رحل عن هذه الفانية قبل أيام الشاعر كريم العراقي، شاعر اللغة الغنائية الشفافة المقبولة والمحبوبة لدى مستويات ثقافية عدة.. من الشعبي إلى النخبوي، إلى القارئ العادي، وإلى المثقف المتخصص في الأدب، وهو قبل وبعد أي شيء شاعر إنساني أخلاقي طيب المخبر، وطيب المعشر، عاش في الإمارات، أحبها وأحبته، وكرمته، واحتفت به شاعراً ومثقفاً وفناناً واسع الانتشار من شخصية الطفل إلى شخصية الأكاديمي في الجامعة، اشتغل على ذاته الثقافية بعصامية نموذجية، وأعطى العراق والإمارات والعرب إبداعية شعرية جميلة، ستبقى في الزمن، وفي الذاكرة.

اختار كريم العراقي رحمه الله الإمارات مكاناً كريماً للإقامة والكتابة والعيش بأمن وأمان، والإمارات بدورها، كرّمت هذه الطاقة الإبداعية الصادقة، وحين هاجمه المرض اللعين عولج في أرقى المستشفيات وأكثرها مهنية في أبوظبي.

الإمارات وطن الأمومة وطن الأبوة، والرعاية والاحترام لمئات الكتّاب والمثقفين والإعلاميين والفنانين والأكاديميين العرب من المغرب إلى العراق، ويأتي الاحتفاء بكريم العراقي ضمن هذا السياق الإماراتي الثقافي الإنساني بوصف هذا السياق الاحتفائي جزءاً أصيلاً من ثقافة الدولة وسموّ أخلاقيات قيادتها المهتمة جذرياً بالثقافة والآداب والفنون منذ قيام دولة الاتحاد في عام 1971، وإلى اليوم.

هنا، تجدر الإشارة إلى ظاهرة ثقافية عربية عراقية موجودة في الإمارات منذ خمسة عقود، ففي الإمارات عراقيون أصلاء.. اختاروا البلاد وطناً ثانياً لهم بروح جميلة دائماً، وبكفاءاتهم الأدبية والثقافية المثالية:.. مظفر النواب، تلقى الرعاية الصحية الكاملة في الشارقة، وحين وافته المنية نقل جثمانه إلى بغداد معززاً محترماً هنا في الإمارات في حياته وفي رحيله، وفي الإمارات عراقيون نجباء آخرون:.. جمعة اللامي الصحفي والكاتب والروائي والقاص، وفي الإمارات الناقد والمترجم الفذ عبد الواحد لؤلؤة، وفي الإمارات الشاعر والباحث النشط مؤيد الشيباني الذي كتب عن المكان والإنسان في الإمارات بروح انتمائية كريمة، وفي الإمارات الشاعرة الأصيلة ساجدة الموسوي صاحبة القصيدة العربية الحرة والأصيلة، وفي الإمارات عاش الشاعر علي جعفر العلاق الناقد المحترف أيضاً وهو الذي استحق وساماً يحمل أعز اسم في الإمارات (جائزة الشيخ زايد للكتاب). وعاش في الإمارات المسرحي الاحترافي المثقف والأخلاقي والإنساني قاسم محمد، ويعيش في الإمارات المسرحي والشاهد على تاريخ المسرح في الإمارات عبد الإله عبد القادر، وعاش في الإمارات الفنان التشكيلي محمد فهمي أول من أخرج أغلفة إصدارات اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات في الثمانينات.

هؤلاء عراقيون رائعون في الإمارات، وغيرهم رائعون آخرون عاشوا وما زالوا على أرض الدولة.. الأرض الكريمة التي تعطي وهي تبتسم..

[email protected]