الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

عندما تخطئ وكالة «رويترز»

24 يوليو 2026 00:04 صباحًا | آخر تحديث: 24 يوليو 00:04 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
يكفي أن تكتب في أسفل الخبر عبارة «نقلاً عن رويترز» حتى تتعامل غرف الأخبار معه بوصفه حقيقة شبه مُكتمِلة. فالوكالة البريطانية العريقة لا تخاطب قارئاً واحداً، بل تضخ أخبارها وصورها وتنبيهاتها العاجلة إلى آلاف الصحف والقنوات والمنصات والمؤسسات الإعلامية في مختلف أنحاء العالم. ولهذا فإن خطأ «رويترز» لا يبقى داخل موقعها الإلكتروني، فهو ينتقل خلال دقائق إلى شاشات التلفزيون، وعناوين المواقع، وحسابات التواصل الاجتماعي، ثم يُترجم إلى عشرات اللغات. وقد يُحذف الخبر الأصلي أو يُصحح، لكن تبقى النسخة المُتَداولة حيّة في الأرشيف وفي ذاكرة الجمهور.
المِثال الأحدث، الخبر الذي طال دبي في 16 يوليو 2026، وفي توقيت إقليمي بالغ الحساسية، كانت فيه أخبار الصواريخ والهجمات والتحذيرات العسكرية قادرة على إثارة الخوف قبل اكتمال جملة الخبر. نشرت «رويترز» تنبيهاً عاجلاً يفيد بأن «شهوداً» قالوا إنهم سمعوا دوي انفجارات في وسط المدينة. لم يقدم الخبر موقعاً محدداً ولم يذكر أهدافاً ولم يعرض صوراً أو أضراراً أو بياناً رسمياً يؤكد وقوع الحادث. كانت العبارة التي طافت وسائل الإعلام العالمية معلومة قائمة على عبارة «شهود قالوا». لكن اسم «رويترز» كان كافياً.
وبسرعة البرق، تناقلت وسائل الإعلام الإقليمية والدولية الخبر. وتحوّل «دوي سمعه شهود» في بعض العناوين والتعليقات إلى «انفجارات في وسط دبي»، ثم ذهب آخرون أبعد من ذلك، فربطوه بالحرب الدائرة والهجمات الإيرانية، رغم عدم وجود دليل مُعْلَن.
في دبي نفسها كان المشهد مختلفاً تماماً. سكان وسط دبي والمناطق المحيطة لم يشاهدوا آثار انفجار، ولم يسمعوا ما ينسجم مع صورة الحدث التي بدأت وسائل الإعلام الخارجية في رسمها. لم تَظهر أعمدة دخان، ولم تُعلن إصابات أو أضرار، ولم يَصدر تحذير أمني يؤكد وقوع هجوم. وسرعان ما أصدر المكتب الإعلامي لحكومة دبي بياناً واضحاً قال فيه: «إن تقرير رويترز المتعلق بوقوع أو سماع انفجارات في وسط دبي غير صحيح». ودعا الجمهور إلى الاعتماد على المصادر الرسمية، وعدم تداول الشائعات أو المعلومات التي لم يتم التحقق منها.
«رويترز» من ناحيتها أضافت بيان المكتب الإعلامي في محاولة لتصحيح الخبر. لكن التصحيح كما يحدث دائماً، لم يطوف العالم بالسرعة نفسها التي انتشر بها الخبر. العناوين كانت قد انتشرت، والمواقع قد نُسِخت، ومنصات التواصل نشطت وبدأت في تفسير الخبر وتحليله، وربطه بسيناريوهات أمنية وعسكرية متعددة. الخبر نفسه لم يكن بريئاً في أثره. قد يقال إن «رويترز» لم تُجزِم بوقوع هجوم، وإنها نسبت المعلومة إلى شهود. لكن هذا التبرير لا يعفي الوكالة من المسؤولية المهنية.
ففي أوقات الحرب، لا يكفي أن يسمع شخص صوتاً مرتفعاً حتى يتحول الصوت إلى برقية عالمية عن «دوي في وسط دبي». كان ينبغي التحقق من الشرطة والدفاع المدني والمكتب الإعلامي، أو على الأقل انتظار ظهور دليل مادي أو أكثر من مصدر مستقل في مواقع مختلفة.
إن كلمة «انفجارات» لا تُستَقبل في مدينة خليجية خلال مواجهة عسكرية بوصفها «صوتاً سمعه شهود». إنها تحمل فوراً معنى الصاروخ أو الطائرة المسيّرة أو الاختراق الأمني. ومع كل دقيقة يتأخر فيها النفي، تتحول المعلومة الناقصة إلى خوف، والخوف إلى شائعة، والشائعة إلى رواية سياسية.
نحن نتحدث عن دبي، وهي مدينة جاذبة عالمياً. خطورة الخبر لا تتعلق فقط بإرباك السكان لعدة ساعات. إن خبراً يتعلق بمدينة مثل دبي لا يقاس فقط بعدد من قرأوه. قد ينعكس على قرارات تؤثر في الاستقرار والأمن. إن خبراً كهذا غير مؤكد ويستمر لعدة دقائق ليس أمراً عابراً. والأسئلة التي يحق لنا أن نسألها: من هم الشهود الذين اعتمدت «رويترز» عليهم في إثارة الخبر؟ وكم عددهم؟ وأين كانوا تحديداً؟ وهل سمعوا الصوت من الموقع نفسه أم من مواقع متفرقة؟ وهل تواصلت الوكالة مع الشرطة أو الدفاع المدني قبل بث التنبيه؟ هذه أسئلة يجب أن تجيب الوكالة عنها.
إن نسبة الخبر إلى «شهود» لا تُشَكِّل حصانة صحفية، والتصحيح بعد انتشار الخبر، لا يمحو العنوان الأول. أي وكالة لا تلتزم بالتحقق المهني والمصداقية المهنية قبل نشر الخبر يجب أن تكون عرضة للمساءلة القانونية، خاصة في ظروف الحرب الحالية وتلاحق الأخبار العاجلة.
*كاتبة وباحثة في الدراسات الإعلامية
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة