الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
علي محمد فخرو
شغل منصب وزير الصحة ووزير التربية والتعليم سابقاً في البحرين
أحدث مقالات علي محمد فخرو
15 مايو 2025
خطوتان قبل الانطلاق

د. علي محمد فخرو

هناك خطوتان يجب أن تتحقّقا في اللحظة الراهنة التي تعيشها الأمة العربية، وذلك لأنهما مدخلان رئيسيان لتحقق أي أحلام وأهداف كبرى مستقبلية. واحدة من الخطوتين تتعلق بالنظام الرسمي العربي، والثانية تتعلق بالمجتمعات المدنية العربية.
*أولاً – في غياب أو تراجع الحماسة الرسمية العربية لأي خطوات وحدوية أو تضامنية في ما بين الأقطار العربية، كما كان الحال في الخمسينات من القرن الماضي، وبسبب «الضمور أو التشّوه الذي حل بالتجمعات العربية» أو ذلك العبث من هذه الجهة الداخلية أو تلك، أصبح الطريق الوحدوي العربي الرسمي المتبقي هو طريق الجامعة العربية.
ولكي يكون طريق الجامعة العربية طريقاً يقود إلى مشروعات تكاملية وتضامنية وحدوية عربية، أو يبني ويقوي شتّى أنواع الأمان العربي في وجه المؤامرات والانتهاكات الاستعمارية المتعاظمة، لا بد من البدء بجعل الجامعة العربية قوية وفاعلة وكفؤة بعد أن أصابها مؤخراً الوهن والعجز وقلة الحيلة.
وهذا سيستدعي إجراء إصلاحات جذرية لأهداف وتركيبات الجامعة تجعلها قادرة على طرح المبادرات دون انتظار هذه الدولة العضو أو تلك لتقوم بذلك، وبالتالي جعلها تملك حقوقاً قانونية وسياسية أكبر وتتحمل مسؤوليات أثقل بكثير، أي جعلها مؤسسة فعل في الواقع العربي وليس مؤسسة كلام فقط، كما فرض عليها طوال تاريخها.
وأعتقد أن هذه الخطوة يمكن بدؤها بأحد الطريقين التاليين: قيام أحد أو مجموعة من الدول الأعضاء بطرح اقتراح إجراء ذلك الإصلاح، أو قيام الجامعة العربية نفسها بدعوة مجموعة من المفكرين والمثقفين والمناضلين السياسيين العرب، ومن بعض المؤسسات العربية البحثية المشهود لها بالبحوث الرّصينة، من أجل تدارس الأمر ووضع تصور متكامل عن عملية الإصلاح، ومن ثم تقديمه إلى مجلس الجامعة لمناقشته وتفعيله.
إن جامعة جرى إصلاحها وتوسعة مسؤولياتها وتجديد روحيتها وأنشطتها وربط أهدافها بتغيير الواقع العربي المريض المجزّأ المنتهك يومياً من أوروبا وإسرائيل ومع الأسف من بعض دول الإقليم المجاورة، هي المدخل الوحيد الرسمي المتبقي حالياً. من دون ذلك فإن مستقبل الوجود العربي في هذا الإقليم سيكون غامضاً ومعرّضاً لمخاطر خارجية جمة، وهو ما يجب أن تعيه كل أنظمة الحكم العربية، وذلك قبل أن تنفجر حمم الغضب في وجوهها.
ويتمنى الإنسان أن يسهم بعض الإخوة من المفكرين والكتاب والمثقفين في مناقشة صواب أو خطأ أو مشاكل هذا الاقتراح المتصّور.
*ثانياً – إن تضعضع وضعف الكثير من الأحزاب والحركات القومية الوحدوية في منشئها القُطري وامتداداتها القُطرية عبر الخمسين سنة الماضية قد قاد إلى فراغ سياسي وحدوي ملأته قوى حاملة لشعارات أخرى غير وحدوية التوجه. لقد تراجع الزخم النضالي الوحدوي كثيراً وتكالبت عليه قوى الاستعمار، تشويهاً وإخراجاً من الذاكرة الجمعية الشعبية العربية، خصوصاً بعد أن تساقطت أنظمة حكم عربية عدة كانت رافعة لشعار الوحدة العربية وداعمة لقوى المجتمعات العربية القومية.
وهكذا فمثلما أن المجال العربي الرسمي يحتاج إلى تفعيل الجامعة العربية لإعادة الحياة للتوجهات الوحدوية التكاملية كخطوة أولى، فكذلك ستحتاج المجتمعات العربية المدنية لتكوين حركة أو جبهة شعبية تنسيقية تضامنية يحسب لها ويشعر بوجودها المجتمع الدولي وترجع التوازن فيما بين الدولة والمجتمع.
هذان مثلان من خطوات، إن فعّلت ولم تترك في سكونها الحالي المخجل، فإن الأمل هو الانتقال إلى الأهداف الكبرى للأمة وللزّخم الجماهيري الضروري للخروج من الموت البطيء الذي نعيشه.

