من إيران إلى لبنان مسافة جغرافية تُقدَّر بنحو أربعة آلاف كيلومتر من الانتشارات والانتصارات والانتحارات، بدت كلّها أخيراً وكأنها لم تكن مفاجئة أو محيِرة ومُعقّدة وطويلة جدّاً -اليوم- فوق الأرض أو تحتها بالنسبة للبنان الرسمي وللبنانيين في أسرتهم أو للجنوبيين في الخيم والعراء وللإعلاميين والأحزاب وحتى للعرب، إنّها الحقيقة تحمل الواقع الغريب العجيب الدموي المُرعب وقد بدت وستبدو كلّ يوم أكثر فجاجةً لمستقبل السلطات اللبنانية واللبنانيين عبر لبنان والمنتشرين الذين يتابعون جحيماً مقيماً من الحروب الصاروخية الهائلة ذات الصفات الدائرة والمتواترة والشديدة التعقيد والترشيد بين الولايات المتحدة ومعها إسرائيل -أوقُل بين دول العالم-من جهة وإيران من جهة أخرى، لم يكن يُدرك أحدٌ منهم -وكأنهم في لبنان شعوباً وقبائل ومسؤولين- أن «الكنوز الذهبية المتفجّرة» تحت الأرض إذ داهمتهم المفاجآت التي أقلقتهم والعرب والعالم لكأنّها لعبة تمطّت وتتمطّى خلسةً نيراناً صاروخية نائمة متلحّفة طويلاً تحت المباني والمشاعات والأراضي الزراعية والأسّرة لتوليد نسيج لبنان الجديد الجريح القتيل.
مشاهد لا تقبلها عين للتعبير وهذا أشد الاعتراف وأصدقه من الوطن الصغير الذي لا يمكنك تعداد طوائفه ومذاهبه وأحزابه وعلاقاته وفلسفات مسؤوليه وإعلامييه بارتباطاته العربية والدولية التي يصعب تفكيكها تماماً ولو كما تتفكك أبراج المدن والقرى واللبنانيين أمام العيون العالمية في الشاشات والبيت الأبيض في عصر من الذكاء بل البلاهة الاصطناعية.
عذراً.. المقدّمة طويلة جدّاً، لم يتنفّس الحبر لجملة أنهكتني وأنا المُقيم فيها لأنّ الصوت والحبر مخنوقان وخائفان حمّلتهما واقع اللبنانيين وضياعهم وخسائرهم بعدما سكنتهم ومحقت أحلامهم الحروب أجيالاً فأجيال، تعمينا الدهشة في الجنوب المدمّر وحتى في العاصمة بيروت والضواحي لتختلط دماء الكوارث وأشلاء الناس والفقراء بدموع العيون المهاجرة المشتتة بأرجاء الدنيا الحالمة بصيفٍ للأولاد والبنات والأحفاد في زمنٍ دامٍ حزينٍ يطلّ صارخاً متردّداً مقهوراً ومُعتذراً عبر باحات المطارات في العالم: لن نعود.. إنها القيامة.
أمامي الآن ومنذ نشوب هذه «الحروب شبه العالمية» التي نبحث عن هويتها شهيقاً وزفيراً عبر مضيق هرمز الدولي والمضائق الدولية السياسية، مذكرات للشاه محمد رضا بهلوي وهو كتاب بالفرنسية فائق الأهمية عنوانه مترجماً: «جواب على التاريخ»، صادر عام 1979 عن دار «ألبان ميشال في باريس» في 294 صفحة.
الكتاب أبلغ من جدير بالقراءة وأكتفي هنا، بكلمات الشاه الأخيرة: «منذ العام 1976 قالت لي شخصيتان أمريكيتان في عالم الغاز والبترول إنّه في خلال عامين ينتهي الشاه»، المعروف أنّ المتّفق عليه عالمياً، كان أن يأخذ الشاه أسابيع للاستجمام منذ أن تمكّن شاهبور بختيار من إدارة المجلسين إذ تمّ عندها إعلان خروج الشاه ليس من طهران، بل من واشنطن في 11 يناير (كانون الثاني) 1979.
