تتأرجح العلاقات الأمريكية الإيرانية ما بين الحرب وعقدة ثيوسيديدس الأمنية إلى حين الوصول إلى الصفقة الكبرى نتيجة للحرب. وهنا نستحضر ما خلص له ثيوسيديدس المؤرخ اليوناني في قراءته للحرب بين اسبرطه وأثينا قبل 2500 من الميلاد وهو من أسس لنظرية القوة في العلاقات الدولية، وقوله بحتمية الحرب في هذه العلاقات التي تقوم على ركنين أساسيين هما العداوة والأمن وهما يفسران لنا السلوك السياسي للدول، وخصوصاً دول القوة التي تتنافس وتتصارع على مناطق النفود كما في الحرب الآن. فلا عداوة دائمة ولا صداقة دائمة، وعدو اليوم قد يكون صديق الغد، وصديق اليوم قد يكون عدو الغد.
هذه القاعدة تنطبق على العلاقات بين أمريكا وإيران التي شهدت كل أشكال العلاقات من التحالف والصداقة أيام الشاه إلى العداء والحرب والتفاوض في ظل النظام الحالي. ولعل من أبرز محطات هذه العلاقات، العداء الرسمي بين إيران وبريطانيا بقيادة محمد مصدق، ثم الإطاحة به بمساعدة الاستخبارات الأمريكية عام1953 وعودة حكم الشاه. واستمرت العلاقات طوال فترة حكم الشاه، ومن مفارقات هذه العلاقات مساهمة أمريكا بتزويد إيران بمفاعل طهران للأبحاث النووية، واستمرت العلاقات لتدخل منعطفاً تراجعياً مع الثورة عام 1979وصولاً للحالة الراهنة.
ومن المراحل المهمة إعلان إدارة الرئيس جورج بوش الابن عام 2002 إيران وكوريا الشمالية محورين للشر، لنأتي إلى إدارة الرئيس أوباما وتوقيع الإتفاق النووي عام 2015، وإجرائه أول اتصال هاتفي بعد ثلاثين عاماً مع الرئيس حسن روحاني، لتدخل العلاقات إلى حالة من الهدوء والاستقرار، وصولاً إلى المرحلة الحالية التي بدأت مع إدارة ترامب الأولى والانسحاب من الاتفاق النووي وفرض عقوبات وحصار عليها، لتدخل العلاقات مرحلة الحرب مع الولاية الثانية من خلال حرب الـ12 يوماً 2025 والتى أعلنت فيها الولايات المتحدة ضرب المفاعلات النووية، ثم حرب الأربعين يوماً في إبريل/ نيسان الماضي بمشاركة مباشرة من الولايات المتحده وإسرائيل، ووصلت ذروتها باغتيال الإمام الخامنئي وعدد من القادة العسكريين، ثم قيام إيران بالعدوان على دول الخليج العربية، وخصوصاً على دولة الإمارات العربية المتحدة، ودخول المنطقة في حرب إقليمية، رافقتها أزمة اقتصادية خانقة نتيجة إقدام طهران على إغلاق مضيق هرمز، وصولاً إلى مفاوضات إسلام آباد التي فشلت في الوصول إلى اتفاق بإنهاء الحرب، لكنها وضعت أساساً لمفاوضـات محتملــة وصولاً إلى خيار الصفقة الكبرى بعد الإعلان عن وقف لإطلاق النار، وليتم تمديدها والاستمرار في المفاوضات تجنباً لخيار الحرب الشاملة والبحث عن استراتيجية حفظ مـاء الوجــه للطرفين، وسعي كل طرف لتحقيق أهدافه والإعلان عن الانتصار في هذه الحرب.