1 مايو 2025
في مواجهة علل الدولة العربية

د. علي محمد فخرو

في مقال الأسبوع الماضي بينّا أن كثيراً من علل سلطات الحكم في بعض الدول العربية سببها متجذر في ظروف قيام هذه الدول على أسس موروثات عربية – إسلامية تاريخية، سياسية واجتماعية وثقافية ومذهبية طائفية، تتناقض والأسس التي قامت عليها مكونات شرعية الدولة/ الأمة العصرية، وعلى الأخص المكونات المفصلية الحقوقية والقانونية والديمقراطية.
ذلك أن دولة مصابة بألف علة وعلة عند نشأتها لا يمكن إلا أن تفرز وتتعايش مع سلطات حكم هي الأخرى مليئة بالعلل.
فما هي تلك العلل البنيوية في الدولة العربية الحديثة التي نتجت عن ظروف نشأتها وتكونها التاريخي الحديث؟ إنها باختصار شديد تتمثل في الآتي:
* أولاً: الاختراق المذهبي الطائفي والعرقي والجهوي لمؤسسات المجتمع المدني، ومن ثم لكثير من المؤسسات العامة، وإضعاف قدرة كليهما على الدخول في عوالم الحداثة الفكرية والسلوكية. والنتيجة هي إعاقة الدولة في أن تقوم على أسس شرعية ديمقراطية عادلة لمنع أن تُحكم أو تُدار من قبل سلطة تسلطية تمثل مصالح مجموعة محدودة أو أقلية مذهبية أو عرقية بدلاً من تمثيل كل المواطنين بالتساوي في الحقوق والمسؤوليات.
* ثانياً: أدت تلك الولاءات الفرعية إلى وجود خلل وضعف في مشاعر المواطنين تجاه شرعية الدولة العربية الحديثة، وبالتالي أدى هو الآخر إلى خلل في الشرعية السياسية التي بدلاً من أن تقوم على أسس ديمقراطية تداولية تشاركية مع المجتمع انقلبت إلى علاقات أبوية تسلطية، نرى نتائجها اليوم في الدمار الهائل والانحطاط المعيب الذي أصاب العديد من الدول القُطرية العربية وجعلها دولاً ينهشها الخارج ويفسدها الداخل.
وبهذا أصبحت دولاً لا تستطيع أن تنفصل وتستقل عن شخص الحاكم ولا أن تتغير أنظمة حكمها وتنضج، معتمدة في إدامة ذلك المشهد الحزين على القمع الأمني السافر والمبطن وعلى التفنن في علاقات الزبونية مع الخارج وفي تكريس العلاقات الرعوية الاقتصادية التاريخية مع مجتمعها.
* ثالثاً: ولكن أخطر نتائج تلك المشاهد والعلاقات المريضة استشراء الفساد السياسي والإداري، بل وتجذّره في بعض المجتمعات وارتقائه إلى أن يصبح مؤسسة لها أنظمتها وعلاقاتها الخاصة بها وعلى ابتداعها شتى التلاعبات الظاهرة والخفية في حقول السياسة والقضاء والإعلام على الأخص.
وبالرغم من وجود أجهزة رقابة إدارية وقانونية إلا أنها في الأغلب معطلة الفاعلية بالنسبة لهذه الجهة أو تلك القوة الحاكمة.
ولقد أوقفت ظاهرة الفساد نضج وتطوير استراتيجيات التنمية الإنسانية العربية وجعلتها تدور حول نفسها عقداً بعد عقد من الزمن. كما شوهت كل محاولات الاستقلال الوطني والقومي وأبقت الدولة العربية تابعة وخاضعة حتى بعد استقلالها التاريخي المبهر.
تحت تلك العناوين الثلاثة الكبيرة توجد عشرات العلل والتشوهات التي صاحبت نشوء الدولة العربية ومسيرتها المتعثرة. وهي تحتاج إلى أن تواجه بنفس القوة والإرادة التي ستواجه بها المجتمعات العربية تشوهات الكثير من سلطات إدارة وحكم الدول العربية الحديثة.
من هنا، لعل الأفضل ألا نتحدث عن أولوية هذا النضال أو ذاك، وإنما نركز على تفاصيل تناسق وتكامل النضالات الشعبية والمدنية العربية الرامية لإصلاح الدولة العربية ومعالجة علل سلطات حكمها في الآن نفسه. ذلك أن مرض الجهتين قد أصبح مرضاً خطراً واحداً، يهدد الوجود العربي برّمته.
[email protected]