لماذا لبنان؟ لأنّ هذه الرقعة المحبّبة بل المحبوبة من العرب والعالم بل المشتّتة وقُل المتغربة في الدنيا والتي اكتسبت جنسيات العالم ومقيمة للجميع في مراكز القرار فتراها تتجاور أقليات عرقية ومذهبية إذ لكل منها تاريخها الخاص ولغتها وتراثها ما يجعل المساحة المشتركة اليوم أشبه بفسيفساء قابلة للاهتزاز مع كل تحول إقليمي بين بيروت المنفتحة نوافذها أبداً على العرب وعلى الغرب، بثقافتها الفرنكوفونية والأنجلوسكسونية، وحتى على طهران التي أعلنت وتُعلن اليوم قطيعة وتحدّيات هائلة مع النظامين القديم والجديد للعالم مما يتشكّل عبر خط تماس فكري وسياسي وعسكري وصاروخي يعكس صراعاً قد يتجاوز الحدود ويكاد يُطلّ، لا سمح الله، على ملامح حرب كبرى ثالثة.
د. نسيم الخوري
قد لا يقبل رئيس دولة عظمى أو دولة إقليمية، أو حتى رئيس حزب مسلح قويّ بصواريخه، أن يخسر سنّاً من فكّه في هذا القرن. وقد ينسى معاني ارتباطه بالخارج وقد أغرته ملامح «العظمة» في عالمٍ راح يُشرّع الحروب الهائلة التي راحت تشارف العالمية، لكنه لن يتمكن من قبول الشعور بخسارة قوله، أو موقعه الذي غالباً ما يربطه بمستقبل وطنه، وأوطان غيره وشعوبها، لاعباً بنسف السلام في العالم مهما جاءت الأسباب والنتائج في تصويب أو توصيف العظمة الدولية، وصفّها عبر تساوق يتجاوز المألوف والمعروف.
طويلة هذه الجملة الاستهلالية؟ نعم لكنها تُفصح في ما تعنيه عن أنّنا لم نتمكن من الحزن ولا البكاء، أو الحداد الهادئ خلال مرحلة مرّة جدّاً عبر كوارث حرب الصواريخ في لبنان، ومنه وإليه، من القريب والبعيد. يمكنني الجهر بعد وقف تقاذف الصواريخ في لبنان بأنّ حال الشعوب بات لا يعنيها الحبر، ولا تُغريها أرباح «العظمة»، بقدر ما تغريها وسادة في مأوى على أبواب صيف، فيما يتجاوز المواقف والتحولات وأساطيلها في المحيطات. عبر اللبنانيون عتبة اختلطت فيها المعارك المُرعبة، بالمفاوضات السريّة، والتنازلات المبهمة الحاملة معاني الانتصار، قبل أن يتحاور الأحلاف لوقف النار.
بدا مشهد الوصول إلى وقف إطلاق النار في لبنان مزيجاً من دبلوماسيات كبرى صامتة تتحرك بين الخنادق الدولية، إذ ظهر الرئيس نبيه بري مهندساً لتوازن حكيم بين لغة الدولة ولغة المقاومة، وعبر المفاوضات الدبلوماسية التي قادتها الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل، لكونها الواجهة «المفاجئة» الرسمية بين قوسين لمسار أكثر أسراراً وتعقيداً. ليس لرجل رئيس للبرلمان، بل يختزن ذاكرة سياسية وعلاقات دولية مترسخة منذ الحروب الأهلية، وهو صاحب حكمة وازنة داخل البيئة اللبنانية والشيعية، وخارجهما. جعلت هدأته وجهة موثوقة دولية لا لنقل الرسائل، بل لضمان تنفيذها عند النضج.
