الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
فايز رشيد
كاتب وباحث
أحدث مقالات فايز رشيد
24 فبراير 2023
الزلزال والدروس المستفادة

د. فايز رشيد

الزلزال المدمّر الذي ضرب شمالي سوريا وجنوبي تركيا، سبّب خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات؛ إذ تجاوزت حصيلة القتلى 50 ألفاً، ويمكن لهذا الرقم أن يزداد، عدا عن الذين فقدوا بيوتهم وممتلكاتهم الأخرى وتشردوا. إنها مأساة إنسانية مروّعة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معانٍ. فالخسائر كبيرة، ولكن بالنسبة لسوريا، فإنها محاصرة ب«قانون قيصر» الأمريكي الذي يحدّ من إمكانية تقديم المساعدات لها. من زاوية أخرى، فإن تركيا ودعمها لجماعات مسلحة شمالي سوريا يحدّ من قدرة الدولة السورية على تقديم المساعدات لهذه المناطق، وأيضاً للمناطق الواقعة شمال شرقي سوريا، الخاضعة لسيطرة قوات «قسد» الكردية المتحالفة مع الولايات المتحدة.

الواجب يتطلب من تركيا في مثل هذه الظروف الإنسانية الملحّة، أن تجعل الأولوية لإغاثة المناطق المنكوبة، وتكفّ عن دعم الجماعات المسلحة الموالية لها.

صحيح أنه من الصعب السيطرة تماماً على الكوارث الطبيعية، لكن بالتعاون الدولي والحالة هذه يمكن التقليل من آثار بعض ما يحدث من أضرار.

لقد أعلنت إدارة الطوارئ والكوارث التركية أن الزلزال الذي بلغت قوته 7.7 درجة، يعادل 500 قنبلة ذرية! وعلى الرغم من مرور أسبوع على زلزال «كهرمان مرعش» المدمّر، فإن الهزات الارتدادية لا تزال مستمرة؛ الأمر الذي قد يفاقم من الخسائر.

إذا كان زلزال طبيعي يمكنه التسبّب في كل هذه الخسائر المؤلمة، وقوته تعادل مئات القنابل الذرية، فماذا سيكون الوضع لو حصلت حرب نووية، وهذا لا يتمنّى أحد حدوثه تحت أي ظرف، وبالتالي فهذا الزلزال المدمّر يجب أن يعطي درساً للقوى النووية تجاه حجم الخسائر الكبيرة وغير المحسوبة إذا ما انزلقت بعض هذه القوى إلى حافة الحرب، حيث لا تزال دروس مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين تلقي بظلالها المريرة والمؤلمة، بعد عقود كثيرة من إلقاء قنبلتين نوويتين عليهما في الحرب العالمية الثانية.

كذلك، فإن انفجار مفاعل «تشيرنوبيل» النووي ما تزال تأثيراته السلبية تلقي بظلالها حتى اللحظة، وعلى الدول النووية الاستفادة من دروس وتداعيات الزلزال الأخير المدمّر الذي لا تزال تداعياته السلبية مستمرة؛ إذ ما زلنا في كل يوم نسمع ونقرأ عن خسائر جديدة.

وفي هذه الأثناء تخشى منظمات وسكان في المناطق المنكوبة من إمكانية انتشار الأوبئة التي تظهر في العادة بعد حدوث الزلازل، وخطر الأوبئة في حدّ ذاته يوازي في العديد من الأحوال في نتائجه السلبية الأضرار التي تسبّبها الزلازل والبراكين.

وفقاً للخبراء والمختصين، فإن التقديرات الحقيقية لخسائر الزلزال المدمّر ستحتاج إلى سنوات لتقدير حجمها، قياساً بالأضرار الحقيقية للزلازل السابقة التي حصلت في بلدان أخرى. فمثلاً راوحت تقديرات عدد القتلى في الزلزال الذي ضرب هايتي في عام 2010 مئة ألف شخص، وخسائر مادية بمليارات الدولارات.