24 أبريل 2025
إصلاح الدولة.. أم علاج السلطة؟

د. علي محمد فخرو

هذا الجحيم الذي تعيشه أمتنا العربية، الممزّقة، المنغمسة في صراعات عبثية منهكة، يجعلنا نطرح السؤال المفصلي الآتي: ماذا يجب أن نتعامل معه كأولوية في هذه المرحلة: إصلاح الأسس التي قامت عليها الدولة الوطنية العربية الحديثة أم مواجهة الأمراض التي أصابت سلطة تلك الدولة؟
الجواب عن هذا السؤال سيقرّر تركيبة وأساليب عمل وأهداف النضال المدني والجماهيري الآن وفي المستقبل القريب.
ومن أجل أن نعرف مكمن المشكلة التي نطرحها دعنا نبدأ أولاً بتبيان ظروف أسس قيام الدولة العربية القُطرية بعد نهاية الخلافة العثمانية على يد الغرب أو بعد تقسيم المشرق العربي من قبل الاستعمارين الإنجليزي والفرنسي كما خططها مشروع سايكس - بيكو الاستعماري الشهير. كانت تلك اللحظة التاريخية بداية أزمة الدولة في مكوناتها التي تتناقض مع مفاهيم الدولة/ الأمة الحديثة، ومع غياب أسس عصرية لشرعية سلطات تلك الدولة التي حلت محل الأتراك العثمانيين أو محل قوى الاستعمار عندما تراجع ورحل من أرض بلاد العرب.
نحن هنا أمام مشهدين تاريخيين: الأول مشهد الدولة/ الأمة في أوروبا التي وصل عمرها إلى أربعة قرون تقريباً، والثاني مشهد الدولة (بدون توحد الأمة بعد) في بلاد العرب التي وصل عمرها حالياً إلى بضعة عقود من السنين فقط.
ظروف ولادة الدولة العربية القطرية الحديثة نقلت في الحال إليها قائمة من مواريث سياسية وعرقية وجهوية واجتماعية وثقافية ودينية كانت حصيلة عدة قرون من النظام العربي - الإسلامي المهيمن على الشرق أوسطية برمتها.
على رأس قائمة تلك المواريث الترسخ التاريخي للقبلية والعشائرية والطائفية المذهبية والحساسيات العرقية، والكثير من السلوكيات والعادات الاجتماعية البدائية، ومن مفاهيم مغلوطة كإشكاليات مفاهيم الدولة الدينية ومصطلحي الخلافة والإمامة.
كانت قائمة من المواريث التي أقحمت الدين في كل جانب من جوانب قيام الدولة، وذلك بالرغم من أن علماء إسلاميين كباراً من أمثال محمد عبده والشيخ محمد مهدي شمس الدين وغيرهما قد أكدوا قبل قرن من قيام الدولة العربية أن الخلافة هي عمل سياسي، والخليفة حاكم مدني، وأن الدولة غير مقدسة، وأنها في الدرجة الأولى كيان سياسي وقانوني، وأنه في أقصى الأحوال تمثل الدولة العربية، في إطار الإسلام، دولة الاجتهاد البشري في سياق الالتزام بتنفيذ مبادئ العدل والإحسان، والنهي عن المنكر، وكرامة الإنسان وحريته.
إن دولة تنشأ وهي مثقلة بكل تلك المواريث لا تستطيع أن تفرز سلطة لتحكمها وتديرها وتنمّيها، تتّسم بالمدنية والحداثة، وبالتالي بالديمقراطية الشرعية. وهذا ما حصل للغالبية الساحقة من دول العرب القُطرية، مهما كانت طبيعتها، قبلية أو دينية أو عسكرية أو مدنية لبرالية. جميعها وقعت تحت أمراض تلك المواريث التي كوّنت الدولة العربية القُطرية في بداية عهدها.
وهكذا وجدت الأمة العربية، وقبل أن تتوحد وتبني نفسها في الواقع، مثقلة بدولة فيها كثير من التشوهات، وبسلطة تحكمها فيها كثير من العيوب.
وفي الحال نواجه هذا السؤال: من أجل الخروج من هذه الحلقة المفرغة، هل الأولوية في أجندة النضال الشعبي والمدني العربي للتركيز على إصلاح الدولة أم التركيز على مواجهة سلطاتها وبناء سلطات أفضل تقوم هي الأخرى بإصلاح الدولة؟
هذا سؤال بالغ الأهمية، لأن الإجابة عنه ستقرر الجوانب النضالية السياسية في واقع المجتمعات العربية وستحدّد نوع النضال المطلوب في المستقبل.
لقد ركزت مؤتمرات ومناقشات جرت سابقاً على الجوانب النظرية والفكرية، بينما المطلوب هو النزول إلى الواقع ومواجهته.

