كلية التراث

00:05 صباحا
قراءة 4 دقائق

عبد الإله بلقزيز

على ما يزخر به تراثُ كلِّ أمّةٍ من تعدّدٍ في مجالات الإنتاج الفكريّ (علوم، فلسفة، آداب، فكر دينيّ...) والإنتاج الماديّ (عمران، نظام ريّ، صنائع...)، إلاّ أنّه يبقى واحداً، في المطاف الأخير، تسري في أجزائه وفروعه المختلفة آلياتُ صُنْعٍ مشتركة، بها يتميّز تراث عن تراثٍ وحضارة عن حضارة، وبها يُعْرَف ما لَه من سمات خاصّة. ويقترن بذلك التعدُّد تفاوت بين معارفه وصنائعه؛ فيبدو البعضُ منها أكثر رقيّاً من غيره، أو قد يبدو أوسع في التّراكم. لكنّ ذلك لا يغيّر في شيءٍ من حقيقة وحدته العضويّة.

ينطبق ذلك على التّراث العربيّ الإسلاميّ أيضاً. إنّه تراثٌ شديدُ التّعدّد في ميادينه وحقوله المعرفيّة والماديّة؛ وهو، في الوقت عينه، ينطوي على تفاوُتٍ في قيمة ما يحتويه من معارف؛ أكان منها ما نشأ في سياقٍ ثقافي خاصّ، أو ما نشأ في نطاق تثاقُفٍ ( تبادُلٍ ثقافيّ) مع تراثات مجاورة.

لكنّ الذين يدرسون هذا التّراث من العرب المعاصرين ذاهلون عن حقيقة تلك الوحدة الدّاخليّة التي تَصِل بين الأبعاض والأجزاء، وتَرْتُق ما بين أمشاجها من فتوق، وتُنْفِذ مفعول كليّة التّراث فيها جميعِها، فتراهُم منصرفين إلى تلك الفروع والأمشاج باحثين فيها مستغرقين، غيرَ آبهين بما يشدُّها إلى غيرها من روابط. والأطمُّ من طامّة هذه التجزيئيّة أنّ أصحابها ينظرون إليها - أي إلى بؤر اهتماماتهم - بما هي التّمثيل المكثّف للتّراث مُجْمَلاً فيرُدّون الكلَّ إلى الجزء - ردّاً غيرَ جميلٍ ولا حصيف - ويوغلون بعيداً في اشتقاق الاستنتاجات الخاصّة بمباحثهم وسحبها على التّراث رمّةً، من غير احترام أبسط قواعد المعرفة التي تقضي بعدم جواز الحكم على الكلّ من جزءٍ... فكيف بجُزيْئِه: على ما هي عليه موضوعات مباحثهم!

وقد يحصل - وحَصَل فعلاً - أن الجزئيَّ في الدّرس والبحث يتجزّأ هو نفسه فتُفْرَد منه ذَرّةٌ بالبحث من دون سواها، وتُطبَّق عليها عينُ القاعدة فيُحْكَم على الجزء كلِّه بذرّته الصّغيرة. والأمثلة على ذلك لا تُحصى؛ من دراسة مؤلِّفٍ مّا وسحب الاستنتاجات عن فكره على سائر المؤلّفين المنتمين إلى حقله؛ أو من دراسة مذهبٍ وتعميم الحُكم الخاصّ به على سائر المذاهب... إلخ. وحتّى في الحال التي يُحجِم فيها دارسُ الجزئيِّ عن تعميم أحكامه، يكون مجرّدُ انغماسه في ذلك الجزئيّ أَمارةً على أنّ هذا هو معنى دراسة التّراث عنده!

سقط في هذا المطبّ المعظمُ من دارسي التّراث المعاصرين، ومن الاتّجاهات الفكريّة كافّة. تَفَوَّق في ذلك المحافظون على غيرهم؛ انشغلوا بالعلوم الشّرعيّة، واطَّرحوا العلوم العقليّة وتجاهلوها كما لو أنّها ليست من التّراث؛ واهتمّ كثير منهم بالتّراث الأشعريّ ضارباً صفحاً عن الاعتزال؛ وبحث منهم من بحث في مذهبٍ فقهيّ بعينه متجاهلاً سواه من المذاهب؛ وانتصر منهم من انتصر لمدَوّنةٍ في التّفسير أو الحديث على حساب غيرها...إلخ. وبالجملة رازَ كلٌّ منهم موروثه الذي يدرسُه بانتمائه الفكريّ أو المذهبيّ الخاصّ به، فأتت أحكامُه عليه تُطَمْئِن نفسه على صحّة يقينيّاته وسلامة مَشْربه!

ومثلُهم فعل حداثيّون كُثر درسوا التّراث بالعقل التّجزيئيّ عينِه؛ فمنهم من اختصر التّراث في الفلسفة أو في الأدب نابذاً علوم النّصّ؛ ومنهم منِ استغرق في ابن رشد فما عنى عنده أحدٌ من الفلاسفة الآخرين شيئاً؛ ومنهم من انصرف إلى دراسة تيّارات العقل وحدها، ونَبَذ التّصوّف؛ ومنهم من أغراه البحث في التّعبيرات الماديّة في التّراث مُعْرِضاً عن نقائضها...إلخ.

وقد قاسوا، مثل المحافظين، المادّةَ التّراثيّة المنتقاة للدّراسة بمقياس ما تَلْقاهُ من هوًى في النّفس، أي بمقياس الانحياز الإيديولوجيّ الذي سقط فيه التّقليديون مثلهم.

لا يصلح هذا النّوع من الانتقائيّة في دراسة التّراث؛ فالانتقائيّةُ فعْلٌ إيديولوجيّ بامتياز وهو - لذلك السّبب - لا يستطيع أن يُظْهِرنا على تراثٍ له من السّعة والشّمول، ومن التّعدُّد والتّناقض، ما لا تجوز معه انتقائيّة. أمّا توسُّلها ففيه القرينةُ الأفْصَح على ذلك المنزِع الإيديولوجيّ المَرضي الذي يستبد بالفكر العربيّ منذ قرن: منزِع الحزبيّة والتّحزُّب في العلاقة بالموروث وبالحاضر على السّواء!

يبدأ البحث العلميّ في التّراث من مُدخلٍ معلوم: النّظر إليه في كلّيّته؛ أي بما هو بنية لا تُدْرك عناصرُها إلاّ في نطاق العلاقات التي تؤسّسها كبنية. إهمال قسمٍ أو تجاهلُه موقفٌ غيرُ معرفيّ ( أيديولوجيّ) لأنّه يُحْدِث شرخاً في الموضوع الذي يتناوله من يقوم بذلك الإهمال. صحيح أنّ تناوُل التّراث في كلّيته أمرٌ يتعصّى على أكثر الدّارسين المتشرنقين في جزئيّاتهم، ولكنّ ميدان دراسات التّراث شهد - من حسن حظّه - على سوابق ناجحة في ذلك التّناوُل الكليّ - وعلى نحوٍ متفاوت في السّعة والشّمول - في الخمسين عاماً الأخيرة (أدونيس، محمّد أركون، محمّد عابد الجابري...). والأمل في أن يُبْنى على هاتيك السّوابق، وأن يُستكمَل ما بدأت فيه.

[email protected]

https://tinyurl.com/k6yvscmy

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"