مارلين سلوم

أكثر مسلسل يخشى البعض مشاهدته هو «لام شمسية» لأنه أكثر مسلسل يكشف خفايا النفوس وعُقداً تحملها كل نفس وتخفيها في داخلها خوفاً من أحد ما أو شيء ما، يضعك بين الخوف والانبهار، قصته الرئيسية التحرش بالأطفال لكنه يفتح نوافذ كثيرة تطل من خلالها على أوجاع أخرى تئن منها كل شخصية في هذا العمل، منها ما يتعلق مباشرة بالتحرش ومنها ما له علاقة بالإحساس الحقيقي بالأمومة، ومعنى الأبوة، ومدى تأثير الخوف من مواجهة الحقائق ليس على الشخص نفسه فقط بل على أهل بيته ومعارفه والمجتمع.
كل نموذج في «لام شمسية» حالة تخفي علّة ما، وكل حالة تترك بصمة في الآخرين، حلقة مغلقة لكنها نموذج حقيقي وواقعي يجسد كيفية تأثر المجتمع بأكمله بكل فرد سلبي أو غير سوي.. خذ مثلاً السلبية التي تعاني منها رباب (يسرا اللوزي) بسبب تهديد زوجها وسام (محمد شاهين) لها وتعمده إعطاءها أدوية للاكتئاب كي تبقى شبه مغيّبة وبلا إرادة، صمتها سمح لوسام بالتحرش بابن صديق عمره الطفل يوسف (علي البيلي)، وبلا شك أذى أطفالاً آخرين من تلامذته في المدرسة، وأنانية طارق والد يوسف (أحمد السعدني) جعلته يخفي حقيقة علاقته بزميلته في العمل ورمي مسؤولية تربية ابنيه يوسف وياسين على زوجته نيللي (أمينة خليل)، التي بدورها تعاني مشاكل نفسية تعجز عن تحديد أسبابها.. ويبدو من نظرات والدة وسام (صفاء الطوخي) أنها تعلم حقيقة ابنها وتخفيها عن الجميع.
كل ما في هذا المسلسل ينتمي إلى معنى ومضمون لام شمسية، فهي ظاهرة ومخفية، موجودة ولكن لا يمكن أن تُنطق، وكل شخصية في مسلسل «لام شمسية» تخفي حقيقة لا يمكن أن تُنطق، أو تخاف البوح بها، مريم نعوم أبدعت في كتابة هذا العمل وتناول القضايا النفسية والاجتماعية الخطرة وشديدة الحساسية، كما يستحق المخرج كريم الشناوي جائزة على هذا التميز في الإخراج، الكادرات، اختيار الممثلين، زوايا التقاط كل مشهد، الباب الزجاجي ورؤية الحقيقة من خلفه وكأنها خيالات ما يسمح للموقف بأن يبقى عالقاً بين الشك واليقين.. ناهيك عن اختيار الطفل علي البيلي لتأدية دور صعب، طفل يتعرض للتحرش ويخفي خوفه وتضارب مشاعره وعدم فهمه للحقيقة..
علي البيلي، رغم خوضه تجربة التمثيل لأول مرة، تخطى حدود مقارنته بأي ممثل هذا الموسم، وأمينة خليل تتربع على العرش وحدها، حقيقية وطبيعية وصادقة في كل موقف وكل إحساس، ممثلة لا تشغل بالها بماكياج ولا مظهر، متمكنة جداً من كل أدواتها، تجسد الأمومة كما لو أنها تحتضن فعلياً طفليها رغم أنها في الواقع ليست أماً، في عينيها خوف يجعلك تخاف معها وتخاف عليها، رعشة يديها وحركة بدنها.. كذلك محمد شاهين متفوق بأداء دور الرجل الذي يجعلك تكرهه وتشعر بالاشمئزاز منه وكأنه المتحرش لا محمد شاهين الممثل، تحية أيضاً للرائع أحمد السعدني الذي يقنعك بأنه الزوج والأب السلبي الأناني في كل حركة ونظرة، وليسرا اللوزي وأسيل عمران وكل من شارك في هذه التحفة الفنية.
[email protected]