السلالم الجامعية بين الازدهار والانهيار

00:38 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. نسيم الخوري

من الصعب جداً تقديم صورة واضحة للأكاديمية العربية، ومدى مواءمتها لاقتصاد السوق، ومن الأصعب الإضاءة على مستقبل التعليم العالي بما يُظهر ملامح المستقبل للكتل الضخمة من الطاقات الشبابية. وحتّى لو كان همّنا البحث عن موقع العرب في الأكاديمية والعلوم الدقيقة، أنبّه إلى أن معظم الدول العربية تتسابق لإنشاء الجامعات الخاصة التي غالباً ما تكون فروعاً لجامعات أجنبية وفقاً لمقتضيات العولمة. في المقابل، أعلن حزيناً، بأن الجامعة الأمريكية الأعرق في بيروت والمحيط مثلاً (تأسّست في 12/1866 /3) كانت المساحة الرائدة التي بذرت النقد الحرّ وأطلقت استقلالية الفكر وصيانة العقل والتفكير بهدف تكوين المعارف وبناء الشخصيات بما يتجاوز الاختصاصات، أعلنت عن انتقالها لتأسيس فروع لها في قبرص بعدما افتقر أهالي الطلاب إلى تأمين الأقساط بالدولار، وبالتزامن أعلنت الجامعة اللبنانية (تأسست 1/1951 /23 بعد حراك شعبي كبير وتضم 100 ألف طالب) الإضراب المفتوح لأن راتب البروفيسور فيها 170 دولاراً لا يكفيه للانتقال بسيارته بين الأحرام الجامعية المشتتة بطول لبنان وعرضه، وفي مبانٍ ومقرات هزيلة.

 وهنا ملاحظة هامة: ما زال التوجه الغربي يحافظ على الجامعات ذات المستويات الأكاديمية المحترمة المحصورة غالباً في الجامعات الحكومية، أو في الخاصة الممولة من جمعيات أهلية، ولا تتوخى الربح. هذا التأرجح بين الاستثمارين المالي الحضاري هو المؤشر الأول لرسم المستقبل الوطني.

 وللتوضيح أروي ما كان يحصل معي في عام، 1972 عندما كنت طالباً للدكتوراه في السوربون- 3 باحثاً عن مظاهر الحداثة العربية:

 كان أستاذي المشرف المستشرق أندريه ميكيل، يستقبلني أسبوعياً في منزله، متابعاً أبحاثي، وموجّهاً قراءاتي بشكل منهجي وقور. وحين أزوره تحضر زوجته، حاملة كوبين من الشاي فقط، فوق طبق من القش المغربي. تقدّم واحداً له والآخر لي، وتنسحب به نحو زاوية الصالون لتتصفّح كتاباً. بقيت غريباً سنوات على هذا المنوال إلى يوم أعلمني فيه أستاذي بموافقته على التوقيع على طباعة الأطروحة المبدئية، لتحويلها إلى لجنة من كبار الأساتذة لوضع ملاحظاتهم المنهجية عليها وضرورة تعديلها قبل حفل المناقشة.

 ولم أنس ذلك اليوم الذي دمغني أكاديمياً، حين رأيت الزوجة تدخل علينا حاملة الصينية إياها وفوقها ثلاثة أكواب من الشاي. قدمت لي أحدها أوّلاً ثمّ، كوباً لزوجها، وجلست بكوبها معنا. لفّني الارتباك والاحمرار والخجل لتغيير عاداتهما في الضيافة، لكنّ أستاذي عاجلني ضاحكاً وقال: «أراك مربكاً.. لا تستغرب.. منذ هذه اللحظة، لم تعد طالباً. صعدت السلم الأكاديمي، وبتّ قاب قوسين من الزمالة، ولك الحقّ بعد في مشاطرتنا شرب الشاي»، وبعد مناقشتي للأطروحة اختارني مساعداً له وكانت الحروب تعصف في لبنان.

 أوردت القصة تدليلاً على أطر التعامل الأكاديمي ومنهجياته ومعاييره المنضبطة التي يخضع لها غالباً طلاّب الجامعات العريقة، في حين أذا ما كشفتُ زوايا الغطاء عن الكثير من منح شهادات الماجستير والدكتوراه الرائجة لأدهشت القراء بالانحدارات الأكاديمية والاستسهال. 

يعتبر الأستاذ المشرف العربي على الأطروحة أنّ العلامة والدرجة تُمنحان له لا للطالب، بينما لا يحق للأساتذة المشرفين في جامعات بريطانيا وكندا مثلاً، الكلام، وحتى حضور جلسة المناقشة. هناك رخاوة أكاديمية لبنانية عربية في منح درجات الممتاز والجيد جداً.. يجب الإقلاع عنها.

 ويكفيني في مجال النقد، الإشارة إلى المناهج المستوردة للجامعة اللبنانية المعروفة بنظام L.M.D (إجازة، ماجستير، دكتوراه) غير الملائمة وفق اتفاقيات ملغومة مع فرنسا وبالتعاون مع «اليونيسكو»:

 بكلمتين: تطبيقاً لهذا النظام، عقد عمداء الكليات اجتماعات مع الأساتذة، وعجزوا عن شرح فلسفة هذا النظام المستورد من فرنسا التي أخذته بدورها عن أمريكا التي توقفت الجامعات فيها عن تطبيقه. البند الأول لهذا النظام توفير مدن جامعية تتقارب كلياتها ليتشارك الأساتذة وطلابهم متنوعي الاختصاصات في تتبّع المحاضرات والأنشطة والمواد المشتركة، بدلاً من أن يكرّر الأساتذة محاضراتهم متنقلين من محافظة لأخرى وقضاء لآخر، ومن فرع لآخر، ومن اختصاص لآخر في فروع لبنانية مشتتة، جغرافياً وطائفياً وأكاديمياً. كان الهدف حصر الأساتذة والطلاب في مدن جامعية مفتوحة للجميع يحصّلون أرصدتهم المطلوبة بلا قيود.

 وجاءت النتيجة: تضخم لوائح التعاقد مع حاملي البكالوريوس والماجستير والمدرّبين للتعليم الجامعي، حيث هبوط المستوى، وخروج كبار الأساتذة الذين بلغوا سن التقاعد. لقد خرّب هذا النظام المستورد المرتجل الجامعة اللبنانية بفروعها الكثيرة المتباعدة فتحولت الأكاديمية إلى أبنية مشتتة، جغرافياً وعلمياً وفكرياً ووظيفياً ومذهبياً، وقد تتجاوزها بالشكل والمضمون المدارس التكميلية التي أنشأتها الصناديق الطائفية في الأقضية اللبنانية، بما يعني القضاء على الحياة الجامعية في لبنان.

[email protected]

عن الكاتب

دكتوراه في العلوم الإنسانية، ودكتوراه في الإعلام السياسي ( جامعة السوربون) .. أستاذ العلوم السياسية والإعلامية في المعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانية ومدير سابق لكلية الإعلام فيها.. له 27 مؤلفاً وعشرات الدراسات والمحاضرات..

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"