وخيار الصفقة الكبرى يتجسد في المقترحات الأمريكية بنقاطها الـ15 وأبرزها تجريد إيران من قدراتها النووية والصاروخية، والتخلي عن وكلائها في المنطقة كحزب الله وحماس ودمج إيران اقتصادياً بالعالم الخارجي، وتحويلها إلى دولة سلام وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. وترتكز هذه الصفقة الأمريكية على عناصر أولها التأكيد على المصالح الأمريكية الثابتة في المنطقة وضمان بقاء إسرائيل وأمنها.. وبالمقابل قدمت إيران رؤيتها التفاوضية بنقاطها العشر التي تلخص عناصر الصفقة الكبرى كما تراها وتريدها، ومن أبرزها الحفاظ على نظامها السياسي وضمان عدم الاعتداء عليها، والاحتفاظ بحقها في قدراتها النووية للأغراض السلمية وقوتها الصاروخية، أى باختصار حقها في بناء قوتها الشاملة، إلى جانب الاعتراف بمصالحها ومناطق نفوذها في المنطقة، وعلى أن يشمل وقف إطلاق النار لبنان وغزة.
هذه العناصر تشكل في أدبيات التفاوض الحد الأقصى الذي يدخل فيه كل طرف مفاوض وهو يحمل معه أوراق القوة التي في حوزته، لتبدأ بعدها عملية التنازل إلى الحد الأدنى.
وهناك عوامل أخرى تساهم في تشكيل وبلورة عناصر الصفقة الكبرى على البعد الإقليمي والدولي للحرب، وهى أوراق يمارسها كل طرف وخصوصاً إيران. وهنا ليس من المصلحة انزلاق دول الخليج العربي في حرب ليست طرفاً فيها بل أن تكون طرفاً فاعلاً كأحد عناصر الصفقة الكبرى.
وأضف إلى ذلك الموقفين الصيني والروسي، فالصين خاصة لن تسمح بسقوط النظام الإيراني لأنه يعني ببساطة خسارة مشاريعها الاقتصادية وأهمها طريق الحرير الذي يعتبر أحد عناصر مكونات قوتها العالمية.
ولعل ما يساهم في بلورة مقاربة الصفقة الكبرى أمريكياً وإيرانياً أن الحرب ليست خياراً مستداماً رغم الحصار وفرض العقوبات على إيران ورغم قدرة الولايات المتحدة على معاودة الحرب وضرب قدرات إيران الداخلية.
وكما يقول الفيلسوف توماس هوبز «إن الجو العاصف لا يعني أن تسقط الأمطار». لكل هذه الأسباب والمتغيرات فإن الطرفين الأمريكي والإيراني أقرب لمقاربة تحقيق الصفقة الكبرى التي تحفظ ماء وجه كل منهما، وتضمن لكليهما أن يخرجا منتصرين.. لعلها لا تكون على حساب الدول العربية، وخصوصاً دول الخليج.
[email protected]
نظريتا فراغ القوة والمؤامرة عادتا من جديد لتحكم العلاقات بين الدول وتفسر الحروب، كالحرب الأوكرانية والحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، وقبلها الحرب على غزة لأكثر من عامين، وما زالت قائمة، ومازالت خياراً تهدد به الدول وخصوصاً دول القوة، وتبرز معها مشكلة الصراع على النظام الدولي، ومحاولة إنهاء فترة السيطرة الأحادية الأمريكية من قبل الصين وروسيا، والدعوة لنظام تعددي جديد.
فالقيادة العالمية ليست مجرد منّة أو هبة، بل هي واقع تفرضه الدول القوية والقادرة على تغيير قواعد ومبادئ النظام الدولي القائم أو الجديد. القيادة في العالم تعني النظام الدولي الراسخ والثابت. تاريخياً، تجسد هذا النظام في الإمبراطورية الرومانية وصراعها مع الإمبراطورية الفارسية، ثم برز دور الإمبراطورية الأوروبية مع نظام الدولة القومية في أعقاب مؤتمر وستفاليا عام 1648 وصراع الدول الأوروبية في إفريقيا وآسيا. وصولاً إلى الحرب العالمية الأولى 1914 _1918 وبعده ظهرت
عصبة الأمم لتستمر حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية وبروز الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفييتي وبداية تشكيل النظام الدولي ثنائي القطبية بعد الحرب العالمية الثانية، وصولاً إلى انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، وبعدها محاولة الولايات المتحدة لفرض النظام الأحادي القوة والهيمنة على القرار الدولي.