لذا يمكن أن تستمر تأثيرات الزلزال الأخير المدمّر في سوريا وتركيا في مواطني الدولتين المتضررين منه، وغير ذلك من الأضرار لفترة طويلة قادمة قد تمتد إلى سنوات، فالآثار الاجتماعية والمادية الحقيقية للتأثيرات الحقيقية للزلازل تحتاج إلى فترة طويلة للرصد الحقيقي لتداعياتها؛ لذا فمن الضرورة والحالة هذه تطبيق الدروس المستفادة من الزلازل السابقة في مناطق مختلفة من العالم. ويمكن أن تكون هذه الكارثة تحذيراً للاستعداد لزلازل قد تأتي مستقبلاً، لا سمح الله.

أعلنت منظمات الإغاثة ألاّ مؤشرات على وجود أحياء تحت الأنقاض بعد انتهاء عمليات البحث وإنقاذ العالقين في المناطق المنكوبة، في حين أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان أن مئات الآلاف من المباني لم تعد صالحة للسكن.

من المفترض أن المأساة المشتركة التي جمعت تركيا وسوريا، ربما تساعد على دفع فرص المصالحة بينهما، أو خفض مستوى الأزمة على أقل تقدير، بحثاً عن تسوية سياسية بين البلدين.

[email protected]

31 يناير 2023
حرب روسيا و«الناتو»

د. فايز رشيد
صدقت كافة التحليلات السياسية والتوقعات من أن الحرب الروسية الأوكرانية ستطول مدتها، فقد بدأت في شباط/فبراير 2022، وستنهي عامها الأول قريباً، ويبدو أنها ستطول كثيراً بسبب امتداداتها وكثرة الأطراف والدول المتورّطة فيها.

لقد قررت واشنطن تزويد أوكرانيا بدبابات «أبرامز» المتطورة، وجاء ذلك بعد ضغط دول حلف «الناتو» على ألمانيا بتزويد كييف بدبابات «ليوبارد» المتطورة أيضاً، وهما نوعان من الدبابات سيلعبان دوراً محورياً في تقوية الجيش الأوكراني في معاركه ضد روسيا، عدا أنواع السلاح المتطورة الأخرى التي تمد بها دول الحلف أوكرانيا في مواجهة روسيا التي اعتبرت خطوات «الناتو» تصعيداً خطراً ضدها.

ولذلك تبحث موسكو في زيادة عديد عسكرييها إلى مليون ونصف المليون جندي، وهذه هي الحرب الأولى التي تُجبر موسكو للوصول إلى هذا الرقم المرتفع في عديد جيشها. حتى في ظل الحرب الباردة لم تقم موسكو بهذه الخطوة، كما تبحث دول الحلف خطة طارئة، وتشكيل قوات خاصة لإنقاذ ما تصفه ب«الهدف رقم 1» وهو الرئيس الأوكراني زيلينسكي.

وقد كشفت صحيفة «صن» البريطانية أن هذه المهمة ستتولاها قوات بريطانية خاصة، إضافة إلى قوات من مشاة البحرية الأمريكية تتمركز في قاعدة أمريكية في جمهورية ليتوانيا، وهي إحدى جمهوريات البلطيق الثلاث التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي قبل انهياره عام 1991.

إن ما يقوم به «الناتو» من تأييد وتسليح واسع لأوكرانيا ليس مردّه بالطبع إلى إظهار التأييد المنقطع النظير لأوكرانيا فقط، وإنما هدفه أيضاً إضعاف روسيا من جهة، ووضع قواعد عسكرية لحلف «الناتو» في الأراضي المجاورة لها، كهدف متقدّم للحلف في حال وقوع أحداث ساخنة في القارة الأوروبية تستدعي تدخلاً مباشراً من الحلف. ولطالما سعت الولايات المتحدة منذ أيام الحرب الباردة، وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي إلى إيجاد قواعد عسكرية لها ولدول الحلف عموماً في الجمهوريات المجاورة لروسيا أو القريبة من أراضيها، وهذا ما مارسته في جمهوريات البلطيق الثلاث: لاتفيا، وليتوانيا وإستونيا. من جانبها، فإن روسيا بدأت في تمتين علاقاتها مع جمهورية بيلاروسيا. للعلم فإنه إبان الحقبة السوفييتية كانت روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا أقرب الجمهوريات بعضها إلى بعض.

