هل لك في مسألة علميّة، نطبّقها في إطار فلسفيّ على العالم العربيّ؟ أنت أكرم من أن تتهم القلم بأنه يهوى إثارة المقلقات، وكما لم يقل المتنبي: «قلقٌ على قلق ومثلي يقلقُ». يقولون في علم الأحياء: «الوظيفة تخلق العضو». مقولة من ملوك المفاتيح، ففي مقدورك تصوّرها وتجسيدها في ميادين شتى. لكن، بما أن بلاد العُرْب تقع على رأس أولويات الاهتمام لدى غير العرب، وأن القوى الفاعلة دولياً، عيونها إلى الأرض العربية ترحل كل يوم، إلى الجغرافيا الطبيعية والاقتصادية، باستثناء البشرية، فلا بأس بوضع الوضع على سرير الفحص البيولوجي، والنظر إليه بعيون فلسفية مرتابة. 
المزعج في تلك المقولة، هو رؤيتها بالمقلوب، أي أن وجود العضو، حين يفقد وظيفته، يصير لا محل له من الإعراب. مثلما يقال في النحو: «ما، بعد إذا، زائدة»، أو قل مثل الجملة الاعتراضية. أنت على نيّاتك حسن الظن، إذا توهّمتَ أن الجملة الاعتراضية تعني مجموعةً من الناس لهم على الأوضاع المتردية اعتراض. قد لا يكون ضرورياً الذهاب بعيداً، كتصوّر العالم العربي جسماً، إذا فقد دوره الفاعل وصار غير قادر على فرض وجوده في الجغرافيا السياسية، فإن مكانة حضوره لن تبقى شاغرةً تنتظر عودته، ففي لمح البصر ستملأ الفراغَ قوةٌ أو قوًى، متآلفةٌ أو متنافرةٌ، متحالفةٌ أو متخالفةٌ، متقاربةٌ أو متضاربةٌ. يقول المثل الفرنسي: «من يذهب إلى الصيد يفقد مكانه»، والمأساة أن يكون المسعى صيد سراب حضاري، كأن تُضيع أمّةٌ أكثر من قرن، وهي لم تتفق بعدُ على الخطوة الأولى من مليون ميل. 
من حقك السؤال: كيف يحدث أن تفقد أمّة مقوّمات دورها على الخريطة الجيوسياسية الجيوستراتيجية؟ ذلك على ذي الفهم والحجا يسير. يحتاج الأمر إلى شيء من الخيال العلمي البيولوجي، مع لمسات غرائبيّة: لرسم صورة معبّرة لمثل هذه الأمّة، عليك تصوّر جسم ليس له جهاز عصبي مركزي، فلكل عضو دماغ موضعيّ. اليد لها مخ، الرجل، كل حاسة كذلك، وقس على ذلك. لا غرابة عندئذ في أن تتفق الأعضاء على ألا تتفق. في هذه الحالة، لن يتسنى وضع خطة جماعيّة، وسيتعذر إيجاد مشروع مشترك، تنموي، اقتصادي، دفاعي، ولا حتى ثقافي وإعلامي، ما يُسهّل الاستفراد بالمكوّنات وتداعي أحجار الدومينو. النقائض في أوروبا تتحد، وإلا فأين بلغاريا من ألمانيا؟ أين اليونان من سويسرا؟ فرنسا غنّت لألمانيا: «ونسيت حقدي كله في وحدةٍ». 
لزوم ما يلزم: النتيجة الدرامية: شركات الإنتاج بخلت علينا حتى بأعمال للبكاء على أطلال أمجاد الأمويين والعباسيين.
[email protected]