لم تكن عملية التحول من نظام إلى آخر سهلة وسلسة، بل كانت تتم عبر تحولات كونية كبيرة في بيئة القوة الدولية. لقد أعاد أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد غراهام أليسون التذكير بنموذج إسبرطة أثينا وثيوسيديدس وعقدة الحرب الحتمية، والعقدة الأمنية التي تحكم السلوك السياسي للدول من خلال منطق العلاقات الدولية الذي لم يتغير ويقوم على القوة، وإن تغيرت الأساليب من السيف والجمل إلى الحروب النووية والبيولوجية والسيبرانية والذكاء الاصطناعي، ومن يملكها يملك التحكم في بنية النظام الدولي.
والسمة الأخرى المهمة التي تدفع للدخول في مرحلة الفوضى الدولية تقوم على مبدأ انتشار القوة وسعي الدول الإقليمية مثل إسرائيــل للتوسع. والسؤال: أي عالم ننتظر، وأي حرب، ومتى يدخل العالم الحرب العالمية الثالثة مــع تراجـــع دور الأمم المتحدة؟
إن آليات الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي تختلف عنها بين أمريكا والصين اليوم. فالاستراتيجية الأمريكية اعتمدت على إغراق الاتحاد السوفييتي بأعباء الحروب العسكرية وسباق التسلح حتى يتفكك. هذا الخيار غير قائم بالنسبة للصين. ولا يصلح للتعامل معها من زاوية أن الصين تبقى دولة مركزية واحدة على كبرها وحجمها وهي لا تخوض حروباً مع الآخرين. لا شك أن للصين تحالفاتها وحققت إنجازات اقتصادية كبيرة وتملك علاقات وشراكات استراتيجية مع العديد من الدول، إضافة إلى قدرات تكنولوجية منافسة للولايات المتحدة، لكنها ليست بالهشاشة التي يتصورها البعض كي تسقط كما الاتحاد السوفييتي. ومع ذلك لا تسعى الصين لأن تحل محل الولايات المتحدة، بل تريد عالماً متعدد الأقطاب أكثر عدالة واستقراراً. والسؤال: هل يمكن تجنب الحرب بين الصين وأمريكا؟ والسؤال أجاب عليه ثيوسيديدس المؤرخ اليوناني من خلال تحليله للحرب البلونيزية التي وقعت في القرن الخامس قبل الميلاد بين أثينا وإسبرطة .قام اليسون بدراسة النظام الدولي منذ ذلك التاريخ، وحدّد 16 حالة تم فيها صعود وحلول قوة مكان قوة أخرى في النظام الدولى.وكانت النتيجة أن النظام الدولي ليس حالة ثابتة؛ بل يتغير بتغير موازين القوة. فالنظام الدولي الذي قام بعد الحرب الثانية لم يعد بنفس القوة ونفس معايير التحولات في بنية القوة وبروز دول تقترب من قمة النظام الدولي كالصين في الوقت الذي تلوح فيه مؤشرات على تراجع قوة الولايات المتحدة كقوة أحادية، لكنها ما زالت تملك القوة للسيطرة والهيمنة الدولية.
ويبقى أن التحوّل إلى مرحلة جديدة من الأحادية إلى التعددية يحتاج إلى مرحلة انتقالية كما هي اليوم، حيث الحروب والمنافسات والصراعات الدولية،و كلها تنبئ بأن النظام الدولي يتجه نحو نظام أكثر تعددية.