بالنسبة ل«الناتو»، فعلاقاته مع روسيا ظلّت محكومة ببعض التوتر على خلفية العهد السابق، ولذلك فإن المعسكر الغربي ينفخ في كور النار المشتعلة بين روسيا وأوكرانيا، ويعمل بكافة الوسائل لإدامة حالة التوتر معها.

من جهتها، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، إن الاتحاد الأوروبي لن يتراجع عن دعمه لأوكرانيا وطالبت بمحاسبة روسيا، وقالت «إنها لن تفلت من العقاب على ما اقترفته في أوكرانيا».

من جهة ثانية، فإن العقوبات التي اتخذتها دول حلف «الناتو» ضد روسيا أظهرت أنها سلاح ذو حدين. فمن جهة: صحيح أنها تؤثر في روسيا لكنها أيضاً تركت تأثيرات كبيرة في كافة الدول الأوروبية، إنْ من حيث تقليص كمية الغاز الروسي إليها، وهي في أمسّ الحاجة إليه، أو في ارتفاع أسعار العديد من المنتوجات، بما في ذلك المواد الغذائية الأساسية منها، أو من حيث تصاعد التضخم، هذا على الرغم من ادعاء الاتحاد الأوروبي أن دوله نجحت خلال أقل من عام في تقليل اعتمادها على الوقود الروسي وسيطرت على الأسعار.

على المدى القريب، ليس هناك ما يلوح في الأفق من أن حلولاً قريبة للصراع الدائر حول أوكرانيا ستأخذ طريقها إلى التنفيذ الفعلي.

مجمل القول أن دول «الناتو» تستغل الفرصة في ما اصطلح على تسميته ب«الحرب الأوكرانية» لابتزاز روسيا وإضعافها أكثر ما يمكن. من جانبها، فإن الأخيرة ماضية في تقوية أسلحتها وتطويرها ومعالجة تبعات الحرب التي تشنّها دول حلف «الناتو» عليها.

[email protected]

12 نوفمبر 2022
العرب.. ومواجهة التحديات

د. فايز رشيد

مع اختتام القمة العربية أعمالها في العاصمة الجزائرية قبل أيام قليلة، حيث انعقدت وسط تحديات صعبة وكثيرة، حاول القادة العرب الذين حضروا أعمالها من خلال القرارات التي توصلوا إليها، الوقوف أمام هذه التحديات التي تواجهها أمتنا في واقعها الراهن ووضع الحلول لها، وبخاصة في ظل تعمّق القُطرية للأسف، وهي التي تقلل من حجم التنسيق المفترض بين دولنا، كما تسهم في تأجيج حدّة الخلافات بينها، على الرغم من أن الواقع الراهن هو عصر التجمعات الإقليمية، والأولى بدولنا التي توحّدها الكثير من العناصر المشتركة، السعي إلى المزيد من التنسيق، وصولاً إلى التكامل بينها تجاه العديد من القضايا.

لقد أكدت قرارات قمة الجزائر رفض التدخّلات الخارجية بجميع أشكالها في الشؤون الداخلية للدول العربية، وشددت على التمسك بمبدأ الحلول العربية للمشاكل العربية، وهذا يتأتى من خلال تعزيز دور جامعة الدول العربية. لقد أكدت القرارات أيضاً، التمسك بمبادرة السلام العربية بكافة عناصرها لحل القضية الفلسطينية، وهي التي رفضتها إسرائيل حينها عندما أطلقتها القمة العربية في بيروت عام 2002.

جدير بالذكر أنه سبقت القمة مبادرة جزائرية جمع خلالها الرئيس الجزائري الفصائل الفلسطينية من أجل توحيد مواقفها، وقد رحّبت القمة بلمّ الشمل الفلسطيني، مؤكدة ضرورة مواصلة الجهود لحماية المدينة المقدّسة.

