مفتاح شعيب
تحاول إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تسجيل اختراق جريء لإنهاء الحرب الدائرة في أوكرانيا عبر إبرام صفقة مع روسيا، لكن هذا الهدف مازال بعيد المنال لأسباب عدة، منها غموض نوايا واشنطن، وحذر موسكو، وضعف القرار في كييف، والموقف الأوروبي المتمرد على السياسة الأمريكية ورغبته في إفساد المسار حتى لا يكون أكبر الخاسرين.
اجتماع جدة، الذي جمع مسؤولين من أوكرانيا والولايات المتحدة، خرج بانطباع يفيد بأن طريق المفاوضات يمكن فتحه إذا وافقت موسكو على خوض هذه المغامرة الدبلوماسية المحفوفة بالمخاطر. ويراهن ترامب على تحقيق نتيجة إيجابية مع تواصل إدارته مع السلطات الروسية، واتصاله مع الرئيس فلاديمير بوتين، وربما اللقاء به مباشرة خلال الأسابيع المقبلة، في وقت لا تبدو فيه التسريبات القادمة من موسكو مطمئنة، بل هي أقرب إلى رفض المقترح، الذي اعتبرته أوساط روسية أشبه بالفخ الذي تتمكن من خلاله واشنطن من بلوغ أهدافها بعدما فشلت حرب السنوات الثلاث في تحقيق أي إنجاز لصالح كييف وحلفائها الغربيين.
ترامب، المهووس بالصفقات وجمع الأموال والحد من النفقات، يريد التوصل إلى اتفاق حول المعادن النادرة مع كييف التي تتجه إلى الرضوخ بعد المشادة الشهيرة بين رئيسها فلوديمير زيلينسكي وترامب في المكتب البيضاوي الشهر الماضي. والوصول إلى هذا الاتفاق يمر حتماً بوقف الحرب، حتى تتمكن واشنطن من استعادة مئات المليارات التي قدمتها إدارة جو بايدن إلى أوكرانيا. وبين الطموحات الأمريكية والواقع الميداني هناك فجوة شاسعة يصعب جسرها.
فالمعادن النادرة التي يرغب ترامب في السيطرة عليها توجد ثلاثة أرباعها تحت السيطرة الروسية في الشرق الأوكراني، وهي واحدة من أسباب هذه الحرب، أما السبب الأهم فيتعلق بحرص روسيا على إبعاد الأمريكيين والأوروبيين عن حدودها. ومن غير المفهوم كيف ستقبل الآن بحضور قوي لواشنطن، عبر شركاتها ومصانعها وخبرائها وأجهزتها، في أوكرانيا مسرح الصراع والجدار الأخير بين روسيا ودول حلف شمال الأطلسي. ومن هذه الناحية لا يبدو أن موسكو ستقبل هدنة مؤقتة، ناهيك عن إنهاء الحرب، وفق ما تطرحه الصيغة الأمريكية، خصوصاً أن القوات الروسية مازالت تعزز مكاسبها وباتت لها اليد العليا في الميدان، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتحول نصرها العسكري إلى هزيمة سياسية واستراتيجية، وتقع مجدداً في الفخ الذي وقعت فيه إثر انهيار الاتحاد السوفييتي بداية تسعينيات القرن الماضي.
الوجه الإيجابي من جهود إنهاء الحرب يشير إلى احتمال إرساء السلام في أوروبا وإنقاذها من أخطر حرب تواجهها منذ الحرب العالمية الثانية، وبالمقابل هناك وجه خطير، يتصل بتداعيات فشل هذه الجهود واصطدام الطموح الأمريكي برفض روسي قاطع. وهذا السيناريو، الذي يستبعده كثير من المراقبين، في الوقت الحالي ربما يكون المآل الذي يتجه إليه الوضع، وعندها سيكون على جميع الأطراف التواصل والتفاوض، وقد ينعكس ذلك على تصعيد واسع للحرب، وقد تعود واشنطن إلى سياستها الأولى في دعم أوكرانيا مع الأوروبيين، وهو تطور، إذا حصل، سيكون كارثياً وخطيراً وقد يجعل من المخاوف من توسع الصراع أمراً واقعاً لا يمكن التنبؤ بتداعياته على كل الأطراف والعالم بأسره.