د. ناجي صادق شراب
دولة الإمارات ليست طرفاً مباشراً فى الحرب الإيرانية، لكنها وجدت نفسها طرفاً مدفوعاً إليها كباقى دول الخليج العربي بسبب الاعتداءات الإيرانية التى استهدفت بنية الدولة وإنسانها ونموذجها الذي كافحت منذ نشأتها في بنائه وهو النموذج الأقرب إلى النموذج الكانطي فى مواجهة النموذج الإيراني المغاير، وهو نموذج التنوير والسلام والتسامح وبناء الإنسان وتبنيها لنموذج القوة الناعمة الشاملة التي وضعتها في مصاف الدول المتقدمة في مؤشرات السلام والسعادة والتسامح والرفاهية،وهذا لم يمنع أن تبني الدولة قوتها الصلبة ببناء قوة عسكرية هدفها حماية هذا النموذج وليس من أجل الحرب. فالإمارات وعلى مدار تاريخها لم تعتدِ على غيرها بل تبنت سياسة حسن الجوار حتى مع إيران رغم احتلالها لجزرها الثلاث 1971.
بل ذهبت دولة الإمارات إلى أبعد من ذلك، وحافظت على علاقتها الدبلوماسية مع إيران وتبنت مقاربة الدبلوماسية لتثبت حقها فى جزرها.
ولعل هذه الحرب التي تشهدها منطقة الخليج كشفت عن بعد مهم وهو حرب نموذج الحكم الرشيد وحرب القيم. وتستحضر هذه الحرب النموذج الكانطي التنويري، وهو نقيض نموذج التعصب والتشدد الأيدولوجي ونظام الحكم الثيوقراطي الذى تتبناه إيران. وكما جاء في كتاب كانط فيلسوف السلام العالمي «مشروع السلام العالمي» الذي تحدث فيه عن مشروع دستور تلتزم به الأمم جميعاً درءاً للحروب. وعنده أن «كل إنسان عقلاني له حق طبيعي في الحرية، والحروب تمثل المأساة الكبرى ومصدر كل الشرور»، وأعلن أن «أكبر شر يصيب الشعوب لا يعني الحرب الماضية ولا الحرب الحاضرة بل الاستعداد للحرب القادمة». وعنده أيضاً «أن الحروب لا تحقق السلام وتخلو من العدالة». هذه العبارات الموجزة توضح لنا أن النموذج الإماراتي يعتبر ترجمة كامله للنموذج الكانطى في السلام والتنوير والحداثة والعدالة وتجنب الحرب، وفي المقابل فإن النموذج الإيراني الذي يقوم على الحكم المطلق ويفرض قيوداً على حرية الفكر، يطرح سؤالاً: لماذا إصرار إيران على امتلاك كل هذه القوة والسعي لامتلاك القوة النووية، والسعي للسيطرة ومحاربة كل نموذج تنويري إنساني يناقض نموذجه؟.
إن الخطر الحقيقي من هذا المنظور ليس امتلاك دولة الإمارات والدول الخليجية الأخرى القوة العسكرية، وهى قادرة، بل قوتها الحقيقية في نموذجها في الحكم الرشيد وفي المواطـنة الكامـــــلة وممارسة كـــــــــل الحــــقــوق الـســــياســــية والاجتماعية والتمكين السياسي والمشاركة في الحكم وبناء دولة المؤسسات السياسية. هذه هي مــــصادر الخطر التي تراها إيران لأنها بحكم التجاور الجغرافي والعلاقات البشرية ستكون دافعاً قوياً للشعب الإيراني في أن يقاوم النموذج الذي يحاول النظام تكريسه.
وكما يقول المفكر الإيراني عبد الكريم سروش، إن أخطر ما يهدد المجتمع الإيراني ليس الحرب من الخارج بل قمع المستبدين في الداخل للأصوات المطالبة بالحرية والعدالة.
لقد دافع كانط عن استقلالية الإنسان وتحرره من السيطرة على وعيه وفكره، وهذا معنى التنوير وأساس الحكم الرشيد، وهنا المقارنة بين النموذج الإماراتي الذي يقوم على الحكم الرشيد وعقلانيته والنموذج الإيراني الذى يقوم على الإنغلاق الفكري ومصادرة أي حرية للفكر والنقد الإيجابي في تحويل الإنسان إلى مجرد فرد رعية يسود فيها النظام الرعوي الأبوي.