أدرك حزب الله، حساسية البيئات اللبنانية الملتهبة، إضافة إلى تعقيدات المشهد الإقليمي، ما جعله أكثر قابلية للاستجابة حين وصلت الرسائل عبر قنوات يثق بها. وبري، بحكم موقعه، كان القادر على تقديم هذه الرسائل بصيغة لا تبدو إملاء خارجياً، بل خياراً وطنياً. هنا اكتسب خطاب رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون فرصة جدية واثقة لإعادة معنى الدولة ودورها، حيث إن الاستقرار الحقيقي لا يقوم على توازن الردع فقط، بل على ترسيخ جذري لمؤسسات قوية لاحتضان جميع اللبنانيين، وصون سيادتهم ضمن إطار وطني جامع. التقى خطابه الرئاسي عند وقف النار، مع الدبلوماسية الخفية أمام نقطة جوهرية: الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء الاستقرار. وإذا كان بري قد نجح في إعلانه «إطفاء الحريق» بعد المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في واشنطن، فإن الوعد القاطع الذي أعلنه الرئيس عون هو منع اشتعاله مستقبلاً، وبين الدورين راح اللبنانيون يلملمون بقايا عاصمتهم ووطنهم، لتتكامل الصورة عبر تثبيت السلم ليبقى السؤال مفتوحاً: أيمكن تحويل النجاحات إلى مسارات مستدامة؟
لماذا أخيراً؟ لن أنسى الطاقة بيت القصيد في مناطق البحر الأبيض المتوسط الفائقة الغنى، إذ نذكّر بأن سواحل لبنان ومصر وفلسطين وسوريا تختزن أضخم ثروة غازية تقدر بما يتجاوز 70 ترليون م3، إلى ثروة أخرى نفطية تقدر بما يتجاوز 400 مليار برميل نفط، بينما يختزن العالم كميات من النفط يتوقع أن تنتهي بحلول عام 2050. وإذا كان الغاز الطاقة البديلة، فالمتوفر منه في البحر المتوسط يساوي كميات الغاز المكتشفة تقريباً في روسيا وإيران وقطر، ما يثبت عظمة البحر المتوسط الشرقي الهائلة في عطش الدول للطاقة في هذا العالم البائس. هكذا يمكننا، على المدى القريب، فهم التركيز العلمي والثابت على أهمية مضيق هرمز القصوى من ناحية، وعلى المدى القصير والمتوسط والبعيد، وأهمية السيطرة على دول البحر الأبيض المتوسط من نواح اخرى شديدة الأهمية.
[email protected]
د. نسيم الخوري
«ما كنت أحسبني أحيا إلى زمنٍ» تُصبح الكتابة فيه مشقّة عصيَّة دموية في أرضي اللبنانية وأرضي العربية وأرض العالم المجبولة بالدماء والخرائب وملامح القيامة على نسقي العقل والحضارة، كيف تحرّر أوطانك زمن انهيار العقول عبر إدمان حفر الأنفاق، وفيما لست تداري وتداوي لتعبر فتخاف أن تموت تكسيراً وتمزيقاً بكلّ ما لك وما يعنيك، ما يحصل بك وبلبنانك وبلاد العرب أوطانك يتنهّد أمامي علامات استفهام تتجاوز العقل والحبر.
أينقاد الحبر خلف بحور من حروب تسفّه حضارات القرن والعلم نراها تقيح بالدماء والأشلاء وتهديم المدن والأبراج لتجد نفسك وعائلتك ووطنك وبلاد العرب أوطاني ونصّك في أنفاق الخرائب وقتل الحضارة هذا هو اسمك؟ أنغور في أنفاق لا تملأها أعمدة السحاب وأعمدة حضارة البشرية في الأرض.
أكتب والكلب أمامي ينظر إلى القلم فيراه عصا، والذئب ينظر من قريب إلى يدي التي تحمله، أما الثعلب فأراه ينظر إلى العينين، هي الحكمة التي لا أتحدث بها عن الحيوان، لكونها تفضح طبقات الوعي عند البشر.
هنا يبدأ الذكاء الحقيقي الذي يتجاوز الذكاء المصطنع كي نقرأ أو نتهجّى فيما لم يحدث بعد.
تقول الحكمة القديمة لك بهدوء: ليس كل من فهم الخطر نجا، ولا كل من رأى اليد انتصر، الناجي من فهم العقل الذي قرر رفع العصا، لا تُشاغب العصا إذاً لأنّها عمياء، ولا تُخاصم اليد التي تتبدّل لكن أنظر بثباتٍ إلى العينين. لماذا؟ لأن هناك يولد الضرب، وهناك يُمكن أن يُلغى الشر.
