السبل الذكية لمواجهة الطوارئ

00:43 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. إدريس لكريني

عادة ما تفرز الأزمات والطوارئ ظروفاً صعبة، تثير قدراً من الخوف والهلع، اعتباراً للطابع الفجائي الذي يميزهما، وللتطورات المتسارعة التي تلحقهما، وقد أضحت الأزمات والطوارئ في الوقت الراهن، أكثر تعقيداً وخطورة بالنظر إلى إمكانية بروز أزمات فرعية أخرى، تفرض بدورها اعتماد أساليب غير مألوفة، وعلى قدر كبير من العقلانية والسرعة والذكاء، للحيلولة دون خروج الأمور عن نطاق التحكم والسيطرة، والعمل على التقليل من الخسائر المختلفة.

تتصل الأزمات والطوارئ بحدوث أوضاع غير عادية، وهي تحيل إلى وجود اختلالات تفرض بدورها اعتماد أساليب متطورة على قدر من الاجتهاد والإبداع والرؤية الاستراتيجية، علاوة على توظيف كل الإمكانات البشرية والتقنية والمالية المتوافرة بصورة محكمة وناجعة، ما يسمح باحتواء الوضع، والاستفادة من التجربة الصعبة في المستقبل.

تقتضي الظروف التي تخلفها الطوارئ والأزمات، اعتماد أساليب حديثة ومتطورة تتصل بالحوكمة، بما تحيل إليه من تشاركية وشفافية ومرونة، وتخطيط استراتيجي، فهذا الأخير يوفر فرصاً كبيرة أمام أسلوب إدارة الأزمات، بالنظر إلى أنه يقوم في جزء كبير منه على التوقع، وتحقيق الجودة في الأداء.

تتموقع الكفاءات البشرية المدربة والمتخصصة، على رأس المقومات الأساسية اللازمة لإدارة الطوارئ والأزمات بشكل احترافي، كما ينطوي تبنّي التخطيط الاستراتيجي ضمن أساليب إدارة الأزمات والطوارئ على قدر كبير من الأهمية، لكونه يسمح بركوب المجازفات المختلفة بقدر كبير من الجاهزية والثقة في النفس، وباتخاذ قرارات عقلانية ومحسوبة، كما أنه يحفز على الاجتهاد والابتكار.

وتوفر التكنولوجيا الحديثة بدورها إمكانات مهمة بالنسبة لتقنية إدارة الأزمات، سواء على المستوى الوقائي، أو في ما يتعلق بالجانب العلاجي. فلا تخفى أهمية التقنيات المتطورة المتعلقة بالفضاء وما تختزنه من فرص كبيرة في هذا الخصوص، وبخاصة على مستوى نظم الاستشعار عن بُعد التي توظف الأقمار الاصطناعية في مجال تعزيز الأمن البيئي والأمن المائي، ومواكبة الكوارث والطوارئ، وتقدير كُلفة الأضرار الناجمة عنها.

فيما تلعب منظومة الاتصال أهمية قصوى على مستوى نقل المعلومات، وتعزيز التواصل على مستويات عدة، وتوفير شروط مناسبة وصحية لاشتغال خليّة الأزمة، بنما يضمن إلى حد بعيد نجاح عملية إدارة الأزمات والطوارئ بأقلّ كُلفة ممكنة.

وقد أبرزت جائحة «كورونا» أهمية تبني أساليب إدارية متطورة في التعامل مع حالات الطوارئ، كما أظهرت أيضاً أهمية توظيف التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي بشكل ناجع في هذا الخصوص، سواء على مستوى تشخيص الإصابات، أو مواكبة الحالة الوبائية، أو توظيف «الروبوتات» في توعية أفراد المجتمع عبر تقديم التعليمات الوقائية.

وحول هذا الموضوع، شاركت قبل أيام في أشغال المؤتمر العلمي للممارسات الذكية في التعامل مع حالات الطوارئ، الذي نظمته المديرية العامة للدفاع المدني بالتعاون مع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي والجمعية الجغرافية السعودية، بمدينة الرياض. كان اللقاء فرصة جيدة للاستفادة من عدد من الأوراق العلمية المهمة، قدمها عدد من الفاعلين والخبراء والباحثين، على امتداد ثلاثة أيام؛ حيث تناولت الأوراق المقدمة الموضوع من زوايا مختلفة، تم خلالها التوقف عند عدد من التجارب الواعدة على مستوى التعامل الذكي مع حالات الطوارئ في القطاعين الحكومي والخاص، إضافة إلى رصد أهمية المدن الذكية كفضاء يدعم إدارة الأزمات والطوارئ بشكل أكثر فاعلية واستجابة.

وقد تم تأكيد أهمية توظيف التطبيقات الذكية ضمن خطط وآليات التعامل مع الأزمات، بما يوفر أساليب مبتكرة ومتقدمة، تخدم تحقيق الأمن بمفهومه الشامل، وبالنسبة للحاضر والمستقبل.

وأكدت أوراق أخرى أهمية الاهتمام بنظم الرصد الفضائي وتطويرها، كسبيل للاستجابة لحالات الطوارئ عبر تقنية الاستشعار عن بُعد، كما استحضرت أوراق أخرى ممارسات فضلى على المستوى الدولي.

وحرص بعض المتدخلين أيضاً على تناول تجربة المملكة العربية السعودية في إدارة الحشود من خلال الذكاء الاصطناعي، وبخاصة فيما يتعلق بتنظيم مواسم الحج.

مثّل المؤتمر مناسبة علمية وإنسانية راقية، أتاحت فتح نقاش علمي وازن بصدد موضوع راهن ينطوي على أهمية قصوى، في زمن تنامت وتعقّدت فيه المخاطر والتهديدات الداخلية والعابرة للحدود، وأصبحت تقتضي إرساء سبل ذكية ومبتكرة ونظم متطورة، لإدارة الأزمات وحالات الطوارئ. كما شكل أرضية خصبة لطرح مجموعة من التوصيات المهمة في ارتباط ذلك بضرورة جلب التكنولوجيا العالمية المتطورة والذكاء الاصطناعي، للإسهام في تقديم حلول ناجعة وفاعلة تضمن تحقيق أمن وسلامة المجتمعات، والاستئناس بالتجارب الوطنية والدولية الرائدة في هذا المجال.

[email protected]

https://tinyurl.com/jhcw33vr

عن الكاتب

​باحث أكاديمي من المغرب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"