عادي

عبدالله صقر.. رائد القصة القصيرة

23:33 مساء
قراءة 4 دقائق
10

يوسف أبولوز

في هذه الزاوية، نحتفي بمجموعة من أبرز مبدعينا الذين قدموا لمسات أدبية جمالية وإمتاعية، أثرت الوجدان، وارتقت بذائقة القراء، منحونا زاداً عبّر عن إنجازات الوطن وتحولات المجتمع وهموم البشر، كانوا ذاكرتنا التي تؤرخ للمكان ومدونتنا التي عبرت بصدق وإخلاص عن آمالنا وأحلامنا، هم قناديلنا التي نسترشد بها في دروب الحياة.

لا أدري إن كنت موفقاً في استعادة شخصية الكاتب الأرغواني إدواردو غاليانو وأنا أكتب عن عبدالله صقر أوّل كاتب إماراتي يصدر مجموعة قصصية في أوائل سبعينات القرن العشرين، والمقارنة أو المقاربة بين غاليانو صاحب كتاب «كرة القدم في الشمس والظل» وبين عبدالله صقر لا تتصل بالأولوية في الكتابة أو السبق القصصي لكل منهما في بلده، بل، القاسم الذي يمكن أن يكون مشتركاً بين غاليانو وصقر هو كرة القدم مع الاختلاف الجذري في طبيعة هذه القِسْمة بين الاثنين.

يعترف صاحب كتاب كرة القدم إدواردو غاليانو في بداية كتابه قائلاً: «لقد رغبت مثل جميع الارغوانيين في أن أصبح لاعب كرة قدم، وقد كنت ألعب جيداً، كنت رائعاً، ولكن في الليل فقط. في أثناء نومي، أما في النهار فأنا أسوأ قدم متخشبة شهدتها ملاعب الأحياء في بلادي».

عبدالله صقر على العكس تماماً من إدواردو غاليانو، إنه يلعب في النهار وهو بكامل لياقته وصحوه، أما في الليل، فله لعبة أخرى هي الكتابة: القصة القصيرة، والشعر.

قيادة

كان عبدالله صقر «مواليد 1952» يلعب في طفولته وفي صباه في أحياء «فرجان» دبي، ولم يكن يعرف أن هذا اللعب الطفولي الصبياني سيكون جدّياً وسوف تترتب عليه مسؤولية ثقيلة، فقد كبر الفتى مع كرة القدم التي ظلت تتدحرج إلى أن اختارته مدرّباً لمنتخب كرة القدم الإماراتي في ثمانينات القرن العشرين، وسيقود المنتخب إلى نجاحات يعرفها - الوسط الرياضي الإماراتي والخليجي كما يعرفها - الوسط الثقافي الأدبي أيضاً.

طبيعة عبدالله صقر طبيعة رياضية، روح رياضية هادئة، وثقة بالنفس، وقوّة داخلية تعكس نفسية - طيّبة عند رجل أخذته كرة القدم أو أخذته الرياضة إلى جواذبها التي لا تقاوم، فعاش في ثلاثة ملاعب: ملعب الحياة.. وملعب الكرة، وملعب الكتابة.

كان يمكن للاعب آخر غير عبدالله صقر أن يستسلم تماماً لإغراءات و«امتيازات» هذه اللعبة الجماهيرية التي تجلب الشهرة والمال لكل من تواتيه رياحها وعواصفها المتقلّبة، ولكن عبدالله صقر ظل مسكوناً بالكتابة، وصحيح أن الرياضة سرقت الكثير من وقت - وجهد الكاتب والرياضي، غير أن الكتابة أيضاً لم تسرق من قلب ووجدان كاتب يجري دم الشعر في عروقه إلى الآن.

