أوروبا المحبطة

00:13 صباحا
قراءة دقيقتين

يونس السيد

مع كل يوم يقترب قبل حلول فصل الشتاء، يزداد الضغط على القارة العجوز لتلافي الوقوع تحت رحمة سيف الغاز الروسي المسلط على رؤوس الأوروبيين، وتجنب كارثة منتظرة، حيث بدأ سلاح روسيا الفتاك يشتغل بقوة في الفضاء الأوروبي، بينما تتضاءل إمكانية إيجاد بدائل كافية أو حلول جدية بعيداً عن العودة للتفاهم مع موسكو .

ففي خضم الحرب الدائرة في أوكرانيا، وجدت أوروبا، الساعية لتوحيد مواقفها إزاء العملية العسكرية، نفسها في حالة من التخبط وفقدان التوازن، فهي معنية بالأمن الأوروبي، كما أنها معنية بالحفاظ على استقرار مجتمعاتها وأمنها الغذائي وحمايتها من الغلاء وارتفاع الأسعار. هذه الحالة المزدوجة ولدت الكثير من التناقضات في المواقف الأوروبية، وبدلاً من وحدة الموقف الأوروبي ظهر الانقسام واضحاً في ما بينها، بما في ذلك الدول الرئيسية التي تشكل العمود الفقري للاتحاد الأوروبي. مشكلة أوروبا أنها تريد الشيء ونقيضه في آن، تريد التخلي عن الغاز الروسي ولا تريد وقفه من جانب روسيا، وتريد فرض عقوبات على روسيا ولا تريد أن تتأثر اقتصاداتها ومجتمعاتها بهذه العقوبات، ومن أجل ذلك، لجأت إلى البحث عن حلول ووضع الخطط لتعويض نقص أو وقف الإمدادات الروسية نهائياً في حال قررت موسكو.

 لكن حتى هذه الخطط لم تقدم حلولاً عملية لدول الاتحاد، خصوصاً لجهة ارتفاع أسعار التكلفة، كما في ألمانيا التي ارتفعت قيمة وارداتها من الغاز إلى 160 في المئة في 5 أشهر، ومن جهة أخرى فإن خفض الاستهلاك الطوعي 15 في المئة، من ضمن خطة التخلي عن الغاز الروسي، بدءاً من أغسطس/ آب الحالي وحتى مارس/ آذار المقبل، لم تكن سوى ورقة ضغط سياسية فاشلة، حيث ترفض دول مثل بولندا والبرتغال تقاسم ما لديها من غاز مع بقية دول الاتحاد. وبالمقابل كان هذا السلاح الروسي الفتاك يستخدم في أوروبا بفاعلية ومهارة عاليتين، فموسكو هي من يتحكم بإمدادات الطاقة، وبالتالي فإن خفض إمدادات الغاز بأكثر من 50 في المئة يدخل في باب الرد على العقوبات، التي يرى الكثيرون أنها لم تعد مجدية. لكن المشكلة لا تتوقف هنا أو عند المخاوف من ضربة روسية قاصمة مع حلول فصل الشتاء، وإنما تتعدى ذلك إلى توقف الصناعات وتدهور عجلة الإنتاج في اقتصادات لم تتعاف بعد من الركود، وإلى انعكاس ذلك على المجتمعات الأوروبية، التي ستدفع ثمن كل هذه السياسات. وبحسب المؤشرات المتوافرة، ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا التي تحوم حول 197 يورو لكل ميغاواط/ ساعة بنسبة 5.9 في المئة. ويشير بعض الخبراء إلى أن الأسعار سجلت ارتفاعاً يتجاوز 10 أضعاف المتوسط خلال الفترة بين عامي 2010 و2020، فوصلت إلى 215 يورو لكل ميغاواط/ ساعة في الأيام الأولى من العملية العسكرية الروسية في فبراير الماضي. هناك إحباط في أوروبا، وهناك أصوات بدأت ترتفع للمطالبة برفع العقوبات عن روسيا، لأنها ليس فقط لم تتمكن من إرضاخ الاقتصاد الروسي، وانما لأن من بات يدفع ثمنها هم الأوروبيون أنفسهم .

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"