانية لتعزيز وجودها العسكري في أوروبا، ولهذا ترتفع حدة الهواجس والقلق في العديد من بلدان القارة الأوروبية نتيجة لتداعيات الحرب الأوكرانية، وانعكاساتها الكارثية على أمنها واقتصاداتها. 

 ويرى مراقبون وخبراء عسكريون وكأن الحرب الأوكرانية قدّمت أوروبا على طبق من ذهب لواشنطن التي تعمل على استثمار تصاعد الخوف الأوروبي من الدب الروسي، لتعزيز نفوذها مجدداً في أوروبا.

 الحرب الأوكرانية لها تداعيات كثيرة، وكلما طالت هذه الحرب، زادت تأثيراتها واحتمالاتها غير المحسوبة والمجهولة أيضاً، بما يؤثر في السلام العالمي برمته.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب وباحث في الشؤون الاستراتيجية، وهو من الخبراء في الصراع الفلسطيني العربي-"الإسرائيلي". إضافة إلى أنه روائي وكاتب قصة قصيرة يمتلك 34 مؤلفاً مطبوعاً في السياسة والرواية والقصة القصيرة والشعر وأدب الرحلة. والمفارقة أنه طبيب يزاول مهنته إلى يومنا هذا

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"