وتحدث كانط عن حق المواطن فىي التفكير والمشاركة السياسية، وهنا الفرق الآخر بين النموذجين، هنا إنسان مواطن بحقوق إيحابية، وهناك مواطن يتعرض للقمع والعنف الفكري والحرمان السياسى. كما تحدث كانط عن مفهوم السلام الأبدي وأساسه قيام أنظمة حكم تحترم القوانين والعدالة وعدم التدخل في شؤون غيرها. وهنا النموذح الإماراتي الذي يتبنى مفهوم السلام الشامل، وما «وثيقة الأخوة الإنسانية» إلا مثالاً، فيما النموذج الإيراني يقوم على دعم الميليشيات والفصائل وخلق وكلاء له في دول أخرى، كما النموذج اللبناني والعراقي واليمني.
ولعل من أبرز ما يوضح قوة النموذج الإماراتي كيف لدولة الإمارات أن تحتضن أكثر من مئتي جنسية تعيش على أرضها بكامل حقوقها وتتمتع بروح الانتماء والولاء الواحدة كتعبير عن روح الإنسانية وقيم التسامح والتعايش التي تميز نموذج الإمارات مقابل نموذج لا يحترم حقوق الأقليات ويقوم على سيطرة جماعة واحدة.
وفي هذا السياق، المقاربة تكمن في الإجابة عن التساؤل: لماذا استهداف الإمارات في حرب ليست طرفاً فيها بل تعارضها، والإجابة تكمن في محاربة نموذج التنوير والإنسانية والسلام الإنسانى وبناء الإنسان الرشيد، وهو نموذج يشكل الخطر الحقيقي على النموذج الإيراني الذي يقوم على القوة، وفكرة تصدير الثورة والهيمنة والسيطرة واحتلال أراضي الغير من خلال احتلالها للجزر الثلاث التابعة للإمارات، والسعي لفرض نظرية الاستعلاء القومي الذي يميز السلوك السياسي الإيراني.
[email protected]
مقاربات ونظريات كثيرة تفسر لنا الحرب التي تشهدها المنطقة بأبعادها الإقليمية والدولية، ومنها نظرية الهيمنة البحرية ونظرية القلب. والسؤال الرئيسي لهذه الحرب: لماذا استهداف دول الخليج العربي رغم مواقفها المعارضة للحرب ودعوتها الدائمة للحوار والتمسك بسياسات حسن الجوار؟ الإجابة قد تكمن في التفسير الجيوسياسي، وابتداءً وبإيجاز نظرية الهيمنة، وهي مصطلح معقّد وأصله الكلمة يونانية التي تعني الحكم أو الأمر. وأول من تناوله المؤرخ اليوناني ثيوسيديدس في وصف الهيمنة الأثينية في الحرب البيلونيزية مع أسبرطة، ويفسرها المفكر الأمريكي جون ميرشماير في بلوغ دولة من القوة تمكنها من السيطرة على الدول الأخرى. هذه النظرية تفسر لنا اليوم دوافع الولايات المتحدة في هذه الحرب ومحاولتها السيطرة على المنطقة، فمن يسيطر على اليابسة يسيطر على العالم. والنظرية الثانية التي تفسر لنا أسباب الحرب وسعي أطرافها للسيطرة على المنطقة وهو ما يعرف بنظرية قلب الأرض، وهي نظرية جيوسياسية للجغرافي البريطاني هالفورد ماكندر، وملخصها أن من يسيطر على منطقة آسيا الوسطى يسيطر على العالم، ومن يسيطر على أوروبا يسيطر على قلب الأرض، ومن يسيطر على قلب الأرض يسيطر على جزيرة العالم ومن يسيطر على جزيرة العالم يسيطر على العالم بأسره.
ووظفت هذه النظرية في تفسير الحربين العالميتين الأولى والثانية، وتفسير الحرب البارده بين أمريكا والاتحاد السوفييتي، وهي أساس سياسات الاحتواء.