[email protected]

17 أبريل 2025
التكامل العربي في النقل والمواصلات

د علي محمد فخرو

أظهرت دراسات كل مشاريع التكامل الإقليمية، من مثل مشروع التكامل العربي التنموي الشامل، بأن نجاح قيامها وتحقق أهدافها سيتعثران إذا لم يصاحبها بناء الهياكل الأساسية للبنية التحتيّة وعلى الأخص بنى النقل والاتصالات.
ويستطيع من يود الاطلاع على تجربة تاريخية فريدة قامت في منطقتنا أن يقرأ عن تجربة تشييد الخط الحديدي الحجازي في ما بين مدينتي دمشق والمدينة المنوّرة، الذي بناه الأتراك في بداية القرن العشرين، ليتعرف إلى الأدوار الدينية والاقتصادية والسياسية والأمنية التي تحققت بعد قيام ذلك المشروع.
كما أن الجامعة العربية، منذ إنشائها، قد قررت مراراً وتكراراً على أهمية مواكبة هذه البنية التحتية لكل أنواع الاتفاقيات الاقتصادية بين أقطار الوطن العربي، بدءاً من اتفاقية مجلس الوحدة الاقتصادية عام 1980، مروراً باتفاقية استراتيجية النقل والمواصلات العربية التي أقرها وزراء النقل العرب عام 1989.
ولعلّ أحد أسباب تآمر الغرب الاستعماري في قيام إسرائيل على الأرض الفلسطينية وبالتالي فصل المشرق العربي عن مغربه، هو منع وإفشال مثل هذه المشاريع التكاملية العربية في حقلي النقل والمواصلات.
ولما كانت الجامعة العربية هي الجهة الوحيدة المخولة قانونياً بالمبادرة والمتابعة لموضوع التكامل الإقليمي العربي في كل الاتفاقيات الاقتصادية التي أشرنا إلى بعضها فإنها، بالنسبة لهذا النشاط الحيوي المتعلق بالنقل والمواصلات، تستطيع أن تطرحه على مراحل.
ويمكن أن تكون بداية المرحلة الأولى، تكوين شركة عربية مشتركة يعهد إليها مسؤولية إنشاء شبكة موحدة للنقل والاتصلات بحيث تتكامل فيها مسؤوليات وسائل النقل المختلفة من برية وبحرية، وبعد حين حتى الوسيلة الجوية.
وبالطبع يكون الهدف المفصلي لهذا المشروع تحسين وتسهيل التدفقات السلعية وانتقال الأفراد بيسر عبر الوطن العربي كله. وأعتقد أن الربحية وإمكانية الانتقال لتصبح عالمية ستكون مغرية بالنسبة لأغلب الأقطار العربية، بما فيها مساهمات القطاع الخاص في التمويل والاستعمال بدلاً من اللجوء المكلف للشركات غير العربية.
إن قيام الجامعة العربية بالدعوة الجادة لقيام شركات قطاعية كبرى، كالتي اقترحنا قيامها في حقل التصنيع الحربي للتقليل من الاعتماد على الخارج وابتزازاته وكالتي نقترحها اليوم في حقل النقل والمواصلات لدخول العرب في ساحة النشاط العالمي للنقل والمواصلات، سيسهم مساهمة هائلة في تنفيذ أحد مكونات المشروع النهضوي العربي: مكوّن التنمية العربية المستدامة، سواء تكاملية أو إندماجية.
وإذ نتقدم بتلك التصورات فإننا لا نقفز على بديهية أن السير في طريق التكامل يحتاج أن يسير متوازياً وجنباً إلى جنب مع السير في طريق التنمية التي لا تقف عند الاقتصاد وإنما تتعداه إلى حقول السياسة والاجتماع والثقافة والقيم الإنسانية الكبرى، لكن ضعف إرادة الفعل في الجسم العربي، الذي ازداد مؤخراً إلى حدود الخطر، يحّتم قبول القليل، فلعلّه يقود إلى الأحسن ثم الأصوب، وعلى الأخص إبعاد موضوع الشرق الأوسط التكاملي الذي يراد لدور العرب فيه أن يكون هامشياً وتابعاً وخاضعاً.
وفي قلب تلك التصورات ضرورة خروج التكامل العربي من الصّيغ التعميمية إلى تخصيصية تحمل قدراً أكبر من الوضوح والتركيز ومكامن الجدوى.
وفي قلبها يكمن أيضاً الأمل المعقول بأن الانتقال إلى عوامل التكامل، في الاقتصاد والاجتماع والمعرفة والتكنولوجيا، سيقلّل من الخصومات السياسية والطائفية والقبلية العبثية التي يشعلها الخارج وخدمه في الداخل بأشكال لا تحصى وتحت مسميات كاذبة لا تنتهي، حتى تبقى هذه الأمة ممزّقة وضعيفة.
ولعل الوعي الجديد بأهمية تنشيط مؤسسات المجتمعات المدنية العربية ليكون لها وزنها ولتلعب أدوارها سيسّهل كثيراً هدف التوجه نحو خطوة التكامل القطاعي الذي أبرزنا بعضاً من أنواعه السابقة الناجحة ومن أنواعه المأمولة اللاحقة.