لقد أشار إعلان الجزائر إلى التضامن الكامل مع الشعب الليبي، ودعم جهود حل الأزمة التي تعصف بليبيا، سلمياً. كما ركز على دعم الشرعية في اليمن من خلال الحل السياسي وفق المرجعيات المعتمدة، مع التشديد على ضرورة تجديد الهدنة الإنسانية كخطوة أساسية نحو هذا المسار الهادف إلى الحفاظ على وحدة اليمن وسيادته واستقراره وسلامة أراضيه، ورفض جميع أشكال التدخل الخارجي في شؤونه الداخلية.

ودعت القمة الدول العربية إلى القيام بدور جماعي قيادي للمساهمة في جهود التوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية، ومعالجة كافة تبعاتها السياسية والأمنية والإنسانية والاقتصادية، بما يضمن وحدة سوريا وسيادتها، ويحقق طموحات شعبها ويعيد لها أمنها واستقرارها ومكانتها إقليمياً ودولياً. وعلى هذا الصعيد يتوجّب إعادة سوريا للصف العربي وممارسة دورها تجاه مختلف القضايا العربية. وفي ما يتعلق بالعراق، رحّب بيان القمة بتنشيط الحياة الدستورية فيه، كما أكد التضامن مع لبنان للحفاظ على أمنه واستقراره، ودعم الخطوات التي اتخذها لبسط سيادته على أقاليمه البرية والبحرية.

ولعل أهم ما اتخذ من قرارات هو الالتزام بمضاعفة الجهود لتجسيد مشروع التكامل الاقتصادي العربي، وفق رؤية شاملة تكفل الاستغلال الأمثل لمقوّمات الاقتصادات العربية وللفرص الثمينة التي تتيحها، بهدف التفعيل الكامل لمنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، تمهيداً لإقامة الاتحاد الجمركي العربي. ويعتبر هذا القرار في حال تطبيقه، منطلقاً أساسياً للعمل العربي المشترك، وخطوة في اتجاه التوحّد العربي، باعتبار أن الاقتصاد هو القاطرة للعمل الوحدوي. وتم التشديد على ضرورة توحيد الجهود لمكافحة الإرهاب والتطرف بجميع أشكاله وتجفيف منابع تمويله.

لقد حاولت القمة بشمولية واسعة، وضع النقاط على الحروف تجاه كافة القضايا الخلافية في العالم العربي، وبيّنت الحلول التي تعزز وحدة الصف العربي، والتي تقف عائقاً أمام العمل العربي المشترك من جهة، وتسهم في زيادة الانقسام بين دولنا من جهة ثانية، مع إدراك صعوبة واتساع حجم التحديات التي تعصف بعالمنا العربي. ثم علينا ألاّ ننسى أن القمة السابقة انعقدت قبل ثلاث سنوات في عام 2019، على أمل أن تدور عجلة انعقاد القمم العربية من جديد كسابق عهدها.

[email protected]