كما تفسر لنا هذه النظرية الحرب التي تشهدها منطقة الخليج العربي وهي من أهم المناطق الجيوسياسية والاقتصادية في العالم. وبناء على هذه النظرية يمكن القول أن من يسيطر عليها يسيطر على المنطقة بأكملها وعلى الشرق الأوسط ويعيد رسم خريطته ومناطق النفوذ فيها كما يريد. هذا التفسير ليس بعيداً عن واقع المنطقة والحرب وأهداف أطرافها الثلاث إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. لقد كانت المنطقة تاريخياً وما زالت منطقة استهداف بين القوى الإقليمية والدولية، وارتبطت قوة الدول المهيمنة والمسيطرة على العالم بالسيطرة على المنطقة بإعتبارها منطقة قلب، فقد سيطرت عليها بريطانيا حتى الحرب العالمية الثانية، وبعدها تحولت المنطقة لمنطقة صراع وتنافس بين القوى المهيمنة عالمياً، فالولايات المتحدة تعتبرها أحد ثوابت أهدافها ومصالحها الحيوية وربطت سيطرتها بنظرية الهيمنة الأمريكية على اليابسة، فيما تطلع الاتحاد السوفييتي للوصول للمياه الدافئة في المنطقة من خلال إقامة علاقات مميزة مع مصر والعراق واليمن وغيرها.
وإقليمياً رأينا سعي إيران في زمن الشاه للسيطرة على المنطقة ومحاولته السيطرة على البحرين واحتلاله للجزر الثلاث التابعة لدولة الإمارات، وإصرار إيران على تسمية الخليج العربي بالخليج الفارسي. هذه الصراعات تزامنت مع تحول دول الخليج العربي إلى دول مستقلة، وبفضل حكمة قياداتها حافظت على استقلالها وأقامت مجتمعات مزدهرة والتزام بسياسات تقوم على الأمن والسلام وحسن الجوار وعدم الانجرار إلى الصراعات الإقليمية، ونجحت في بناء دول قوية اقتصادياً، وتبنّت سياسات واستراتيجيات تقوم على الشراكات الاستراتيجية مع الدول الكبرى عالمياً مثل الصين وروسيا ودول الاتحاد الأوروبي والهند وتقوية تحالفاتها مع الدول العربية والإسلامية.
هذه القوة والقدرات الجيوسياسية والاقتصادية تفسر لنا الأهداف غير المعلنة والحقيقية لأطراف الحرب الثلاث. فهذه الحرب هدفها الرئيسي السيطرة على المنطقة والتحكم في مواردها. فمن جهة تحاول الولايات المتحدة تثبيت وجودها لإبقاء تفردها على رأس النظام الدولي، وإيران من ناحيتها منذ زمن الشاه وحتى الآن تعتبر المنطقة في نطاق نفوذها من خلال إصرارها على احتلال جزر الإمارات الثلاث، والمضي في عدوانها الغاشم على الإمارات ودول الخليج الأخرى في انتهاك صريح لكل القوانين الدولية ولمبادئ حسن الجوار.
مازلنا نذكر خطاب وزير خارجية الإمارات سمو الشيخ عبد بن زايد آل نهيان أمام الجمعية للأمم المتحده عام 2018 الذي حذر فيه من سياسات وأهداف إيران وتبنّيها ودعمها لجماعات مثل حزب الله وجماعة الحوثي وتدخلها في لبنان وسوريا.
أما إسرائيل فأهدافها معروفة في تحقيق حلم إسرائيل الكبرى وتحول إسرائيل للقوة الإقليمية الوحيدة.
ويبقى أن هذه الأهداف هي مجرد أحلام في مخيلة أصحابها، لأن الإمارات ومعها دول الخليج الأخرى لديها من القوة والقدرة والحكمة ما يكفي لإحباط كل ما يمكن أن تتعرض له من مخاطر.