[email protected]

10 أبريل 2025
مشاريع مشتركة في الصحة والتربية

د. علي محمد فخرو

إذا كانت إمكانيات قيام مشاريع عربية مشتركة كثيرة ومتنوعة في حقل الاقتصاد، كما بيّنا في مقال سابق، فإن الأمر ينطبق بصورة أكبر في حقل العلوم والتكنولوجيا. هنا توجد إمكانيات هائلة وواعدة ومتنامية.
سأسرد مثالين تحققا في الواقع العربي، أحدهما على المستوى القومي الشامل، والثاني على مستوى إقليم الخليج العربي.
ففي منتصف السبعينات من القرن الماضي كان مجلس وزراء الصحة العرب ومجلس وزراء الصحة في الخليج العربي يجتمعون دورياً وينسقون نشاطات وزاراتهم ومواقفهم الدولية. وكانت إحدى الشكاوي هي هجرة العقول الطبية التخصصية العربية إلى خارج الوطن العربي عندما يذهبون إلى الخارج للتدريب أو لأخذ شهادات التخصصات العليا.
عند ذاك تقدمت البحرين إلى وزراء الخليج بمذكرة تقترح فيها تشكيل المجلس العربي للاختصاصات الطبية، والاعتراف به كجهة تدريب للاختصاصات الطبية العليا، وكسلطة تمنح شهادات تلك الاختصاصات بعد إجراء امتحانات تشرف عليها.
ولقد أقر الوزراء الاقتراح، وتمّ رفعه إلى مجلس وزراء الصحة العرب لتبنّيه هو الآخر. وخلال بضعة أشهر تمت كل المداولات وولادة المجلس العربي للاختصاصات الطبية، الذي بدأ عمله بإعطاء تدريب وامتحانات وشهادات في أربعة تخصصات، ازدادت تدريجياً حتى وصلت إلى نحو خمسين تخصصاً. ولقد تخرّج خلال النصف قرن ذاك عشرات الألوف من الأطباء الأخصائيين العرب، وعملوا في طول وعرض الوطن العربي كله.
وما كان لذلك المشروع القومي أن ينجح ويتغلب على شكوك البعض تجاه نجاحه لولا مجموعة من وزراء الصحة المتحّمسين الملتزمين الذين وقفوا مع المشروع بكامل طاقتهم، ولولا حماس الجسم الطبي العربي للدخول في تلك التجربة المشتركة، ولولا المشاعر المجتمعية العربية العامة التي كانت تشجع شعارات الوحدة العربية والعمل العربي المشترك في كل مجال، ودون أي استثناء.
اليوم يقف هذا المجلس شامخاً ودالاًّ على أنه عندما تتوفر الإرادة ويتوفر العرب الرسميون وغير الرسميين الملتزمون بالمصير العربي الواحد فإن الإنجازات العربية ممكنة وكثيرة.
