لم يكن ميلان كونديرا ١٩٢٩-٢٠٢٣ ميّالاً إلى إعطاء حوارات صحفية أو مقابلات تلفزيونية كما يفعل عادة بعض الباحثين عن النجومية والإعلام والشهرة التي تستدرج، بالتالي، إلى الجوائز الأدبية والثراء والنفوذ الأدبي الذي يصل أحياناً إلى السلطة، لا بل كان الرجل الذي لم يشأ أن يركب على ظهر حزب الأيديولوجيا عدوّاً مكشوف الوجه للسلطة السوفييتية التي دخلت بلاده تشيكوسلوفاكيا في عام ١٩٦٨ في حين ما كان يسمّى ربيع براغ، وليس صحيحاً أنه خُلِعَ من الحزب، بل هو الذي خلع الحزب ورماه وراء ظهره، وأخذ القليل من حقائبه وجاء إلى فرنساعام ١٩٧٥، وكان في نحو الخامسة والأربعين من عمره، ولم يكتب بالفرنسية إلّا بعد مرور نحو عشرين عاماً، بعدما تمكن تماماً من اللغة، وفي السياق أيضاً، ليس صحيحاً أن كونديرا هاجر من لغته الأم (التشيكية) إلى الفرنسية فكتب بها رواياته التي أوصلته إلى الشهرة العالمية مثل: «خفة الكائن التي لا تحتمل» و«الحياة في مكان آخر»، وهما الروايتان اللتان انذهل بهما القارئ العربي في ثمانينات القرن العشرين، ونقلتا إلى العربية في أكثر من ترجمة، الأمر الذي يعني أن كونديرا مستهلك عربياً على صعيد الترجمة، ولكن للأسف، لا ترجمة تشبه الأخرى.
مسألة إساءة المترجمين العرب لروايات كونديرا قصة أخرى، لا بل نحن في الترجمات لم نقرأ جيداً، فالرجل لم يكن من بين كتّاب (الواقعية السحرية) كما جاء في الكثير من التقارير التي كتبت حوله في مناسبة رحيله قبل أيام، بل هو ساخر كبير. «مزّيح» كبير إذا أردت القول. ودائماً في داخل سخريته ومزاحه ثمة مفارقات، وثمة فلسفة، وعلى الرغم من أنه بدأ حياته موسيقياً وشاعراً، إلّا أنه كتب الرواية بعيداً تماماً عن أشواقه الموسيقية والفلسفية تلك، ونأى بنفسه عن الثرثرة والاستعراض، وعاش في باريس بعيداً تماماً عن ضوئها الأوروبي الساطع، كما لو أنه دائماً في الضحك والنسيان.
في مجلة «دي باريس رفيو» التي تأسست في عام ١٩٥٣ نقرأ حواراً مع ميلان كونديرا، أجرته كريستيان سالمن نشر في عدد ١٩٨٤، وجاء مانشيت الحوار على النحو التالي: قال كونديرا: «العنوان الصالح لكل كتبي هو.. المزحة..».
وقال في الحوار ذاك أن التقزّز من الحديث عن الذات هو الذي يمّيز الموهبة الروائية عن الموهبة الغنائية، وتحدث كونديرا في الحوار عن رواياته وكيفية فهمه لكتابة هذه الروايات، ولم يذكر كلمة واحدة عن الواقعية السحرية، كما لم يذكر كلمة واحدة عن تأثره بكافكا أو حسراته الداخلية حول نوبل، أو مديحه الشخصي لترجمات رواياته إلى العربية..