[email protected]
د. ناجى صادق شراب
تقليدياً، تصنف الدول من منظور القوة، بالدول العظمى والكبرى والمتوسطة والمؤثرة والدول الصغيرة. وكانت دولة الإمارات تصنف بالدولة الصغيرة وهذا في بدايات نشأتها، ومع تطور الدولة وامتلاكها لعناصر القوة الشاملة لم يعد هذا التصنيف صالحاً لقوة الدولة اليوم وتبوّئها مكانة الدولة المؤثرة والفاعلة من منظور القوة الشاملة، بل قد ترقى إلى مرتبة الدولة الكونية في العديد من المؤشرات العالمية، كمؤشرات الرفاهية والخدمات الإنسانية والتسامح والسلام والسعادة.
هذه المكانة يجسدها اليوم جواز سفر الدولة الذي ينافس جوازات الدول الكبرى من حيث السماح لحامليه بالدخول من دون تأشيرة. هذه المكانة الشمولية لعلاقات دولة الإمارات العالمية تفسر لنا تزاحم الدول لإقامة علاقات معها. هذا الدور تقف وراءه عناصر قوة كثيرة أولها الحكم الرشيد ونظامها الاتحادي الذي حوّل الدولة من إمارات صغيرة إلى دولة اتحادية قوية يحسب حسابها، وبقدر قوة الحكم بقدر تراجع أي محاولات للنيل من قوتها. والفضل في قوة دولة الإمارات للرؤية السديدة للقائد المؤسس الشيخ زايد، طيب الله ثراه، وللأهمية الجيوسياسية للمنطقة التي تشغلها دولة الإمارات في قلب أهم منطقة استراتيجية واقتصادية في العالم. ويرتبط بالحكم الرشيد رؤية القيادة الرشيدة لدور الدولة وأهدافها والحفاظ على قوتها، وقامت هذه الرؤية على الاتزان الاستراتيجي وعلى بناء وتقوية مؤسسات الدولة وبناء الإنسان المواطن القوي، وعدم الانجرار وراء الصراعات الإقليمية والدولية، والتركيز على تشييد بنية القوة التحتية، وتنمية مستدامة واقتصاد قوي متنوع، وبناء قوة عسكرية متطورة تمتلك عناصر القوة التكنولوجية، وتبنى منظومة قيم إنسانية تقوم على السلام والتسامح والخيرية ومد يد العون لكل الدول والشعوب، والمسارعة في معالجة قضايا الفقر والنكبات الإنسانية التي تواجه بعض الدول في إفريقيا وآسيا.
وأدركت هذه الرؤية الرشيدة منذ البداية ماذا يعني الحضور الدولي في كافة المنظمات الدولية والإقليمية والتمسك بقوة الشرعية الدولية وشرعية السلام القائم على العدل. إن قوة الدولة تكمن أيضاً في المواطن القوي المنتمي لدولته، وفي حبه ومشاركته وتمكينه سياسياً وعلمياً، واليوم نرى نماذج كثيرة لهذه المواطنة في العديد من حقول العلم والمعرفة، وفي تولي المناصب السياسية العليا في الدولة، إضافة إلى التمكين السياسي للمرأة.
وبهذه العناصر تكتمل قاعدة وأساس القوة الشاملة للدول، الحاكم الرشيد والمواطن الرشيد، والخلاصة دولة قوية قادرة وفاعلة في مواجهة كل التحديدات والصعوبات.