روح

أصدر عبدالله صقر مجموعته القصصية الأولى «الخشبة» قبل حوالي نصف قرن في سبعينات الكتابة الأدبية «الفطرية» الأولى في منطقة كانت تتشكل ثقافياً وأدبياً ببطء، وسوف يكون الموضوع الإنساني، المكاني، والنفسي والجمالي أيضاً هو موضوع مجموعة «الخشبة» التي أعيد طباعتها للمرة الثانية في العام 1999 «دار الفارابي - بيروت» وسنقرأ شذرات صغيرة اختارها عبدالله في مقدمة مجموعته السبعينية تلك تكشف عن قراءاته وعن ثقافته - المبكرة والواعية لروح الكتابة الفكرية والفلسفية حين يختار مثلاً مقولة الفرنسي رينيه شار «.. إن مَنْ يأتي إلى الدنيا من دون أن يترك فيها أثراً لا هو بمن يطاق، ولا بمن يستحق أن يُلْتَفت إليه..»، وعلى أية حال، فإن أية صورة قلمية موضوعها عبدالله صقر هي في الوقت نفسه صورة نقدية أو صورة قرائية لمجموعته «الخشبة» التي - يُراد لها - اليوم وبالضرورة التاريخية قراءة نقدية وتعريفية جديدة.. تعَبّر عن روح الوقت أو روح المرحلة التي كتبت خلالها أو بعدها هذه المجموعة.

يقول صقر في المقدمة: «تزامنت «الخشبة» مع مرحلة التغيير في معالم القصة العربية والخليجية لمواكبة عالمية القصّ والأخذ بجوهرية أساليب الكتابة القصصية للوصول بالقارئ إلى شكل ومضمون هادفين».

صدرت «الخشبة» في نوفمبر 1975 ويقول المؤلف بكل شجاعة أدبية.. «كنت أودّ تقديم مجموعة من القصص القصيرة كفرضية تسبق عصرها، وحسبي، كانت كذلك، ولكن تلك الفرضية قد مورس بحقها الحجاب، فلم تصل لمستحقيها ولم يقرأها من كان يتوجب أن يفعل ذلك بالرغم من أن «.. لحظة التفاوت الزمني حينما تكون الأشياء المعتادة أسطورة..».

طبيعة هادئة

كتب عبدالله صقر قصيدة النثر في سبعينات القرن العشرين إلى جانب القصة القصيرة ولم يزعم الرجل أسبقية أو ريادية أو أولوية من الناحية التاريخية حين يتحدث بعض الكتاب الإماراتيين عن ريادة أو أسبقية قصيدة النثر في الدولة أو في المنطقة عموماً. طبيعة عبدالله صقر طبيعة هادئة نائية عن الاستعراض والدعاية، ولعلّه على الرغم من أهميته الأدبية والتاريخية في سردية الثقافة الإماراتية، إلّا أنه من أكثر الكتّاب الإماراتيين نأياً بنفسه عن الإعلام والندوات والتجمّعات أو المجاميع البشرية اليومية في خرائط «الكتابة» أو ما يشبهها من خرائط، ولعلّ هذه الخصيصة عند عبدالله صقر مكتسبة من التربية الثقافية والرّوحية التي يؤكدها العمل الرياضي في روح - من يشغف به، كما يشغف بروح الكتابة.

رهان

هكذا توقف عبدالله صقر سنوات طويلة عن الظهور المادي والمعنوي إن جاز التعبير في الساحة الثقافية الإماراتية. لم ينشر طوال سنوات مرّت، مبتعداً بنفسه عن صفة كاتب، لكن هذه الصفة هي طبع وهي رهان، فالكتابة لا تخون صاحبها، ففي أغسطس 2021 أو قبل ذلك بوقت قصير فوجئت الساحة الثقافية الإماراتية بعودة عبدالله صقر إلى الكتابة.. عاد صاحب «الخشبة» بِ «قطع مظلمة من الليل» مجموعة شعرية - تؤكد هذه المرة أنه لاعب محترف في الليل وفي النهار وليس صاحب قدم خشبية مثل صاحبنا «إدواردو غاليانو».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"