أمس سكنتنا الطفولة البائسة في غزّة التي لم نتمكن من محو ملامحها بعد عندما راح الأطفال يغورون في صناعة الأنفاق يحفرون في الرمل أجيالاً مجبولة بالبؤس التاريخي والمقاومة الطبيعية التي لم تورث سوى ما شهدناه ونشهده من أنفاق نفسيّة تعجز عن إخراجنا منها نظريات عالم النفس فرويد، هي الصورة في لبنان التي ترذل الحبر والحضارة في استراتيجيات بناء الأنفاق، أمام أشلاء الأطفال الصغار الذين تتراوح أعمارهم بين السابعة والخامسة عشرة يمضون ساعات طويلة يحفرون الأنفاق بأيديهم تحت الأرض، لكأنهم تراب ينبش في تراب بحثاً عن مستقبل لا يُقبل، أو كأن هؤلاء قد اقتبسوا غريزتي النمل والنحل في هموم البقاء والتواصل والتبادل والقتال تحت التراب.
وماذا بعد؟
أقفل القرن العشرون الأبواب خلفه، على مئة وسبع حروب في العالم حصلت بعظمها بين مجموعات إثنية ودينية. كان الغريب فيها حضور المسلمين عبر أدوار وصراعات وقتال فيما بينهم ومع غيرهم من البوسنة والشيشان وكوسوفو ومقدونيا وأذربيجان وطاجكستان وكشمير والهند والفلبين وإندونيسيا وفلسطين ولبنان والسودان ونيجيريا وغيرها، واستقبل العالم الألفية الثالثة وكان العالم مشغولاً ب32 نزاعاً مسلّحاً يُظهرنا في 23 منها بأدوار ملحوظة ومشغولة جيّداً.
أننسى ما ولّد ويولّد هذا الحضور في الحروب قلقاً معقّداً عند العرب نفترق فيه عن الشعوب الأخرى عند لصقنا المُعلن أبداً بالإرهاب، بقي السؤال: ما خلفيات هذا العنف كلّه ودوافعه وأشكاله ونتائجه الدينية المصنوعة، وخصوصاً عندما نشهد البشرية تتابعه إذ فقأت عين الدنيا بفظائعها في الإعلام، لكأنّنا شعوب في الأرض في العصر الحجري يستبدلون الحجر بالقذيفة.
يسوقني التفكير، نحو ما يتردّد في التفريق بين الدين والتديّن، انطلاقاً من لجوء الشعوب حيال الأزمات والتحدّيات المستوردة، إلى التديّن العفوي فتختلط مسائل الدين بالدنيا توفيراً للحماية الاجتماعية أعني التجذّر في الطوائف والمذاهب والتعصب. تصبح الأديان ذي النبعٍ الإلهي الواحد خلاصاً للإنسان من أسئلة الفلسفة منذ الهند واليونان إذ صار بالإمكان إيجاد الأجوبة على الأسئلة الكبرى الشديدة التعقيد في الدين والدنيا عندما يعجز العقل في الإجابات فيحيلها إلى الخالق. وتورث المفارقات بين الأديان التوحيدية أسئلة صعبة ترتبط برؤية الناس لهذا الدين أو ذاك، أو بمدى حريّة البشر فيما يرون ويعتقدون. هكذا يبلغ الشطط مداه بين حضارتي السماء والإنسان ليبقى الدين للخالق والتديّن لرجال الدين والفكر والفلاسفة ورؤساء الدول المتدينين.
[email protected]
د. نسيم الخوري
أكتب مسكوناً بأرض الديانات السماوية العظيمة، لكنها الغارقة للأسف بالحروب الصاروخية الهائلة التي تُحقّر العصر والعلوم وتتجاوز حضارات البشرية في هذا القرن نكوصاً نحو ملامح البريّة الأولى في الأيام البشرية الأولى. إنها أرضنا المباركة التي كانت أساساً وستبقى أرض المهد البشري للعقل والإيمان والحكمة، أعني للرسالات التوحيدية الثلاث التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه متمثّلة في المسيحية والإسلام واليهودية.