6 أكتوبر 2022
الحرب الأوكرانية والتهديدات النووية

د. فايز رشيد

اتخذت الحرب الأوكرانية مؤخراً، منحى خطيراً، من خلال التهديد بإمكانية استخدام الأسلحة الاستراتيجية، بما فيها النووية. وفي خطاب له قال الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين «إذا تعرضت وحدة روسيا للتهديد سنستخدم كل الوسائل المتاحة»، كما أعلنت موسكو مؤخراً، عن التعبئة العسكرية الجزئية، تعويضاً عن الخسائر البشرية التي لحقت بها في أوكرانيا. كما ألمح بوتين للغرب، بأنه على استعداد لاستخدام الأسلحة النووية للدفاع عن روسيا، ردّاً على ما أسماه ب«الابتزاز النووي» الأوروبي. وأكّد أن بلاده تتعرض لتهديدات بالسلاح النووي، وأن لدى روسيا في المقابل، أسلحة دمار شامل مضادة للأسلحة الغربية. مضيفاً: «إذا تعرضت وحدة أراضينا للتهديد سنستخدم كل الوسائل المتاحة.. وهذا ليس خداعاً». 
كما أعلن سيد الكرملين أن مسؤولين عدة في الدول المنضوية في حلف «الناتو» تحدثوا عن احتمال استخدام أسلحة نووية ضد الفيديرالية الروسية، لكنه لم يحدد هذه الدول.
 لقد أثارت تهديدات بوتين ردود فعل دولية عدة، حيث وصفها الرئيس الأمريكي، جو بايدن، بأنها «غير مسؤولة»، فيما اعتبرها حلف شمال الأطلسي بأنها تصريحات «طائشة». وقال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون «إن القوى النووية بحاجة الآن إلى التصرف بمسؤولية».
 لكن لا يمكن التكهن فيما إذا كانت تصريحات بوتين مجرد تهديد، أم أنه تحضير فعلي لحرب نووية، ما يطرح تساؤلات حول تأثير استخدام السلاح النووي في العالم. من جانبهم، رأى مراقبون أنه لا توجد خطة حرب نووية واحدة وواضحة لأية دولة تمتلك أسلحة نووية، لذلك من الصعب معرفة كيف سيبدو شكل وحجم استخدام الأسلحة النووية.
 وبالتأكيد، فإن من يهددون باستعمال الأسلحة النووية في الحرب الأوكرانية يتذكرون جيداً مئات آلاف الأشخاص الذين قتلوا في مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين، في الحرب العالمية الثانية، وتحديداً عام 1945 عندما ألقت الولايات المتحدة قنبلة نووية على كلّ منهما، الأمر الذي أدّى إلى استسلام اليابان. 
 وبالتأكيد، فإن القنابل النووية الحالية هي أكثر تطوّراً، وبالتالي أشدّ فتكاً من القنبلتين المذكورتين. كما يحذّر الخبراء من إمكانية تسريب الأشعة النووية إلى الدول المجاورة، ما يجعل كثيراً من الدول المحيطة في خطرٍ دائم لسنوات طويلة، وأجيال عدة.
 من ناحية أخرى، ما زال العالم يتذكر انفجار المفاعل النووي في «تشرنوبل» عام 1986 وتأثيراته الكارثية حتى هذه اللحظة، لجهة انتشار الإشعاع النووي، ووفاة الآلاف وتشوه الآلاف الآخرين وولادة الأطفال المشوهين، وصعوبة استغلال الأراضي الزراعية في تلك المنطقة. فكيف سيكون الوضع إذا ما جرى استخدام أسلحة نووية أكثر تطوراً إذا ما اندلعت الحرب النووية؟
 من زاوية ثانية، فإن استخدام السلاح النووي سيصعّب السيطرة على مطلق حرب ومدياتها الجغرافية، لكون الأسلحة النووية إذا ما جرى استخدامها يعني دماراً كبيراً للعالم، بكل ما يعنيه هذا المصطلح من كوارث بشرية، اقتصادية وسياسية وبيئية، ليس في الدول المعنية فقط، وإنما في دول أخرى كثيرة. فليست هناك دولة معزولة عن الدول الأخرى، سواء في العلاقات السياسية، أو الاقتصادية، أو الاتصالاتية الإنسانية. 
 الحرب النووية إن وقعت قد تعني نهاية كل ما بناه الإنسان من حضارة وبنيان، لأن ما يمكن أن يحصل سوف يتجاوز كل ما يمكن أن يخطر على بال من «شتاء نووي»، وصقيع، وعدم قدرة على الزراعة، وفقر، ومجاعة، وأمراض، وفقدان للتواصل بين الأمم والدول، الأمر الذي سيؤدي إلى اضطرابات كبيرة.
  وفي حالة استخدام السلاح النووي فإن ما تبقى من العالم سيتشكل من جديد، وسيحمل بين طيّاته أزمات كبيرة.. نتيجة لكلّ ذلك، من المستبعد قيام روسيا، أو إحدى الدول الكبرى بما فيها الولايات المتحدة، باستخدام هذا السلاح الخطير.
 وفي تقديرنا، فإن التهديد باللجوء إلى السلاح النووي هو إحدى وسائل الضغط لتحقيق أهداف سياسية في الحرب الأوكرانية الدائرة، والتي لا يبدو أنها ستنتهي قريباً.
[email protected]