المثال الثاني يتمثل في قرار وزراء التربية في الخليج العربي بإنشاء جامعة مشتركة تتخصص في مجالات الطب الحديثة، وتمارس أحدث الوسائل التعليمية من جهة، وتضيف تعليم تخصصات في مجالات حديثة ومعاصرة من مثل علوم البحار والفضاء والجينات والتكنولوجيا التواصلية والإدارة وغيرها من جهة أخرى. كان ذلك في بداية الثمانينات وكان القرار أن تكون في البحرين مقراً.
مرة أخرى وجد المشككون والمثبطون، ووجدت العقبات المالية وضعف الالتزامات عند البعض، لكن مجالس أمناء جامعة الخليج العربي المتعاقبة وإداراتها النشطة ووجود ثلّة من المؤمنين بالأهمية القصوى للعمل العربي المشترك بشتى صوره وفي أي مستوى أدت إلى نجاح الجامعة وتوسعها عبر الخمسين سنة الماضية.
وكمجلس التخصصات الطبية العربي تقف جامعة الخليج العربي شامخة ومؤكدة أن العمل العربي المشترك ممكن عندما يتوفر الالتزام وتقوى الإرادات.
ولقد استطاعت الأغلبية الساحقة من مؤسسات المجتمعات العربية المدنية القُطرية أن تنأى بنفسها عن المماحكات والصراعات الرسمية العربية، وتكوين عشرات الاتحادات العربية المشتركة العاملة على مستوى الوطن العربي كله بتنسيق وتضامن.
وكما جاءت مثل تلك المبادرات من قبل وزراء تحلّوا بالشجاعة وتحّمل المسؤولية باستقلال معقول ضمن عملهم في حكومات رسمية، فإن المطلوب الآن من وزراء اليوم أن يبادروا ويقترحوا ويناضلوا من أجل ما يؤمنون به من أجل مشاريع مشتركة، تفيد الجميع وتدفع نحو أجواء وحدوية، ومن ثم إلى أهداف وحدوية.
وكما استجاب الجسم الطبي بحماس، واستجاب الجسم التربوي من دون تردد في خلق هذين المشروعين يداً بيد مع المسؤولين الحكوميين الملتزمين الشرفاء يستطيع المشهد ذاته أن يتكرر اليوم من دون أن تثبطه المآسي التي حلَّت بالعمل السياسي العربي القومي المشترك.
هذه أحد أنواع الردود المطلوبة في وجه التدخلات والأحلام الاستعمارية والصهيونية التي تسعى لتفتيت هذه الأمة وإضعافها وتدمير هويتيها العروبية والإسلامية.

[email protected]