تشترك الشعوب في الأصل الإلهي كما في التوحيد والإيمان بالكتب السماوية، أعني القرآن والإنجيل والتوراة، مهما تلوّنت واختلفت وبحثت وكتبت، أعني بالإنسانية الحضارية، لا بالحروب الوحشية المستوردة القاتلة للتواريخ والأديان التوحيدية العظيمة التي تحتلّ المقاعد العظيمة في رحاب جامعات العالم. إنها أرضنا جميعاً وهي للمصادفة الإلهية والحضارية الغنية أيضاً، أرض ولادة الأبجدية، أعني خطى الإنسان الأوّل واللسان الأوّل، ومنهما تفجّرت وتتفجر نعمة الشعر والفكر والغنى الجوفي البترولي ميسّر حركة البشرية في الأرض كما في البحار والفضاء عبر ناطحات السحاب التي تُساير الشموس والنجوم بقيت وستبقى كما كانت، المحطّات المُشرقة والأحضان العربية الدافئة لشباب العرب وخبراء الدنيا بحثاً عن العمل والثروة في عصر الذكاء الاصطناعي ومستقبل الإشراق السياسي والحضاري الذي يجعل الأجيال تنتظر حزينةً تتقفّى وعي العالم ونبضاته العلمية المتحفّزة عالمياً لا مرتعاً سهلاً للحروب المستوردة والضحايا والخرائب.
شاءت الصدفة اللعينة هذا الصباح بسبب الحروب الدموية الهائلة و«المستوردة» التي تشغل الدنيا، وعلى الرغم من النظرة المتفائلة بالعقل البشري في القرن الحضاري الذي نسي رقمه، أن أعايد أهلنا في الخليج وكل من يقرأ لغة الضاد في لبنان والعالم أن يُنشد معي حزيناً متفائلاً مع الشاعر أبو الطيّب المتنبي بالصوت العالي:
عيد بأية حالٍ عدت يا عيد بما مضى أم لأمر فيه تجديد
أمّا الأحبة فالبيداء دونهم فليت دونك بيداً دونها بيد.
نحن نعاين جنوبي لبنان وعلى مساحته المباركة كوارث الحرب «الغبيّة» لكأننا في الجحيم المُقيم، وقد شغل العالم، مترقبين يقظة ذات معنى معاصر لمفهوم العظمة الدولية اليوم، سواء في ألسنة الدول الكبرى منفردةً أو مجتمعة في مجلس الأمن والأمم المتحدة، على سبيل المثال، وقد كان جدّي الرئيس فارس الخوري من مؤسسيها ومجادليها.
أكتب في الخليج العربي وعنه، مع يقظتي بأنه شارف العالمية في موقعه وناطحات سحابه شرقاً عربياً غنياً وعظيماً لكنه ملتهب في حبرنا يترقّب دقّة النبض بتلك «الثقة الدولية» التي تتباطأ في خطوها حيال أوروبا أوّلاً وهي القريبة التي عرفناها، وكما أرجّح، نراها تلملم أطرافها السياسية حرصاً على وحدتها بعد هذا الجحيم غير المنتظر.
أبحث عن مفاهيم الثقة الضائعة المتحيرة اليوم بين مناحي الجهات الأربع للشرق والغرب المسكونة بالقلق بل بجنون العصف والقصف. وأكاد أرى لبنان باحثاً عن قشرته الوطنية، أهلوه شاردون في مدى الاتجاهات لرياح تهبّ دوّارة من جهات العالم، وتذري السكان والأجيال في المنافي وعارية في خيمٍ فوق رمال الشواطئ تبحث عن مبيت. ما يحصل يحمل تغيّر ملامح وجه الشرق الأوسط وفشل السياسات الدولية بحثاً عن النتائج السريعة المطّاطة التي قد لا تخطر على بال عاقل.
