القصص الدالة على مكارم الأخلاق كثيرة في تراثنا الإسلامي، منها ما جاء في كتاب «المُستطْرَف في كل فنٍّ مُستظْرَف» لشهاب الدين الأبشيهي (790ه -852ه) أن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: ورد علينا الوليد ابن عتبة بن أبي سفيان المدينة والياً، وكأن وجهه ورقة من ورق المصحف، والله ما ترك فينا فقيراً إلا أغناه، ولا مديناً إلا أدى عنه دينه، وكان ينظر إلينا بعين أرق من الماء، ويكلمنا بكلام أحلى من الجني، ولقد شهدت منه مشهداً لو كان من معاوية لذكرته، تغدينا يوماً عنده، فأقبل الفرَّاش بصحفة، فعثر في وسادة، فوقعت الصحفة من يده، فوالله ما ردها إلا ذقن الوليد، وانكب جميع ما فيها في حِجره، فبقي الغلام متمثلاً واقفاً ما معه من روحه إلا ما يقيم رجليْه، فقام الوليد فدخل، فغيَّر ثيابه، وأقبل علينا تبرق أسارير جبهته، فأقبل على الفراش، وقال: يا بائس ما أرانا إلا روَّعناك، اذهب، فأنت وأولادك أحرار لوجه الله.
رُويَ أن عليَّ بن أبي طالب، كرم الله وجهه، دعا غلاماً له، فلم يجبه، فدعاه ثانياً وثالثاً، فرآه مضطجعاً، فقال: أما تسمع يا غلام؟ قال: نعم. قال: فما حملك على ترك جوابي؟ قال: أمنت عقوبتك، فتكاسلت، فقال: «اذهب فأنت حر لوجه الله تعالى».
رُويَ أنه قيل للأحنف بن قيس: ممَّنْ تعلمت حسن الخلق؟ فقال: من قيس بن عاصم، بينما هو ذات يوم جالس في داره إذ جاءته خادمة له بسفود عليه شواء حار، فنزعت السفود من اللحم وألقته خلف ظهرها، فوقع على ابن له، فقتله لوقته، فدهشت الجارية، فقال: لا روع عليكِ، أنت حرة لوجه الله تعالى.
اجتمع يوماً قس بن ساعدة وأكثم بن صيفي، فقال أحدهما للآخر: كم وجدت في ابن آدم من العيوب؟ فقال: هي أكثر من أن تُحصى، وقد وجدت خصلة إن استعملها الإنسان سترت عيوبه كلها، قال: وما هي؟ قال: حفظ اللسان.
رُويَ عن ابن عمر، رضي الله عنهما، أنه كان إذا رأى أحداً من عبيده يحسن صلاته يعتقه، فعرفوا ذلك من خُلقه، فكانوا يحسنون الصلاة مراءاة له، فكان يعتقهم، فقيل له في ذلك، فقال: مَن خدعنا في الله انخدعنا له.
رُويَ أن أبا عثمان الزاهد اجتاز ببعض الشوارع وقت الهاجرة، فأُلقِيَ عليه من فوق سطح طستُ رماد، فتغيَّر أصحابه، وبسطوا ألسنتهم في المُلقِي للرماد، فقال أبوعثمان: «لا تقولوا شيئاً، فإن مَن استحق أن يُصب عليه النار، فصُولح بالرماد، لم يَجُزْ له أن يغضب».
من قصص مكارم الأخلاق أيضاً، ما جاء في كتاب «نوادر الخلفاء» لمحمد بن دياب الإتليدي، عن القاضي يحيى بن أكثم، قال: كنت نائماً ذات ليلة عند المأمون، فعطش، فامتنع أن يصيح بغلام يسقيه، وأنا نائم، فينغص عليَّ نومي، فرأيته وقد قام يمشي على أطراف أصابعه حتى أتى موضع الماء وبينه وبين المكان الذي فيه الكيزان نحو ثلاثمئة خطوة، فأخذ منها كوزاً، فشرب، ثم رجع يمشي على أطراف أصابعه حتى قرب من الفراش الذي أنا عليه، فخطا خطوات خائف، لئلا ينبهني حتى صار إلى فراشه، ثم رأيته آخر الليل يبول، وكان يقوم في أول الليل وآخره، فقعد طويلاً يحاول أن أتحرك فيصيح بالغلام، فلما تحركت وثب قائماً، وصاح: يا غلام، وتأهب للصلاة، ثم جاءني، فقال لي: كيف أصبحت يا أبا محمد؟ وكيف كان مَبيتك؟ قلت: خير مَبيت، جعلني الله فداك يا أمير المؤمنين، قال: لقد استيقظت للصلاة، فكرهت أن أصيح بالغلام، فأزعجك، فقلت: يا أمير المؤمنين، قد خصك الله تعالى بأخلاق الأنبياء، وأحب لك سيرتهم، فهنَّاك الله تعالى بهذه النعمة، وأتمها عليك، فأمر لي بألف دينار، فأخذتها وانصرفت.
ويضيف يحيى ابن أكثم، فيقول: كنتُ يوماً مع المأمون في بستان، ومشينا من أوله إلى آخره، وكنت أنا مما يلي الشمس، والمأمون مما يلي الظل، فكان يجذبني أن أتحول أنا في الظل، ويكون هو في الشمس، فأمتنع من ذلك، فلما رجعنا قال: يا يحيى، والله لتكونن في مكاني، ولأكونن في مكانك.. فقلت: والله يا أمير المؤمنين، لو قدرت أن أقيك يوم الهول بنفسي لفعلت، فلم يزل بي حتى تحولت إلى الظل وتحول هو إلى الشمس، ووضع يده على عاتقي، وقال: بحياتي عليك إلا ما وضعت يدك على عاتقي مثل ما فعلت أنا، فإنه لا خير في صحبة مَنْ لا ينصف.