متاهات «لوكيربي» التي لا تنتهي

00:27 صباحا
قراءة 3 دقائق

د.إدريس لكريني

عادت قضية «لوكيربي» إلى واجهة الأحداث الدولية من جديد، مع الإعلان قبل أيام عن اختفاء أحد المشتبه بهم في هذه القضية بشكل مفاجئ، والذي تطالب الولايات المتحدة بترحيله ومحاكمته فوق أراضيها، رغم مكوثه في أحد السجون الليبية منذ عام 2011.

وتشير التقارير الإعلامية إلى أن الأمر يتعلق ب «أبو عجيلة مسعود المريمي» الذي كان موظفاً في جهاز الاستخبارات الليبية في عهد معمر القذافي، حيث تحدثت بعض الأوساط عن إمكانية اختطافه في أفق تسليمه للسلطات الأمريكية.

وترفض الكثير من الأوساط السياسية والشعبية الليبية إعادة فتح الموضوع من جديد، لعدم وجود مبررات قانونية وموضوعية تدعم هذا الخيار، خصوصاً أن الملف سبق أن تم إغلاقه مع محاكمة المتهمين اللذين تم تسليمهما، وتقديم تعويض يقدر بحوالي 2,7 مليار دولار لعائلات الضحايا منذ عام 2008.

يقتضي فهم الموضوع أكثر، التذكير بسياقات القضية وأحداثها التي مرت عليها عدة سنوات، اعتبر معها الكثير من المراقبين أن الموضوع أصبح جزءاً من الماضي. فبتاريخ 21 يناير/كانون الثاني من عام 1988 تعرضت طائرة الركاب الأمريكية التابعة لشركة الخطوط الجوية «بان أمريكان» ضمن رحلة لها بين بريطانيا والولايات المتحدة لعمل «إرهابي» تسبب في سقوطها فوق أجواء بلدة «لوكيربي» الاسكتلندية، ما أسفر عن مصرع 259 راكباً، بالإضافة إلى 11 ضحية من بلدة «لوكيربي». وبعد مرور حوالي سنتين على الحادث، تقدمت الولايات المتحدة وبريطانيا بمذكرة إلى الحكومة الليبية تدعو فيها إلى تسليم مواطنين ليبيين متهمين بالتورط في الحادث، غير أن ليبيا رفضت ذلك، ما فتح المجال لتفجر أزمة «لوكيربي».

وقد تدخل مجلس الأمن في إدارة هذه الأزمة بالصورة التي حولت الملف من طابعه القانوني المرتبط بتفسير اتفاقية مونتريال لسلامة الطيران المدني لعام 1971، إلى ملف سياسي في إطار «مكافحة الإرهاب»، ما أتاح للولايات المتحدة تكريس وجهة نظرها في التعامل مع القضية.

وأمام التباين في المواقف، سلك الطرفان المتنازعان طريقين مختلفين، ففي الوقت الذي أحالت فيه ليبيا الملف على أنظار محكمة العدل الدولية، اختارت فيه الولايات المتحدة اللجوء إلى مجلس الأمن الذي أسرع بإصداره القرار رقم 731 بتاريخ 21 يناير الذي عبر فيه عن انزعاجه من جميع أشكال «الإرهاب الدولي» واستيائه لعدم استجابة الحكومة الليبية بصورة فعالة لتحديد المسؤولية عن الأعمال «الإرهابية» وحثّها عن الاستجابة لهذه المطالب، مشيراً إلى التحقيقات التي تشير إلى تورط موظفين تابعين للحكومة الليبية في الحادث، ثم قراره رقم 748 بتاريخ 13 مارس 1992 والقرار 883 بتاريخ 08 نونبر 1993 اللذين تم بموجبهما فرض عقوبات مالية واقتصادية ودبلوماسية صارمة على ليبيا بسبب عدم تسليم المطلوبين.

وبعد معاناة مع الحصار، وعلى إثر وساطة سعودية وجنوب إفريقية، تم تسليم المتهمين الليبيين المطلوبين إلى مساعد الأمين العام الأممي للشؤون القانونية؛ قبل نقلهما إلى محكمة «زايست» الهولندية، وهو ما فتح الطريق أمام تجميد العقوبات المفروضة على ليبيا.

وبعد أكثر من اثنتي عشرة سنة من الجدل وتبادل الاتهامات، وزهاء تسع سنوات ونحو ثلاثة أشهر من صدور الاتهام البريطاني – الأمريكي لليبيين، وبعد 22 شهراً من تسليمهما للمحاكمة، وإثر مرافعات استغرقت حوالي تسعة شهور، أصدرت المحكمة الاسكتلندية ب«زايست» في هولندا حكمها الذي اتخذ بالإجماع؛ قضت فيه بإدانة «عبد الباسط المقرحي» لارتكابه جريمة القتل، والحكم عليه بالسجن المؤبد، وببراءة المتهم الثاني «الأمين خليفة فحيمة».

كانت كلفة الأزمة باهظة بالنسبة لليبيا التي عانت لأكثر من عشر سنوات حصاراً اقتصادياً خطيراً، أضر بالمجتمع الليبي على عدة مستويات. وهي الكلفة التي عمقها التدبير المركزي وغير العقلاني للملف من قبل نظام القذافي الذي امتنع عن تسليم المتهمين، قبل أن يتراجع عن ذلك بعد فوات الأوان وتعرض البلاد لعقوبات كارثية.

يبدو أن القضية ما زالت مرشحة للتطور مع إصرار بعض الأطراف داخل الولايات المتحدة على فتح الملف من جديد، حيث صدرت بعض التقارير الإخبارية التي تحدثت عن توجه وزارة العدل الأمريكية نحو توجيه اتهامات لليبي المختطف «بوعجيلة مسعود» والمطالبة بتسليمه، باعتباره «المسؤول عن صناعة القنبلة التي تسببت في تفجير الطائرة وسقوط عدد من الضحايا».

إن محاولة فتح ملف قضية «لوكيربي» من جديد في ظل ظرفية ليبية حرجة، بعد أن حسم القضاء موقفه من الموضوع، وبعد تعويض الضحايا، تحيل إلى أن الأمر يتعلق بمحاولة جديدة لابتزاز هذا البلد المغاربي الذي يعيش على إيقاع أوضاع سياسية وأمنية واجتماعية صعبة.

[email protected]

https://tinyurl.com/5n95cc6w

عن الكاتب

​باحث أكاديمي من المغرب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"