حاضنة المهاجرين الآمنة

00:53 صباحا
قراءة دقيقتين

فيصل عابدون

اعتبر المستشار الألماني أولاف شولتس أن ألمانيا هي أرض الأمل بالنسبة للمهاجرين. وهو تعبير يبدو شديد الدقة في وصف واقع الحال سواء كان ذلك بالنسبة لأفواج المهاجرين التي وصلت فعلاً إلى ألمانيا ودول أوروبية أخرى، أو الأفواج الأخرى التي لا تزال تكافح وتشق طريقها عبر البحار للوصول إلى الشواطئ الأوروبية. فقد كانت المقاربة الألمانية إزاء المهاجرين تعتمد البعد الأخلاقي منذ تفجر الأزمة والتدفقات الأولى للموجات البشرية الهاربة من الحروب والموت والجوع والباحثة عن الأمان والاستقرار.

تصريح المستشار الألماني جاء خلال استعراضه حزمة قوانين جديدة تهدف لتسهيل الطريق أمام المهاجرين للحصول على الجنسية الألمانية. وقال شولتس في تصريحاته «إن النساء والرجال وأحياناً الأطفال الذين قدموا إلى ألمانيا في العقود القليلة الماضية لعبوا دوراً رئيسياً في جعل الاقتصاد الألماني قوياً». وأضاف: «عاش البعض هنا لفترة طويلة للغاية ولديهم أطفال وأحفاد». وأوضح أن ألمانيا بحاجة إلى «أنظمة أفضل» لتجنيس كل هؤلاء «النساء والرجال الرائعين».

مثل هذه اللهجة التي لا تكتفي فقط بإظهار التعاطف الإنساني إزاء البشر الآخرين ولكن أيضاً تعترف بفضلهم وتمتدح إسهاماتهم في دعم الدولة واقتصادها، لن تجدها في أي مكان آخر. وهكذا وبينما كانت الحكومة الألمانية تتطور باتجاه مواقع أكثر عملاتية وعقلانية في قضية استيعاب المهاجرين ليصبحوا مواطنين على قدم المساواة، كانت بقية الدول الأوروبية تنخرط في معالجة صراع مرير بين فرنسا وإيطاليا حول استقبال مهاجرين تقطعت بهم السبل في البحر.

ويدور النزاع الفرنسي الإيطالي حول مصير 234 مهاجراً أنقذتهم السفينة الإنسانية «أوشن فايكينغ»، ورست سفينتهم في فرنسا بعدما رفضت الحكومة اليمينية المتطرفة في إيطاليا استقبالها. ورداً على الموقف الإيطالي أعلنت فرنسا عن تعليق استقبال فرنسا 3500 طالب لجوء موجودين في إيطاليا.

والتوتر بين البلدين يستند إلى خلفيات قديمة ومستجدة لكن ما يظهر للعلن في قضية الهجرة خصوصاً أن فرنسا لطالما اتهمت إيطاليا باستخدام الحيلة حيث إنها تتلقى أموالاً كبيرة من الاتحاد الأوروبي لمكافحة الهجرة غير الشرعية ثم بعد ذلك تختلق أعذاراً للتملص من المهمة الرسمية التي أوكلت لها. وفي المقابل تعتبر الحكومة الإيطالية أن فرنسا لا تقوم بدورها كاملاً لأنها لا تأخذ جزءاً من أفواج المهاجرين القادمين إلى إيطاليا وتترك كل المشكلة على عاتق السلطات الإيطالية.

وتكشف هذه المبارزة الأليمة بمصير المهاجرين هشاشة الاتفاقات الموقعة بين دول الاتحاد وفشل سياسة الهجرة الأوروبية بشكل عام. بعض الدول الأخرى التي تعارض حكوماتها علانية أي سياسات موحدة للهجرة، اتخذت إجراءات أكثر راديكالية لمنع وصول المهاجرين إلى شواطئها، بينما بدأت بريطانيا تطبيق سياسة المعازل المقامة في إفريقيا لاحتواء موجات الهجرة.

إن أفضل السياسات التي انتهجتها أوروبا لا تكاد تقترب حتى من الموقف الألماني المتقدم إزاء أزمة الهجرة والمهاجرين. فقد استقبلت ألمانيا العدد الأكبر من المهاجرين من دون أن تعتبر ذلك عبئاً، وكانت هي القوة الدافعة وراء إقرار القوانين التي تلزم الدول الأخرى باستيعابهم.

[email protected]

 

 

https://tinyurl.com/bdz8pv25

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"