غداً، أو بعد غد، عيد الفطر المبارك، وكل عام وأنتم بخير، وكالعادة، سيردد الكثير من قارئي أبي الطيب المتنبي بيته الشهير في مطلع هجائه لكافور الإخشيدي:
عيد بأيةِ حالٍ عدت يا عيدُ.. بما مضى أم بأمرٍ فيك تجديد
والقصيدة على البحر البسيط، لكن المئات بل الآلاف في عيدي الفطر والأضحى يرددون ويكتبون بيت المتنبي خطأ على هذا النحو: «عيد بأيّ حال عدت يا عيدُ»، والصواب: بأيةِ حال، وليس بأي حال هذه التي ينكسر معها وزن البسيط الذي جرت عليه القصيدة، وقد هالني أن قرأت مقالات لكتّاب وأكاديميين وصحفيين معروفين وضعوا هذا الخطأ حتى في عناوين مقالاتهم، من دون الانتباه إلى أن «بأي حال» تكسر الوزن وتشوّه موسيقا القصيدة.. هذه نقطة.
النقطة الثانية، أن هذا البيت تحديداً الذي اشتهر على نطاق واسع جداً بين قرّاء الشعر العربي هو أضعف بيت في قصيدة المتنبي هذه على الرغم من أنه مطلع القصيدة، ومطالع المتنبي قوية عادة، غير أن هذا المطلع يتضاءل فنياً ولغوياً أمام ما هو أقوى منه في القصيدة مثل قول المتنبي: «لم يترك الدهرُ من قلبي ولا كبدي//شيئاً تتيّمه عينٌ ولا جيد»، وقوله: «أصخرةٌ أنا مالي لا تحرّكني.. هذي المُدامُ ولا هذي الأغاريدُ» وقوله أيضاً «ماذا لِقيتُ من الدنيا وأعجَبُهُ/اني بما أَنَا باكٍ منه محسودُ».
هذه البيوت، في رأيي، أقوى وأكثر بلاغة شعرية وأدبية من مطلع هذه القصيدة، عدا عن الركاكة الواضحة في قول المتنبي «بما مضى أم بأمرٍ فيك تجديد».
النقطة الثالثة، أن القصيدة تنطوي على موقف عنصري ساطع الوضوح من ناحية التمييز اللوني في هجائه لكافور الإخشيدي بقوله: «من علّم الأسود المخصَّي مكرمة/أقومه البيضُ أم آبائه الصيد»، «أم أذنه في يد النخّاس دامية/أم قدره وهو بالفِلسَين مردود» ثم قوله «لا تشتر العبد إلا والعصا معه.. إن العبيد لأنجاس مناكيدُ» وقوله «وأنّ ذا الأسود المثقوب مشفره//تطيعه ذي العضاريط الرعاديد». وما كان لشاعر كبير مثل المتنبي أن يهين إنساناً في لونه أو في نسبه أو في أصله، إذ كبرياء النفس الشعرية العظيمة تمنعه من ذلك.
كان كافور الإخشيدي يقرّب إليه الشعراء والعلماء، ويأتي في ترجمته في الموسوعة العربية أنه كان شجاعاً مقداماً حادّ البصر والذكاء، يتهجد ممرغاً وجهه ساجداً داعياً الله أن لا يسلط عليه أحد، وتقول الموسوعة إنه كان جواداً سخياً كثير الخلع والهبات.
مدح المتنبي كافوراً بقوله «إذا ترك الإنسان أهلاً وراءه.. وَيَمَّم كافوراً فما يتَغرّبُ» فأجزل له العطاء، غير أن الشاعر كان يريد ما هو أكثر من المال. كان يريد من كافور أن يمنحه إمارة، فلّما لم يجد ما يطمح إليه هجاه يوم عرفه عام 350 هجرية وهرب، لكن أهجيته بقيت في التاريخ تعزّزها تواردات العيدين، غير أنها وصمة في شخصية الشاعر أكثر مما هي عار على كافور.
[email protected]
المتنبي وكافور
20 أبريل 2023 00:03 صباحًا
|
آخر تحديث:
20 أبريل 00:25 2023
شارك