9 سبتمبر 2022
هل يترشح ترامب للرئاسة؟

د. فايزرشيد

لعلّ الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، من أكثر محبّي السلطة، ولذلك رفض فوز الرئيس بايدن في الانتخابات الرئاسية عام 2020، كما حرّض أنصاره على اقتحام مبنى الكابيتول، وصولاً إلى احتلاله للتأكيد أن الفوز في الانتخابات قد سُرق منه. لكن في النهاية جرى إعلان جو بايدن رئيساً.

ومنذ تلك اللحظة، تردّد أن ترامب سيترشح في الانتخابات الرئاسية القادمة عام 2024 ما يحوّل السلطة لديه إلى شهوة.

والحقيقة أن حرب السيطرة على البيت الأبيض قد بدأت بشكل مبكّر وحامي الوطيس. فبينما يحاول الحزب الديمقراطي إغراق ترامب وأفراد من طاقمه بالملاحقات القضائية، بالمقابل يسعى تيار ترامب عبر خطابه الشعبوي إلى تثبيت قواعده الانتخابية وتعزيزها، استعداداً للاستحقاق الانتخابي المقبل. وقد أظهرت معاهد أمريكية استراتيجية متخصصة أن الأمريكيين لا يريدون كلّاً من بايدن أو ترامب، انطلاقاً من معطيات الواقعين الاقتصادي والسياسي المترديين بشكلٍ كبير في هذه الحقبة من التاريخ الأمريكي. فالتضخم بلغ أرقاماً قياسية لم تشهده أمريكا من قبل. ربما لم يكن للرئيس بايدن دور فيها لكن مشروعه السياسي لم يحقق الرّفاه للأمريكيين المتطلعين إلى من يخرجهم من نفق الأزمة التي وقعوا فيها.

لقد ألمح ترامب مراراً، إلى أنه يدرس محاولة جديدة لدخول البيت الأبيض، ويبدو أن المشروع السياسي الذي جاء به وتبناه خلال وجوده في منصب الرئاسة قد حدّ من تراجع الاقتصاد الأمريكي لكونه ركّز جهوده على الداخل، كما ابتعد بشكل كامل عن الحلفاء، حتى ظنّ هؤلاء أن الولايات المتحدة لم تعد تريدهم، واعتقد البعض أن حلف شمال الأطلسي قد دخل في حالة موت سريري.

وساهم في هذا الاعتقاد أن ترامب أوقف دعماً للحلف، ورفض دفع المال إلا للضرورة.

وعلى الرغم من أن الرئيس بايدن أعاد كل شيء إلى حالته السابقة، وأكّد أهمية الحلفاء، وأعاد الدعم ل«الناتو» وصولاً إلى إدخاله في مواجهة مفتوحة مع روسيا قد تتحول إلى حرب كبرى جديدة في أوروبا، لكنه تسبب بخسائر كبيرة لبلاده. فالتضخم الحاصل اليوم هو أبلغ دليل على فشل سياسة بايدن، الأمر الذي دفع بالعديد من المراقبين إلى التنبؤ بعودة ترامب، حيث وضع ديك موريس الذي قدم المشورة لبيل كلينتون كتاباً بعنوان «العودة: عودة ترامب»، يقول فيه: «إن دونالد ترامب سيرشح نفسه للرئاسة مرة أخرى وسيفوز بسهولة بترشيح الحزب الجمهوري ويستعيد البيت الأبيض»، جراء التضخم وارتفاع أسعار الغاز والركود الاقتصادي.