3 أبريل 2025
نحو مشاريع اقتصادية تكاملية

د. علي محمد فخرو

هناك إمكانات تعاونية عربية مشتركة، في العديد من الحقول التي تستطيع الجامعة العربية أن تعرضها على أعضائها، من دون وقوف العوائق والمماحكات السياسية العربية التي وجدت مؤخراً بين بعض الأقطار العربية، لأسباب خارجية وداخلية.
أحد المجالات التي باستطاعة العرب أن يقيموا فيها مشاريع عربية مشتركة، هو المجال الاقتصادي بشتى فروعه ومستوياته وتنوعاته الإنتاجية والخدمية.
لنذكر أنفسنا في الحال، بأننا أمام مشهد فيه ناتج محلي إجمالي عربي، وصل في السنة الماضية إلى ثلاثة وستة أعشار التريليون دولار (أي ثلاثة آلاف وستمئة بليون دولار)، وأن قيمة التجارة الخارجية العربية في السلع والخدمات قد تجاوزت ثلاثة وثلاثة أعشار التريليون، وأن فائض الميزان التجاري لعام 2024 على سبيل المثال، قد وصل إلى مئة وسبعة وسبعين مليار دولار.
نحن إذن نتكلم عن مبالغ هائلة، إن استعمل جزء منها للقيام بمشاريع اقتصادية تكاملية عربية، وبتدرج معقول، سنحقق الكثير من الفوائد لجميع الأقطار العربية، بدلاً من تركز الناتج المحلي الإجمالي العربي وفوائده في دول قليلة هي السعودية والإمارات ومصر والعراق والجزائر. ولا ننسى أننا أمام جغرافيا هائلة للوطن العربي تصل إلى ثلاثة عشر مليون كيلومتر مربع والتي تكوّن 10% من مساحة العالم، وعددٍ من السكان كبير يصل إلى نحو أربعمئة وسبعين مليون نسمة. وأخيراً نحتاج إلى أن نشدد على أننا نتكلم عن أمة ووطن، يملكان أربعة وخمسين في المئة من احتياطي نفط العالم، ونحو ثلاثين في المئة من احتياطي الغاز الطبيعي العالمي، أي يملكان طاقة ذاتية هائلة محركة للتنمية.
لكن، لا بد من كلمة، فنسبة الفقر في الوطن العربي قد وصلت إلى نحو ستة وثلاثين في المئة، ونسبة البطالة 11 في المئة، والتنمية المستدامة متعثرة. هناك إذن مشهد غنىّ مريح، يقابله مشهد فقرٍ مرعب محبط.
وإذا ما تبنّت أنظمة الحكم العربية على مستوى الجامعة العربية، وبإسناد تام ومباركة من قبل مؤسسة قمة الرؤساء العرب، ومن ثم بتنسيق مع دول منظمة التعاون الإسلامية المشاريع المشتركة، فإنها جميعها تتبنّى إحياء واحد من أكبر المشاريع التي ناضلت القوى العروبية التقدمية من أجل تحقيقه، منذ استقلال أقطار الوطن العربي، واعتبرته من أهم المداخل المستقبلية، لقيام نوع من الوحدة التكاملية التضامنية العربية، كخطوة أولى في سبيل تحقق وحدة الأمة العربية ووطنها العربي الكبير، في ظل تنمية إنسانية مستدامة تخرج الأمة والوطن من تخلفهما التاريخي الحالي.
ويستطيع القادة التأكد من أن القوى المجتمعية، بكل ألوانها وأيديولوجياتها، ستسند مثل هذه الخطوة، وتناضل في سبيل نجاحها، وعدم تعثرها بسبب تدخلات أو مؤامرات أو ابتزازات الخارج الاستعماري -الإسرائيلي على الأخص.
هناك بدايات وخطوات وتوجهات في هذا المشروع الكبير البالغ الأهمية، مثل الطاقة والمياه والزراعة والمواصلات ومراكز الأبحاث التكنولوجية وحقول التواصل الإلكتروني، والصناعات التحويلية وموضوعات تكنولوجية مستجدة، مثل الروبوتات والذكاء الاصطناعي، يمكن القيام بها. إنها قائمة طويلة يمكن تصنيفها في أولويات أمنية، وفي خدمات مستعجلة، وفي تأثيرات إيجابية لأكبر عدد من المواطنين العرب.
وهناك أيضاً فائدة في جميع الأحوال، ستشمل كل قطر عربي، مثلما تشمل الأمة كلها، وبالتالي فحيث تكون تضحيات ستعّوضها فوائد جمّة: وسنرى أننا لا نحلم، وإنما نتبنّى الواقع الذي تسير نحوه كل دول العالم في كل القارات، بأشكال تلائمها، وبخصوصيات تساير ثقافاتها وحضاراتها وإمكاناتها المادية المميزة لها، والمتطلبات الجغرافية التي تحيط بها.
ومثلما فعل البعض في الداخل، وفي الخارج بالنسبة للمشروع العروبي القومي النهضوي، من تسفيه وغمز ولمز، لاستحالة تفعيل مكوناته في الواقع، فإنهم سيفعلون الأمر نفسه بهذا المشروع. لكن هذه الأمة بملايينها المناضلة التي اهتزت الأرض تحت أقدامها منذ بضع سنين، لن تنحني لأعدائها طال الزمن أم قصر.

[email protected]