لماذا عدم الوضوح؟ لأن دولاً كبرى وتنظيمات مسلحة ومطابخ كبرى متعطشة أبداً للنفط تدير الصراع العالمي من الخلف بما ينذر بأن تتجول المعارك من جبهة لأخرى ولبناننا في الميدان الأول الذي ستبرز ملامحه الصعبة والمعقدة في المستقبل القريب. هناك مشاريع ربّما جدّية لإعادة النظر بالأمم المتحدة ودورها ومجلس الأمن والقوانين الدولية، لكننا نرصد معاً الإشارات التي تحيي المفهوم الحديث للنظام العالمي، بما سينبش معاهدات السلام الدولية ومفهوم الدولة الحديثة المستقلة ذات السيادة على أرض الوطن، وغياب أي دور خارجي في شؤون البلاد الداخلية. قد نصادفه في اللسان الأمريكي الرسمي الذي يعيدنا عبر توصيف نهضة العرب 365 سنة إلى الوراء. باشره كيسنجر مستنداً إلى معاهدة وستفاليا الاسم الذي أطلق على معاهدتي السلام اللتين تم التوقيع عليهما في 15 مايو/أيار و24 أكتوبر/تشرين الأول 1648 بالفرنسية لوقف حرب الأعوام الثلاثين في الإمبراطورية الرومانية المقدسة (ألمانيا اليوم)، وحرب الأعوام الثمانين بين إسبانيا وجمهورية الأراضي السبع الواطئة المتحدة.
[email protected]
نسيم الخوري
يبدو لبنان محاصراً بسؤالين: الأوّل وهو: ماذا سيحصل غداً؟ أمّا الثاني فقديم/متجدد: أنحن في خطى ب «الشرق الأوسط الجديد»الخاصة؟
لا يمكنك ربّما سوى التذكير وبالحبر الصريح بالحجر الأول الذي حصل مع إسقاط بغداد؟ ولنقل ببساطة أنّ ضياعاً داهماً ومفاجئاً يشغل أركان الدول بحثاً يتجدّد للإجابة عن السؤال الذي بات يشغلنا جميعاً في الشرق والغرب: ماذا عبر الجحيم المستيقظ بل إلى أيَ ملامح مستقبل تؤشّر الأصابع الرسمية التي تبدو وكأنها لم تُدرك مع أنها تتصور أنّ الأغطية الجديدة لم تكشف عنها بعد. سؤال: أنشهد نضج ملامح ما يترسّخ في الأذهان ب «الشرق الأوسط الجديد» عبر المخاطر والتحدّيات الضخمة العسكرية التي انتصبت أمامنا عالياً تغطّيها مظلات لا تُعد ولا تُحصى سياسية وإعلامية واسعة من الخطب والخطب المضادة وارتجاليات الشاشات وسحب الوثائق والنصوص وتجدّد التهامس بالتسميات والمسودات والوثائق والمشاريع؟
لنتذكرّ معاً: من «الشرق الأوسط» أو إلى «الشرق الأوسط الكبير» أو «الأكبر الواسع» أو «الموسّع» مروراً ب«الشرق الأدنى» أو «المتوسطية الأوروبية» تتغير الصياغات السياسية والجغرافيات وتتباين الرؤى لمنطقة ربّما نضجت لتلقف الخرائط والمبادرات، لتضمّ الدول العربية وتركيا وإيران وإسرائيل ودولاً في آسيا الوسطى تتوسع حتى باكستان وأفغانستان إلى دول القرن الإفريقي، بما يلمّح مجدّداً بمشروع الشرق الأوسط، الخريطة الباقية مسودة مبهمة تعسر قراءة ملامحها مع أن حبرها لم يبهت لكأنها غير محدودةٍ بزمان أو مكان.
كان يغطي الشرق الأوسط، 8 ملايين كم2، من مصر حتى أفغانستان شرقاً، يتوزع فوقها 16 بلداً تبدو فيه المساحة الضخمة موئلاً «لموزاييك» متنوع الأنظمة والمذاهب والعقول، تتراكم عبره أزمنةً معقدة من الاحتجاج والرفض والتعصب أثقلتها طويلاً التقسيمات والتجزئة. لا أُغالي بالنظر إلى هذه الرقعة الجغرافية الغنية الواسعة بوصفها سهلة التفكيك وإعادة التركيب عبر تواريخ وحروب واستراتيجيات إعادة التركيب التي حفظها التاريخ لحاقاً ب «كبار الأمم».
