لا ينافس الحرب الدائرة في غزة في عبثيتها وانسداد أفقها إلا المفاوضات الجارية لوقفها.

يفترض أن المفاوضات طريق معتاد يوقف أصوات المدافع في أي حرب، أو يرتّب شكل العلاقة بين طرفيها، أو أطرافها، لكنها في حالة غزة تكاد تقترب من الفخ الذي تشد إليه إسرائيل وحركة «حماس» بقية الأطراف المعنية لإضاعة الوقت ومراكمة الخسائر، وفي مقدمتها البشرية، وإطالة أمد الصراع.

لا يعبأ الطرفان بكل المعاناة التي تعيشها المنطقة منذ تفجّر صراعهما في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ولا بالتحذيرات من تحوّله إلى أزمة أوسع.

سعت الأطراف المعنية منذ بداية الأزمة إلى تطويقها، إما بالوساطة المباشرة، وإما بالتدخل لتخفيف تداعياتها على الشعب الفلسطيني في القطاع، ووأد مساعي إشعال حرب أكبر، ومنذ أن لاحت المفاوضات حلاً للصراع وأملاً لمن يعانون ويلاته، وهي تدور في حلقة مفرغة، كلما لان طرف في بند، تشدد الآخر في غيره، وتعرض الوسيطان المصري والقطري لمحاولات عرقلة جهودهما المتواصلة لتقريب وجهات النظر، ويعجز الجانب الأمريكي حتى الساعة عن إقناع الحليف الإسرائيلي بصيغة تعطل سعيه لاستمرار الأزمة، بينما حصادها المر من الأرواح متواصل.

يبدو الأمر، في هذا الجانب تحديداً، هزلاً في موضع الجد، فحين يقدم الجانب الأمريكي ورقة للحل يمزقها بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، المصمم على نفي أية نهاية قريبة للصراع، وها نحن أمام صيغة جديدة يبشّر بها وليام بيرنز، مدير المخابرات المركزية الأمريكية، ورئيس وفد التفاوض الأمريكي لإنهاء الحرب في غزة، مؤكداً طرح مقترح أكثر تفصيلاً بخصوص وقف إطلاق النار في القطاع في غضون أيام.

ربما يتجدد الأمل في إنهاء الأزمة، إذا انطوى المقترح المنتظر فعلاً على «نصوص وصياغات مبتكرة» يعمل عليها الجانب الأمريكي مع كل من مصر وقطر، رغم أن بيرنز لا يراهن في هذا السياق إلا على الإرادة السياسية لطرفي الحرب و«بعض التنازلات العسيرة».

لا شيء، قياساً على الجولات السابقة، يضمن أن يربح الجانب الأمريكي الرهان، خاصة أنه منشغل أكثر بصراعه الانتخابي المنتظر في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، لكن لا حيلة إلا التشبث بالأمل في أن يدرك طرفا الحرب قسوة مآلاتها، وأن التعامل مع ملف التفاوض بعبثية واستهتار ينذر بما هو أخطر.

لا يمكن تجميد ملف غزة حتى معرفة هوية سيد البيت الأبيض الجديد، ولا تركه ورقة تناور بها بعض الأطراف الإقليمية في صراعاتها الخاصة.

يكفي ضياع أرواح أكثر من 41 ألف فلسطيني ثمناً للتهور والمكابرة السياسية، وهدر ممتلكات تتطلب استعادتها عقوداً، وبقاء المنطقة في دائرة قلق مركزها حرب مأساوية في غزة تتفرع منها مناوشات على جبهات أصغر، يمكن الخلاص منها إذا صدقت النوايا وتوارت المصالح الضيقة.