حرب غزة.. وعلاقة إسرائيل بأمريكا

00:51 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. ناجي صادق شرّاب

لقد أعادت حرب غزة على مدار الستة عشر شهراً سؤال العلاقة من جديد بين الولايات المتحدة كدولة القوة الأولى الأحادية في العالم والمتحكمة والمسيطرة على القرار الدولي وإسرائيل كدولة قوة محدودة ومحكوم على بقائها بواقعها الجغرافي في قلب العالم العربي.
لقد خضعت العلاقات بينهما للعديد من الدراسات والتي تتلخص في أن هذه العلاقات تحكمها العوامل السياسية والأمنية والمصالح القومية لكل دولة والاعتبارات الأيديولوجية، ودور الأصولية المسيحية التي يصل عدد أتباعها إلى أكثر من ستين مليون نسمة في أمريكا، ويؤمنون بأن عودة المسيح مرهونة بعودة اليهود كلهم لكل فلسطين التي يعتبرونها أرضهم التاريخية، إضافة إلى الاعتبارات السياسية التي تحكم النظام الانتخابي الأمريكي ووجود أكثر من ثلاثة ملايين يهودي يتمركزون في الولايات الكبيرة التي تتحكم بمن يفوز في أي انتخابات رئاسية أو على مستوى الكونغرس، أضف إلى ذلك عنصر المال الذي هو عماد السياسة الأمريكية اليوم وهو بيد الأثرياء اليهود وتحكّمهم في وسائل الإعلام التي تصنع السياسة والقرار الأمريكي وتشكل الرأي العام كما تريد، وكذلك معظم مراكز الدراسات والأبحاث السياسية التي توجّه الإدارات الأمريكية المتعاقبة.
في تحليله لهذه العلاقات يقول المحلل السياسي لصحيفة «معاريف» الإسرائيلية ران أويليست: إن «أي تحركات إسرائيلية في المنطقة تخضع لحسابات ومصالح أمريكية تتجاوز الإرادة السياسية للحكومة الإسرائيلية». ويضيف: «إن توسيع إسرائيل نطاق الحرب مع حزب الله وإيران جزءٌ من خطة أمريكية لإضعافهما، والعمل على إعادة بناء الخريطة السياسية للمنطقة برمتها بعيداً عن النفوذ الإيراني أو استعادة أي دور لإيران فيها». ويردف قائلاً «إن إسرائيل مجرد عصا بيد الولايات المتحدة وعندما يقتل الجيش الإسرائيلي قادة حماس وحزب الله فهذا يناسب المصالح الأمريكية».
هذا التحليل يعكس جانباً مهمّاً من العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وما لم يوضحه أنه من المنظور الأمني تقع إسرائيل في قلب الأمن والمصالح الحيوية للولايات المتحدة لأسباب كثيرة معروفة، ويمكن أن نضيف إليها وقوع إسرائيل في قلب أهم المناطق الاستراتيجية للولايات المتحدة، وهي منطقة الشرق الأوسط وقلبها المنطقة العربية بأهميتها الاستراتيجية والاقتصادية، والتي تعتبر أحد مكونات الدور الأمريكي العالمي.
فحفاظ أمريكا على أحادية قوتها عالمياً يتطلب ضمان السيطرة على المنطقة، وهنا يأتي الدور الذي تقوم به إسرائيل.
والسؤال هنا هل تخضع العلاقات بينهما للمبادئ نفسها التي تخضع لها علاقات أي دولتين والتي تحكمها المصالح المشتركة؟ وأهمية الدول تكون بقدر منفعتها وتحقيقها لمصالح الدول الأخرى.
هذه القاعدة تنطبق على العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل ولكنها تتجاوزها لما هو أعمق وأبعد من ذلك، بحكم الدور الذي يقوم به اللوبي اليهودي وأثرياؤه في السياسة الأمريكية، والدور العقدي والديني الذي يحكم سلوك أكثر من ستين مليوناً من الأصولية المسيحية كما أشرنا. وهنا أشير إلى كتاب السيناتور بول فندلي «من يجرؤ على الكلام» والذي طبع عدة مرات، والكتاب عبارة عن صرخة وصوت جريء عن المسكوت عليه في المجتمع السياسي الأمريكي، تحدث فيه عن حجم نفوذ اللوبي وسبب انحياز الإدارات الأمريكية لإسرائيل حتى لو على حساب مصالح أمريكا في المنطقة، يذكر أن بول فندلي من المناصرين للحقوق الفلسطينية وشنّ عليه اللوبي الصهيوني حرباً شعواء.
ويؤكد الكاتب التركي أوتكو ريحان في مقال له بصحيفة «آيد نليك» التركية «أن الولايات المتحدة هي التي تقود إسرائيل وليس العكس، وأن وجودها قائم لأن الولايات المتحدة تريده، وأنها أنشئت لأغراض ومصالح غربية».
خلاصة القول، إن كل الإدارات الأمريكية تبدو وكأنها أداة بيد إسرائيل، وكلها تتفق في دعم إسرائيل وإن تفاوتت من رئيس لآخر، وفى حالتنا الحاضرة تجاوزت إدارة ترامب كل حدود العلاقات في دعم إسرائيل على حربها على غزة، ووفّرت لها كل الدعم السياسي والعسكري ووفّرت لها الحماية في الأمم المتحدة بالحيلولة دون صدور أي قرار من مجلس الأمن يدينها، وتعمل إدارة ترامب لتحقق لإسرائيل أهدافها السياسية التي لم تحققها في الحرب خلال إدارة بايدن، ومقترح تهجير أكثر من مليونين في غزة، وتزويدها بأسلحة مهمة، ومعاقبة الجنائية الدولية وصدور قرارات تنفيذية ضد «معاداة السامية» ومعاقبة الجامعات التي تسمح بخروج مسيرات ضد إسرائيل.
وقبل ذلك وعلى مدار أربع سنوات من حكم ترامب في ولايته الأولى أصدر قرارات كارثية أهمها نقل السفارة ألأمريكية إلى القدس المحتلة، وضم مرتفعات الجولان وإغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، واليوم في ولايته الثانية يحاول أن يغلق ملف القضية بإجهاض حل الدولتين وضم الضفة الغربية لإسرائيل واعتماد مصطلح «يهودا والسامرة».
هذه هي المقاربة الحقيقية للعلاقات الأمريكية الإسرائيلية والتي من خلالها علينا إعادة تقييم كيفية إدارة الصراع من خلال تفعيل أدوات التأثير في السياسة الأمريكية، وهي كثيرة.

[email protected]

عن الكاتب

أكاديمى وباحث فلسطيني في العلوم السياسية متحصل على الدكتوراه من جامعة القاهرة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ومتخصص في الشأن السياسى الفلسطيني والخليجي و"الإسرائيلي". وفي رصيده عدد من المؤلفات السياسية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"