هذه البقع المميزة على تنوعها استحال وقد يستحيل خلطها أو محوها ما أثقل الشرق الأوسط بنكبات التاريخ منذ القرن 7 ق.م. قبل أن تتقدم مهداً للديانات التوحيدية الثلاث، إذ قامت في أرجائها الإمبراطوريات الأولى لحضارات ما بين النهرين بين القرنين 4 و2 ق.م وصيغت حضارات السومريين والساميين والحيثيين والحوريين ناهيك بثقافة النيل بعد توحد مصر الفرعونية منذ الألف 3 ق.م وصولاً إلى الإمبراطورية الآشورية فاعلةُ بمعالمها الحضارية خلال الألف الأول ق.م. وترسّخ النيل والفرات رمزين منهما تنبع ملامح تلاقح الثقافات والحضارات لتنهل شعوب فوق سطح الكرة المعارف والثقافات والأسرار التي يصعب استنفاذها.
أكتفي بالتذكير إلى أن دولاً معاصرة ثلاثة كانت بارزة في ميادين سلامة النفط وتصديره ولها أدوار كبيرة هي السعودية ومصر وتركيا، مصر للمراقبة عند السويس وحماية ناقلات النفط، وتركيا محطة الترانزيت للنفط العراقي، بينما السعودية صاحبة الدور الأكبر لتأمين الضخ والإشراف على مبيعات النفط من دول مجلس التعاون الخليجي. نعرف جميعاً أنّ الحماية باتت أمريكية وكانت تعمل في أطرها إيران النيو/ نووية لا النووية إلى مصاف الدول الأخرى عقب سقوط بغداد.
نعم. حصل معطى قوي مع الحرب العراقية الايرانية (1980 – 1988) مع تفجر الاحتقان على ضفاف الخليج بين شعبين تأسسا عبر التاريخ على الصراع، وخصوصاً مع الثورة في إيران (1979) إذ إنّ الفرات (204 كم) يرسم الحدود بينهما بامتداد 105 كم وهو ممر تاريخي يفصل بين الامبراطوريتين الفارسية والعثمانية أو بين عالمين عربي وآري لطالما جعلته حاجة البترول مجرى مائيّاً تُعقد فوق مياهه المبادلات الدولية في الطاقة كما في العلاقات والحياة. نذكّر أخيراً، بخروج العراق وإيران منهكتين في ال 1988 وبرعاية الأمم المتحدة حتى عاصفة الصحراء التي أسقطت اسطورة العراق لتبدو رقعة الشطرنج الشرق أوسطية لعبة خطرة بدت تُنذر بمتغيرات قد تهدد البشرية بانتظار الخرائط الجديدة.
[email protected]
د. نسيم الخوري
تبدّت هذه المسألة الشديدة التعقيد التي تخلط بين الثقافات والحضارات في عصر رقمي مشرّع بل مخلّع النوافذ والأبواب والحدود من المسائل المعقّدة التي شغلتنا سنوات من المناقشات الطويلة. تجد نفسك في عصر تنبسط أمامك أطباق البشرية بكلّ ما تحمله أسئلة الأجيال الرقمية من حولك وأحلامها المُقيمة في الشاشات لمناقشة الثقافات، بحثاً في الهويات البشرية حيث الأفكار الرخوة الهائمة والبالغة التعقيد تتدفق حتى التهور في توصيف المستقبل ومخاطره.
لسنا ندّعي حلولاً منطقيّة لهذه المسائل، لكنّنا وقّعنا على وجهها المظلم في ضوء العصر الجديد الذي نكابد أقصى الصعوبات فيه للتمييز الجديد بين الثقافة والحضارة في عصر العولمة الفضائية التي لا كوابح لها بعد.
كانت الحضارة على ارتباط وثيق بشيوع المدنية إثر نشوء الدول وتفاعل ثقافاتها. نجد أنفسنا منصاعين للاعتراف بالاختلاط المعقّد بين الحضارة والثقافة، بعدما راحت نرفع الأغطية السميكة عن الشعوب والأوطان بفضل تقنيات التواصل الفضائية اليسيرة. إنّنا في عصر من التحديات الثقافية الزئبقية المتدفقة عبر الشاشات المتنوّعة التي تعرّي الحضارات وتنسف العلاقات حتى العائلية من أطرها التقليدية بحثاً عن مسارات جديدة جاذبة للأجيال. نعم تخرج الأجيال عاريةً لتلقّحها الرياح العالمية مهما حاولنا التشبّث بخصوصياتنا. إنّ تشبّث شعب بثقافته وتاريخه أو عظمته ومحاولة التأكيد الفولاذي على هويته وثقافته الخاصة هو استراتيجية لا تستدعي سوى المخاطر التي تقود غالباً نحو الانتحار أو الاندثار.
