د. علي محمد فخرو

هناك إمكانات تعاونية عربية مشتركة، في العديد من الحقول التي تستطيع الجامعة العربية أن تعرضها على أعضائها، من دون وقوف العوائق والمماحكات السياسية العربية التي وجدت مؤخراً بين بعض الأقطار العربية، لأسباب خارجية وداخلية.
أحد المجالات التي باستطاعة العرب أن يقيموا فيها مشاريع عربية مشتركة، هو المجال الاقتصادي بشتى فروعه ومستوياته وتنوعاته الإنتاجية والخدمية.
لنذكر أنفسنا في الحال، بأننا أمام مشهد فيه ناتج محلي إجمالي عربي، وصل في السنة الماضية إلى ثلاثة وستة أعشار التريليون دولار (أي ثلاثة آلاف وستمئة بليون دولار)، وأن قيمة التجارة الخارجية العربية في السلع والخدمات قد تجاوزت ثلاثة وثلاثة أعشار التريليون، وأن فائض الميزان التجاري لعام 2024 على سبيل المثال، قد وصل إلى مئة وسبعة وسبعين مليار دولار.
نحن إذن نتكلم عن مبالغ هائلة، إن استعمل جزء منها للقيام بمشاريع اقتصادية تكاملية عربية، وبتدرج معقول، سنحقق الكثير من الفوائد لجميع الأقطار العربية، بدلاً من تركز الناتج المحلي الإجمالي العربي وفوائده في دول قليلة هي السعودية والإمارات ومصر والعراق والجزائر. ولا ننسى أننا أمام جغرافيا هائلة للوطن العربي تصل إلى ثلاثة عشر مليون كيلومتر مربع والتي تكوّن 10% من مساحة العالم، وعددٍ من السكان كبير يصل إلى نحو أربعمئة وسبعين مليون نسمة. وأخيراً نحتاج إلى أن نشدد على أننا نتكلم عن أمة ووطن، يملكان أربعة وخمسين في المئة من احتياطي نفط العالم، ونحو ثلاثين في المئة من احتياطي الغاز الطبيعي العالمي، أي يملكان طاقة ذاتية هائلة محركة للتنمية.
لكن، لا بد من كلمة، فنسبة الفقر في الوطن العربي قد وصلت إلى نحو ستة وثلاثين في المئة، ونسبة البطالة 11 في المئة، والتنمية المستدامة متعثرة. هناك إذن مشهد غنىّ مريح، يقابله مشهد فقرٍ مرعب محبط.
وإذا ما تبنّت أنظمة الحكم العربية على مستوى الجامعة العربية، وبإسناد تام ومباركة من قبل مؤسسة قمة الرؤساء العرب، ومن ثم بتنسيق مع دول منظمة التعاون الإسلامية المشاريع المشتركة، فإنها جميعها تتبنّى إحياء واحد من أكبر المشاريع التي ناضلت القوى العروبية التقدمية من أجل تحقيقه، منذ استقلال أقطار الوطن العربي، واعتبرته من أهم المداخل المستقبلية، لقيام نوع من الوحدة التكاملية التضامنية العربية، كخطوة أولى في سبيل تحقق وحدة الأمة العربية ووطنها العربي الكبير، في ظل تنمية إنسانية مستدامة تخرج الأمة والوطن من تخلفهما التاريخي الحالي.
ويستطيع القادة التأكد من أن القوى المجتمعية، بكل ألوانها وأيديولوجياتها، ستسند مثل هذه الخطوة، وتناضل في سبيل نجاحها، وعدم تعثرها بسبب تدخلات أو مؤامرات أو ابتزازات الخارج الاستعماري -الإسرائيلي على الأخص.
هناك بدايات وخطوات وتوجهات في هذا المشروع الكبير البالغ الأهمية، مثل الطاقة والمياه والزراعة والمواصلات ومراكز الأبحاث التكنولوجية وحقول التواصل الإلكتروني، والصناعات التحويلية وموضوعات تكنولوجية مستجدة، مثل الروبوتات والذكاء الاصطناعي، يمكن القيام بها. إنها قائمة طويلة يمكن تصنيفها في أولويات أمنية، وفي خدمات مستعجلة، وفي تأثيرات إيجابية لأكبر عدد من المواطنين العرب.
وهناك أيضاً فائدة في جميع الأحوال، ستشمل كل قطر عربي، مثلما تشمل الأمة كلها، وبالتالي فحيث تكون تضحيات ستعّوضها فوائد جمّة: وسنرى أننا لا نحلم، وإنما نتبنّى الواقع الذي تسير نحوه كل دول العالم في كل القارات، بأشكال تلائمها، وبخصوصيات تساير ثقافاتها وحضاراتها وإمكاناتها المادية المميزة لها، والمتطلبات الجغرافية التي تحيط بها.
ومثلما فعل البعض في الداخل، وفي الخارج بالنسبة للمشروع العروبي القومي النهضوي، من تسفيه وغمز ولمز، لاستحالة تفعيل مكوناته في الواقع، فإنهم سيفعلون الأمر نفسه بهذا المشروع. لكن هذه الأمة بملايينها المناضلة التي اهتزت الأرض تحت أقدامها منذ بضع سنين، لن تنحني لأعدائها طال الزمن أم قصر.

[email protected]