القيصر السوفييتي الأخير

00:21 صباحا
قراءة 3 دقائق

عبدالله السناوي

شاءت أقدار القيصر السوفييتي الأخير ميخائيل غورباتشوف أن يمتد عمره لثلاثة عقود كاملة بعد مغادرة الكرملين ليشهد بعينيه تبعات ونتائج إرثه في الحكم.

في الغرب ترددت كلمات رثاء حارّة أطلقها مجايلوه من الرؤساء والقادة نسبت إليه أنه الرجل الذي هدم «الستار الحديدي»، وأنهى «الحرب الباردة»، وأطلق سراح الشعب الروسي من أغلال «الشيوعية» مستحقاً «جائزة نوبل للسلام».

في روسيا اختلفت النظرة إلى حد بعيد رغم بعض مظاهر التكريم عند دفنه، فهو الرجل الذي فكك الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية كلها وحلّ حلف وارسو ذراعها العسكرية، وأفسح المجال واسعاً أمام الولايات المتحدة للهيمنة بمفردها على النظام الدولي مستحقاً الطرد من التاريخ!

بين النظرتين المتناقضتين تتبدى أهمية المراجعة لإرث الرجل في التاريخ، دواعيه وتداعياته. هو من جيل تشكل وعيه التاريخي بحدثين مزلزلين:

الأول: الحرب العالمية الأولى (1914- 1918)، وقد أفضت نتائجها إلى بناء نظام دولي جديد سرعان ما تقوض وانهار مع أول طلقة رصاص في الحرب العالمية الثانية (1939).

الثاني: الثورة السوفييتية (1917)، التي كان فلاديمير لينين قائدها ورمزها ومفكرها، وقد أسست أول دولة اشتراكية في التاريخ.

عندما ولد عام 1931 كان جوزيف ستالين قد أحكم قبضته الحديدية على السلطة خلفاً للينين، وفرض قراءته الخاصة للماركسية اللينينية بعنف مفرط وقمع أيّ صوت مخالف داخل الحزب الشيوعي السوفييتي نفسه.

ينسب لستالين أنه قاد الاتحاد السوفييتي إلى النصر في الحرب العالمية الثانية، وأسس لنهضة صناعية وتكنولوجية نقلت البلد إلى العصر الحديث، غير أن أساليبه في الحكم أشاعت الخوف والرعب في أنحاء الإمبراطورية.

لم تكن مصادفة أن ينقلب خلفه نيكيتا خروتشوف على إرثه في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي. حاول أن يضفي قدراً من الانفتاح والسماحة على نظام حديدي مغلق بين عامي (1953- 1964). انتهت تجربته بإطاحته وفرض العزلة عليه. ودخل الاتحاد السوفييتي في جمود طويل على عهد ليونيد بريجينف، الذي امتد حتى 1982.

مراجعة التاريخ ضرورية حتى ندرك تعقيدات السلطة قبل صعود غورباتشوف إليها.

فيما بعد الجمود البريجينفي تبدت فرصة حقيقية لإصلاح النظام من الداخل على يد السكرتير العام الجديد يوري اندروبوف، احتضن غورباتشوف ودفعه للأمام أملاً في تجديد الدماء، لكنه خذل رهان عرّابه عندما آلت السلطة إليه. كانت الشيخوخة بكامل معانيها قد ضربت الحزب.

بين 1982 و1985 مات على التوالي ثلاثة قياصرة سوفييت بريجينف واندروبوف بعد أقل من عامين في الحكم وقسطنطين تشيرنينكو بعد أقل من عام آخر. بدا ذلك داعياً للرهان على سكرتير عام جديد شاب نسبياً.

هكذا صعد غورباتشوف بداعي تجديد الدولة والحزب وضخ دماء جديدة في الشرايين المتكلسة، وهو ما أخفق فيه بفداحة. في تجربته التي امتدت بين عامي 1985- 1991 تبنى ما أطلق عليه «البيروسترويكا» و«الغلاسنوست»، الشفافية وإعادة البناء.

ذاعت مصطلحاته في العالم بأسره، التقطت الميديا الغربية أول الخيط ونسجت منه مشنقة للاتحاد السوفييتي، سلطت الأضواء على القيصر الجديد تحت قباب الكرملين كأنه من نجوم هوليوود، صارت زوجته نجمة غلاف في كبريات المجلات الغربية، كأنهما نسخة روسية من الرئيس الأمريكي الراحل جون كينيدي وزوجته جاكلين كينيدي.

استسلم جورباتشوف لإغواء أضواء الكاميرات، وبدأ يقول ما يريد الغرب أن يسمعه. تدافعت الحوادث، كأننا أمام شريط سينمائي لاهث بين عامي 1989 و1991:

توحدت الألمانيتان بعد سقوط جدار برلين، حصل غورباتشوف على جائزة «نوبل» للسلام، حل حلف وارسو، وصعد نجم بوريس يلتسين إثر فشل الانقلاب العسكري الذي حاول الإبقاء على الدولة، في النهاية استقال غورباتشوف مرغماً في 25 ديسمبر 1991، وحلّ الاتحاد السوفييتي في اليوم التالي قبل أن يعلن عن حظر نشاط الحزب الشيوعي!

بأية نظرة موضوعية فإن غورباتشوف لا يتحمل وحده مسؤولية انهيار الإمبراطورية السوفييتية السابقة.

هناك من هو مستعد، والنتائج أمامه، أن يتهمه بالعمالة للغرب، أو أنه كان حصان طروادة الذي اخترق القلاع الحصينة وأسقطها من الداخل. هذا مجرد افتراض.

الحقيقة الثابتة أن الاتحاد السوفييتي سقط من داخله بأكثر من أي تآمر خارجي، أو اختراق استخباراتي.

إرث غورباتشوف، بكل شواهده وأسراره، لن يبرح المكان لعقود طويلة مقبلة بقدر تأثيره العميق في حركة الحوادث الدولية. بالمفارقة فهو روسي أوكراني.

التاريخ لا يعود إلى الوراء، لكن إرثه ماثل في الذاكرة. كان مثيراً أن أكثر من ابتهجوا لسقوط الاتحاد السوفييتي هم أنفسهم الذين دفعوا أغلب الفواتير، خاصة هنا في العالم العربي.

في الحساب الأخير لم يكن غورباتشوف هو رجل تجديد الاشتراكية، أو إصلاح خلل بنية الاتحاد السوفييتي، الذي أسلمه إلى النهايات المحتومة.

https://tinyurl.com/vczd6s7a

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"