وطن تتلاعب به المصالح

00:14 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمود حسونة

«نريد وطن»، شعار رفعه الغاضبون العراقيون خلال تظاهراتهم في أكتوبر/ تشرين الأول 2019، بعد أن أدركوا أن الوطن ينهار، ويكاد أن يضيع بعد الاحتلال الأمريكي في 2003 الذي كان حريصاً على أن تكون أول إنجازاته هدم الدولة بحل الجيش والأجهزة الأمنية، ليصبح من السهل استباحة العراق، والنيل من استقراره، وتنشيطه طائفياًن وتجميده سياسياً، وهو ما تحقق، وعجز العراقيون عن علاجه حتى اليوم.

 الأزمات تستفحل، والانقسام لم يعد بين الطوائف، بل بين أبناء الطائفة الواحدة، وآمن كثير من القيادات بأن الولاء للخارج، (للجيران أو ما بعد بعد الجيران)، هو الضمان لبقائهم مؤثرين ومتسلطين ومستفيدين وناهبين، في حين أعلن قليلهم أن الولاء لا ينبغي أن يكون لغير الوطن، وأن استعادة العراق المستقر القوي المؤثر لن يتحقق سوى بالتصدي للفاسدين وإبعادهم عن مواقع السلطة والقرار، الأمر الذي يستلزم تحقيقه حروباً وصراعات، وسيخلق أزمات تلو أزمات. 

ما طالب به المتظاهرون في 2019 لم يتحقق، والوطن مازال ضائعاً تائهاً بين الكتل السياسية التي اتخذت الفساد نهجاً، والكرسي غاية، والولاء للخارج وسيلة، متجاهلة هموم الناس ومشاكلهم. صحيح أن الحكومة الحالية من ثمار حراك أكتوبر، وصحيح أن الانتخابات المبكرة التي طالب المتظاهرون بها أُنجزت في أكتوبر الماضي، ولكنها جاءت كما العدم، غيّرت في خريطة الكتل داخل البرلمان، ولكن من دون جدوى. 

الخاسر شكك في نتائج الانتخابات وحاول بكل السبل أن يقلب المعادلة ليكون له الكرسي والحكم والقرار، وعندما أدرك أن الأمر صعب قرر التعطيل، ليصبح البرلمان كأنه لم يكن، والعجز السياسي سيد الموقف. وعجز البرلمان عن انتخاب رئيس جمهورية، وعن التوافق على من يتم تكليفه بتشكيل الحكومة، وبدلاً من أن يتفق شركاء الوطن على انتشاله من الحفرة التي ألقاه فيها المحتل، تصارعوا وتنابذوا وتلاسنوا على مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى الشاشات، كأنهم لا يتوافقون سوى على فصل أجهزة الإنعاش التي تحافظ على الوطن حياً، ليتحول إلى جثة هامدة. 

 التيار الصدري الذي حاز الأغلبية في انتخابات 2021 انسحب من البرلمان، وهو ما اعتبره تحالف الإطار التنسيقي فرصته لتشكيل الحكومة وإدارة الوطن بأسلوب إدارة خاصة يتحكم فيها بالريموت كونترول الداعمون من الخارج، وللعراقيين في تجربة رئاسة نوري المالكي للحكومة البرهان والدليل، ولكن التيار وقف لهم بالمرصاد، ليؤكد أن انسحابه من البرلمان لم يكن سوى مناورة تتبعها مناورات. 

 مطالبة بانتخابات مبكرة بعد انتخابات مبكرة لم تغير في المشهد شيئاً، وإذا كانت انتخابات 2021 كما العدم، فما الذي يمنع أن تكون نتائج أي انتخابات مقبلة كما العدم، ليظل العراق تائهاً، أو كما اللعبة التي يتبادل اللاعبون شدّها وجذبها لتزداد تمزقاً وانهياراً، وليزداد شعبها معاناة وأنيناً، من دون أن يسمعه لا اللاعبون، ولا مدربوهم في الخارج؟ 

الأزمة التي يشهدها العراق حالياً غير مسبوقة، ولا تلوح في الأفق أي بوادر حل لها، بل إن أطرافها في طريق التصعيد ماضون، فالتيار الصدري لا يبدو أنه على استعداد للتراجع عن مطالبه بانتخابات مبكرة، بل وتغيير النظام السياسي واقتلاع «رموز الفساد»، حسب أوصاف قادته، وبعد الاعتصام داخل مبنى البرلمان في المنطقة الخضراء وخارجها وسط بغداد، يهدد الصدريون بالعصيان المدني، وهم على استعداد للوصول إلى أقصى مدى بعد رفعهم دعوى أمام المحكمة العليا ضد رؤساء الجمهورية والوزراء والنواب، بعد تجاوز المهل الدستورية في انتخاب رئيس وتشكيل حكومة، ولا يبدو أنهم سيتنازلون عن مطلبهم بحل البرلمان وإجراء انتخابات برلمانية مبكرة، مهما كلف الأمر؛ وفي المقابل لا ينشغل «التنسيقيون» إلا بالفوز بتشكيل حكومة حتى لو كان بعقد جلسة برلمانية خارج بغداد، ما يعتبره الخبراء غير محمود العواقب. 

الطرف الثالث في المعادلة، التغييريون الذين قادوا الحراك الاحتجاجي في أكتوبر 2019 والتزموا الصمت وبدأوا، الأسبوع الماضي، التحرك بمؤتمر انتهى إلى قرارات تتلاقى مع المطالب الصدرية في ضرورة تغيير النظام السياسي إلى نظام رئاسي، أو شبه رئاسي، ورغم ذلك انقسموا بشأن المطالب الصدرية لهم بالانضمام إلى الاحتجاجات المستمرة منذ أربعة أسابيع. 

العراق اليوم على فوهة بركان، وليس مستبعداً المواجهة بين «الصدريين» و«التنسيقيين» في الشارع، ولا حل للأزمة سوى بتدخل المرجعيات والحكماء لمصلحة عراق يخرج من دائرة التيه، ويستعيد ذاته، ويستعيده أبناؤه التواقون إلى عراق قوي مؤثر مستقل، لا عراق يلعب على رقعته الجغرافية القريب والبعيد الشطرنج السياسي، بما يضمن لهما استمرار سيطرتهم عليه، وإبقائه أرضاً لتصفية الحسابات.

[email protected]

https://tinyurl.com/59c39yvp

عن الكاتب

كاتب صحفي، بدأ مسيرته المهنية عام 1983 في صحيفة الأهرام المصرية، وساهم انطلاقة إصداراتها. استطاع أن يترك بصمته في الصحافة الإماراتية حيث عمل في جريدة الاتحاد، ومن ثم في جريدة الخليج عام 2002، وفي 2014 تم تعيينه مديراً لتحرير. ليقرر العودة إلى بيته الأول " الأهرام" عام 2019

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"