تبدو شعوب العالم محكومة متزاحمة قطعاً بمقتضيات العولمة، للمزيد من الانفتاح والتحديث والتجديد والمعاصرة وفتح النوافذ والأذهان لثقافاتها جنباً إلى جنب مع ثقافات العالم الأخرى والاختلاط بها، وإلا فإنّها ستبقى مهدّدة بفقدان حضورها للتأثير والتغيير، سواء في حيّزها الضيّق أو عبر هبوب رياح الثقافات العالمية.
وهذا ما يورث التراجع والصراعات المُتحجّرة والانحطاط بدلاً من سلوك الطريق الأسهل للانخراط بالحضارات العالمية. ليس هناك من شعوب لا تتطلّع إلى العالمية في هذا العصر، مع أنّ الوصول إليها قد يختلف من دولةٍ إلى أخرى وفق تمتّع أنظمتها بشهوة الانفتاح التي ترفعها من الصراعات الضيقة، محلية كانت أو إقليمية، توخيّاً للانخراط في إنتاج الحضارات واستهلاكها حتى تتميّز بعالميتها.
لا يقودنا الخلط قطعاً بين الحضارة والثقافة إلى الإقرار بالمساواة بين المصطلحين، لأنّ الحضارة ليست مستوعباً جاهزاً للأفكار والعادات والقيم المتنوعة الهائلة التي تختزنها أو يتبادلها أبناء الثقافات في الشاشات. هناك إشكالية أكبر تدفعنا لإعادة النظر بمضامين الكثير من المصطلحات والاستراتيجيات والسياسات وآثارها، خصوصاً في بيوتنا ومدارسنا والجامعات والأجيال التي تسبق الجدود. لا أجازف بالإشارة إلى أنّ الثقافات تتقدّم وتنتشر عبر رياح العالم الفضائي الافتراضي مقابل تراجع الحضارات والأفكار التقليدية وأفول أثقالها القديمة. باتت المظاهر الثقافية حامية بل حاملة لبقايا الحضارات بدلاً من أن يكون الأمر، كما عهدنا عبر التاريخ، عكس ذلك حيث تحمل الحضارات الثقافات بأبعادها المتجدّدة بهدف تأمين ديمومتها وحضورها من دون خسارة مصالحها وتقدمها في العالم.
نلحظ، تدليلاً على ذلك، في العقدين الأخيرين نوعاً من النقد اليومي العام والقاسي لكلّ ما يعرف أو له علاقة بالمجتمع الدولي أو الأسرة الدولية أو الحضارة الدولية. هناك دعوات يومية في بقاع الأرض، لإصلاح الكوارث في دور المؤسسات الدولية والأمم المتّحدة ومجلس الأمن، لكأننا على أبواب عالم تميل فيه كبريات الدول في أوروبا اليوم إلى معاينة أسس حضاراتها أو الحضارة بشكلٍ عام فتتراجع تباعاً نحو القوميات الضيّقة ومعضلاتها القديمة، خلافاً لعصر الفضاء الذي تجد مفاتيحه بين أصابع الأجيال الرقمية.
قد يوحي المستقبل المسكون أمامنا بالتغيير والكشف عن عالم بحاجة دائمة إلى الكشف، إلى أنّ الثقافات مهما كانت معاييرها ومرتكزاتها فهي تتدفق، وليس هناك من وقت أو توقّف أو جدل عقيم وبحث طويل عن مصطلحات أو أزمنة قديمة وأفكار جامدة لدى مقاربة تسابق الحضارات بوصفها حاجة إنسانية ودولية خاصة، بل بكونها ظاهرة عالمية تلاصق الطبيعة البشرية تبدو مسكونة بالكشف عن عالم بحاجة دائمة إلى الكشف.
[email protected]