غير أن هناك من يرى أن ترامب في حال ترشحه لن يفوز انطلاقاً من أن شروط الحزب الجمهوري الداخلية التي مكّنت من صعوده عام 2016 لم تعد موجودة. لكن هناك شخصيات جمهورية بارزة ستدخل في السباق الانتخابي، وعلى رأس هؤلاء رون ديسانتيس، حاكم ولاية فلوريدا الذي يتمتع بشعبية كبيرة داخل الحزب، حيث تُظهر الاستطلاعات المبكرة أنه المرشح الأوفر حظاً لترشيح الحزب الجمهوري له.

ومهما كانت المؤشرات التي تقدمها استطلاعات الرأي فإن الكلمة الأخيرة تعود للناخبين، وبالتالي ستكون الحظوظ لمن يمتلك القدرة على إقناعهم، ويحافظ على ذلك حتى الرمق الأخير من السباق، سواء أكان السباق الداخلي للفوز بترشيح الحزب، أم السباق الأخير للفوز برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة أن الانتخابات القادمة تسبقها أحداث ساخنة لم يشهدها العالم منذ عقود، أهمها الحرب الروسية – الأوكرانية، وصحوة التنين الصيني وتهديده للنفوذ الأمريكي في آسيا ومنطقة الشرق الوسط.

وعلى الرغم من سجلّ ترامب السيئ في المنصب وسلوكه الخاطئ في كثير من الأحيان، لكن وفقاً لمراقبين عدة، فإن قبضته تعززت في الحزب الجمهوري، وهذا ما تؤكّده بعض استطلاعات الرأي.

إن أكثر من عامين يفصلاننا عن الانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة، وترشيح ترامب من عدمه سيكون مرتبطاً بالعديد من العوامل التي ستحصل خلال هذه المدّة الطويلة، لكن يمكن التأكيد أن دونالد ترامب سيرشّح نفسه للرئاسة الأمريكية إن لم تحصل أحداث دراماتيكية تمنعه من ذلك.

[email protected]

30 أغسطس 2022
أبعاد التحذير الروسي لـ «الناتو»

د. فايز رشيد

صدقت المقولة العسكرية التي مفادها أنه «من السهل بدء معركة، ولكن من الصعب إنهائها». هذا ما ينطبق على الحرب الروسية – الأوكرانية التي ستدخل قريباً شهرها السابع، والتي لم تقتصر أحداثها على البلدين المتحاربين فقط، بل تشعبت بدخول عوامل كثيرة في مجرياتها، وأهمها «حلف الناتو» وخلفيات علاقاته المتوتّرة مع روسيا في معظم الأحيان. من هنا، أخذت الحرب الدائرة تكتسب أبعاداً دولية متعددة، لعلّ من أبرزها إمداد «الناتو» أوكرانيا بأسلحة استراتيجية متطورة من أجل إطالة أمد الحرب الدائرة بين البلدين واستنزاف روسيا وإيجاد قواعد عسكرية (بالطبع) للحلف قريبة من روسيا (التي تعتبر وريثة الاتحاد السوفييتي)، ولهذا من الطبيعي أن يطول أمد الحرب بين الجمهوريتين اللتين كانتا الأقرب علاقة من غيرهما بين كافة الجمهوريات المنضوية تحت لواء الاتحاد المنهار. 

من جانبها سبق وأن حذّرت روسيا «الناتو» من تجاهل خطوطها الحمراء، التي سبق أن حددتها، فوفقاً لمندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة غينادي غاتيلوف «فإن الصراع في أوكرانيا سيستغرق وقتا طويلاً» بالتالي، لا يوجد في الآفاق القريبة القادمة أية أسباب تدعو إلى التفاؤل بوقف الصراع العنيف القائم بين البلدين، ما يعني أنه لن تظهر تسويات أو مفاوضات سلام قريبة في ظل المواقف شديدة التناقض بين الجانبين. يأتي كل ذلك مع زيادة كييف لطلباتها من الناتو بتزويدها بأسلحة أخرى إضافية أكثر تطوراً، ووفقاً لمقابلة نشرتها صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية، قال غاتيلوف: إنه رغم جهود الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فإنه لن تكون هناك محادثات مباشرة بين الرئيس فلاديمير بوتين ونظيره الأوكراني فلودومير زيلينسكي، مضيفاً أنه لا يرى احتمالاً لحل دبلوماسي للحرب في أوكرانيا.

