مخاض أوروبي لواقعية جديدة

00:35 صباحا
قراءة دقيقتين

عندما تندلع حرب أو ينشب صراع يسارع المراقبون إلى رصد النتائج الفورية في مسرح الأزمة للتمييز بين الخاسر والرابح، لكن هذه النظرة الأولية غالباً ما تكون خادعة أو ناقصة؛ لأن النتائج الميدانية السريعة لا تعكس دائماً المآلات الاستراتيجية بعيدة المدى، والرابح في الميدان ليس بالضرورة هو الرابح في السياسة والتاريخ.
بعد الحرب في أوكرانيا اندلعت سلسلة من الحروب في الشرق الأوسط، بدأت من قطاع غزة مروراً بسوريا ولبنان وصولاً إلى الحرب بين الولايات المتحدة /إسرائيل وإيران. وهذه السلسلة المتواصلة من النزاعات تكاد ترسم خريطة لمعركة واحدة، وكل منها لم تعرف الحسم بالمفهوم التقليدي وفق معادلة الغالب والمغلوب، فحرب أوكرانيا مازالت مستمرة، على يومياتها المكررة، منذ أكثر من أربعة أعوام من دون وصول أحد الطرفين إلى نصر أو استسلام. وفي الشرق الأوسط مازال الوضع في غزة معلقاً بين الحرب والسلام والأمر نفسه في لبنان. 
أما حرب إيران الأخيرة فقد توقفت بمفعول هدنة، تبدو مفاجئة، ولكن تفاصيلها غامضة ومفتوحة على المجهول، ولا يمكن الاطمئنان إلى مخرجاتها، خصوصاً إذا دخلت في نفق طويل من المفاوضات أو ارتدت إلى المربع الأول من الصراع.
السنوات الأخيرة كانت ملغومة بحروب خطرة وأزمات خانقة لم تقتصر على حيز جغرافي ضيق، بل أثّرت في العالم بأسره، وامتدت تأثيراتها إلى كل مكان بسبب تضرر العصب الاقتصادي وشرايين الطاقة واتساع الشعور باللايقين والضبابية، وتآكل مصداقية العلاقات بين الدول، وهو ما دفع بعضها إلى إعادة اكتشاف ذاتها وهندسة مصالحها وتحالفاتها حتى تواكب المتغيرات وتتحسب للمفاجآت الممكنة. وأبلغ الأمثلة ما تمر به أوروبا منذ أكثر من أربع سنوات، بعد أن تأكد لديها ذلك بفعل سلسلة التوترات في الشرق الأوسط والأزمات الاقتصادية التي صاحبتها. وبعد أن عاشت «القارة العجوز» لعقود تحت مظلة رفاه واستقرار نسبيين، بدأت تستيقظ مؤخراً على وضع جيوسياسي مؤلم، يتلخص في عدد من المعضلات منها قضية الدفاع والأمن، وتتصل مباشرة بعلاقة أقرب إلى العداوة مع روسيا، وتحالف مزعزع الثقة مع الولايات المتحدة، وغموض يواكب الصعود الصيني المتنامي. ومما يجعل الأزمة العامة مستفحلة في أوروبا، تدهور أمن الطاقة الذي أحدث هزة وجودية ضربت السيادة الوطنية لدول القارة وهددت قدرتها على تشغيل المصانع وتحريك مسارات النمو، وصولاً إلى شل دورها العالمي في صناعة القرار الدولي.
الأسابيع والأشهر الأخيرة حملت متغيرات لافتة في المواقف الأوروبية إزاء الأزمات العالمية والعلاقة مع بقية الأطراف، وخصوصاً واشنطن. وما يصدر من لندن وباريس وبرلين وروما بدأ يكشف عن تحول من المثالية السياسية، التي سادت في العقود الماضية، إلى واقعية جديدة تحاول إعادة قراءة كل شيء بناء على قناعات بأن موازين القوى التقليدية قد انتهت إلى غير رجعة وأن الاعتماد على النوايا الحسنة أو النظام الدولي القائم على القواعد الراهنة لم يعد يحمي مصالح هذه الدول في عالم بات يدار بالقوة الغاشمة والابتزاز الاقتصادي. ولأن مثل هذه الأزمات أشبه بمخاضات لولادة التحولات الكبرى، فإن أوروبا، التي تواجه الآن مرحلة حرجة، لديها من الإرث الحضاري والقيم والتجارب ما يوفر لها مسارات للخروج من هذا الوضع ويجعلها مجدداً حجر الزاوية في العالم الجديد.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"