أجمل الطرق تقطعها مع صديق.. عندها تصبح أقصر وأسهل؛ بل وأجمل، خصوصاً إذا عليها تلك المحال الصغيرة الفقيرة التي تبيع «شاي كرك»، بدرهم أو درهمين، على الطريق القديم من الشارقة إلى رأس الخيمة.
كان ذلك في الثمانينات، والطريق زمنه ساعة أو أكثر قليلاً، لكن، مع صديق يصبح الزمن أقل، وكنت إلى جوار عبدالعزيز جاسم في سيارة يابانية سوداء صغيرة. كل الطريق كلام عن شعراء من العالم أو روائيين تشبه بلادهم جلفار. بحر وجبال وشجر. صحراء ورمل يعلمك قصص الأثر، لكن الأغرب من كل ذلك، تلك المعلومة التي وضعها صاحب «لا لزوم لي» أمامي، وهي أن أهل الجبال في رأس الخيمة يقصّون الأثر حتى لو على الحجارة.. كيف هذا يا عبدالعزيز؟ إنك كما لو تقول لي الآن إن البحّارة يمكنهم قصّ الأثر على الماء، كل ذلك ونحن نشرب شاي كرك. سكرة زيادة، والطريق يقصر.. قطعت تلك الطريق من الشارقة إلى رأس الخيمة أو من رأس الخيمة إلى الشارقة مع عادل خزام، ومع عبدالله عبدالرحمن، ومع سعد جمعة، وخالد الراشد، وأحمد راشد ثاني، وثاني السويدي، وجهاد هديب، وأحمد فرحات، وأم العيال أم غسان، وجاري في رأس الخيمة السوري الطيّب: أبو فراس من جبل الدروز.. والجندي: جمال أبو خالد، أشتري كتباً من معرض الشارقة الدولي للكتاب حين كان يقام تحت خيمة كبيرة بالقرب من شارع الميناء ومبنى البريد المركزي، قبالة قاعة إفريقيا.. وعلى الطريق مرة ثانية شاي كرك، وبعض ساندويشات الناشف أو صالونة دجاج أو الجبن، يصنعها هنود ناحلون نظيفون لا تفارق الابتسامة وجوههم السمحة السمراء.
كان في الانتظار في رأس الخيمة دائماً جمعة الفيروز مع عوده الرنّان وحزنه الأبدي الجميل، وفي مرة من المرات زرت عبدالعزيز جاسم في بيت أهله القريب من شاطئ البحر «بالقرب من فندق ابن ماجد الآن».. ومعي كيس برتقال، ويومها كان عبدالعزيز يموت من الضحك..أحبنا إلى اليوم هناك.. عبدالله الهدية، وأحمد العسم، وعبدالله السبب، والبعض تحت التراب: العزيز الصحفي الجميل: محمود يوسف.. أصل إلى رأس الخيمة ويكون شاي كرك قد انتهى، وما أجمل المطاعم في شارع النخيل، وتلك المكتبة القديمة التي اشتريت منها رواية «ميميد الناحل» ذات يوم، ومكتبة القرطاسية في شارع النخيل قبل نحو 38 عاماً، وأشتري منها جريدة الدستور الأردنية.. لديّ الكثير مما يمكن أن أكتبه عن الطريق من رأس الخيمة إلى الشارقة، أو من الشارقة إلى رأس الخيمة. كانت، وما زالت، طريق حياتي.
طريق الأصدقاء، والسندويشات الهندية الحارّة، وشاي كرك..
[email protected]