على صعيد محاكمة الأسرى الأوكرانيين في روسيا، حذّر الرئيس الأوكراني من أن محاكمة أسرى بلاده لدى الروس ستقضي على أية فرصة للتفاوض، وأضاف أن مثل هذه المحاكمة ستشكل الخط الذي لا يمكن بعده أن تكون هناك أية مفاوضات ممكنة بين بلاده وروسيا. واستند الرئيس الأوكراني في ذلك إلى تقارير إعلامية تفيد بأن روسيا تُعد لإخضاع الجنود الأوكرانيين الذين أسرتهم في مدينة ماريوبول لمحاكمة علنية. من جانبه، رأى المستشار الرئاسي الأوكراني بودولياك أن روسيا قد تكثف ضرباتها على المدن الأوكرانية خلال المرحلة القادمة. 

حتى اللحظة، أسفر القتال الدائر بين البلدين عن آلاف القتلى وتسبب في دمار كبير في أوكرانيا عدا عن عشرات آلاف المهجّرين إلى الدول المجاورة. في هذه الأثناء، قلل وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو من فاعلية الأسلحة الغربية المستخدمة في المعارك الجارية في أوكرانيا وقال إن الخبراء الروس في مجال الصناعة العسكرية يدرسون الأسلحة الأجنبية التي حصلت عليها أوكرانيا (وما تزال). وكشف شويغو عن استخدام أوكرانيا صواريخ متطورة حصلت عليها من الناتو. من جهته، قال يوري شفيتكين نائب رئيس لجنة الدفاع في مجلس الدوما الروسي «إن الغرب يجمع الأسلحة بمختلف أنواعها في أوكرانيا»، مضيفاً أن روسيا تملك أسلحة أقوى تحقق نتائج جيدة في الميدان. في الجانب الآخر، تؤكد مصادر عديدة أن أوكرانيا تلقت خلال الشهرين الماضيين أسلحة غربية حديثة جداً وعالية الدقة. يأتي ذلك في وقت تعرض أسطول البحر الأسود الروسي في شبه جزيرة القرم لهجمات متعددة خلال الشهر الأخير.

ميدانيا تستمر المعارك في مقاطعة دونيتسك بإقليم دونباس وفي جبهات أخرى بالجنوب بينها خيرسون وزاباروجيا وميكولايف، ولم تشهد الأيام الماضية تغييراً كبيراً في المواقع، ووفقاً لمسؤول عسكري روسي، فإنه من المحتمل حدوث صدام عسكري بين دول نووية في حال تمادي دول الحلف في تجاهل «الخطوط الحمراء» التي حددتها موسكو، وأن مسار الحلف هو مدمّر من حيث نتائجه البعيدة المدى. يشار إلى أن روسيا أعلنت عن وجود «خطوط حمراء» في نهاية عام 2021، مؤكدّة أن تجاوزها سيؤدي إلى مخاطر كبيرة. وتتمحور هذه الخطوط في هدف رئيسي هو موافقة الحلف على عدم إقامة قواعد عسكرية في أراضي الجمهوريات السوفييتية السابقة وعدم نشر أسلحة الناتو الضاربة بالقرب من حدود روسيا، وانسحاب قوات الحلف في أوروبا الشرقية إلى مواقع عام 1997. 

خلاصة القول، أن الحرب المعنية لن تتوقف سريعاً، وهي تحمل في أحشائها مخاطر عديدة، أبرزها صدام عسكري بين دول الحلف وروسيا، بما يحمله ذلك من مخاطر عديدة ليس على أمن أوروبا فحسب، بل على السلام في العالم قاطبةً.

[email protected]