كما تمثل القاعدة المجتمعية قوة للدولة، فالدولة القوية تستند إلى دعامات اجتماعية تتمثل في المؤسسات الاجتماعية والمدنية التي تربط الحاكم بالمواطن وتشكل قنوات تواصل اجتماعي قوية، وقاعدة حماية لسد كل ثغرات التسلل الخارجي، وتشكل بالتالي إطاراً واقياً ضد كل التيارات والأفكار المتطرفة والمتشددة، كما تدعم هوية الدولة وشخصيتها الوطنية، وهو ما يفسر لنا قدرة المجتمع الإماراتي على استيعاب أكثر من مئتي جنسية تبحث عن الأمن والعمل بحيث باتت تشكل عامل قوة ومساندة للدولة، وهذا عنصر مهم لقوة الدولة. وهناك القوة الاقتصادية وبناء اقتصاد معاصر متنوع لا يعتمد على النفط فقط، بل تطور ليشمل كل القطاعات الاقتصادية من صناعة وزراعة. والعنصر الآخر لقوة الدولة هو منظومة القيم التي تميز الدولة عن غيرها، وتتسم هذه المنظومة بقيم إنسانية مثل السلام والتسامح ونبذ العنف والإرهاب ومحاربته ونشر قيم التعاون والخيرية والإنسانية، وهنا الأمثلة كثيرة، أبرزها «وثيقة الأخوة الإنسانية» التي وقع عليها بابا الفاتيكان الراحل وشيخ الأزهر على أرض الدولة كي تكون رسالة عالمية في التآخي المشترك الذي يقوم على الإنسانية الواحدة. وهناك عنصر مهم في قوة الدولة يتمثل في القوة الدبلوماسية الإنسانية التي تتبناها الدولة، وأمثلتها كثيرة من خلال الزيارات الخارجية التي يقوم بها رئيس الدولة، وحضور وزير خارجيتها في كل الأنشطة والمنتديات الدولية، وتبني دبلوماسية إدارة الأزمات وحل النزاعات الدولية بالطرق السلمية.
ويبقى من عناصر الدولة الشراكات الاستراتيجية الدولية مع كل دول العالم والتي تعمق دور الدولة وحريتها وعدم تبعيتها في دائرة واحدة، وهذه الشراكات هي التي تفسر لنا اليوم وفي مواجهة العدوان الإيراني المتواصل على دولة الإمارات ودول الخليج الأخرى مدى التأييد الدولي للإمارات وإدانة العدوان الذي تتعرض له.
ويبقى أن هذه القوة يقف وراءها حكم رشيد وقيادة رشيدة بما يحمي سيادة الإمارات وأمنها واستقرارها ومصالحها الحيوية بحيث باتت تقدم نموذجاً تنموياً إنسانياً يفوق النماذج الأخرى في العالم، ولتصبح دولة إلهام وأمل للآخرين.
[email protected]
د. ناجى صادق شراب
يقول المفكر الجزائرى مالك بن نبي في كتابه شروط النهضة: «إن الحقوق تؤخذ ولا تعطى». فالحق لا يمنح. والحقوق لها جانبان، الأول الخاص بالعلاقة بالمحتل والمستعمر الذي يلغي كل الحقوق السياسية والتاريخية للشعب الخاضع للاحتلال، ولإنكار يتم باستخدام القوة المسلحة بكل درجاتها من قتل وتشريد وتدمير ومصادرة الأرض استناداً لسرديات دينية لا تقوم على أدلة ثابتة، وهذا ما نطق به السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هاكابي بتصريحه الخطِر الذي ينفي فيه حق الشعب الفلسطيني بأراضيه، وتكراره لمقولة «إسرائيل من النيل إلى الفرات» التي تتطابق مع مواقف اليمين الإسرائيلي بحلم إسرائيل الكبرى.
حتى إن إسرائيل تعمل على حرمان الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في الانتخابات وتضع العراقيل لعدم الاعتراف بحق السلطة بممارسة حقوقها السيادية والسياسية.
إن هذه الحقوق في كل جوانبها تحتاج إلى النضال والمقاومة بكل أشكالها المشروعة لأن الأساس في كل أنظمة الحكم هي المواطنة والحقوق المتساوية، فكيف لنا في أكثر من خمسة عشر مليون فلسطيني يحرمون من ممارسة هذا الحق، وكيف للمواطن في إسرائيل ذاتها أن يمارس حقوقه الكاملة في الوقت الذي يعيش فيه المواطن الفلسطيني وعلى نفس الأرض محروماً من ممارسة نفس الحقوق، ما يعني ممارسة سياسة التمييز العنصري والتفوق العرقي وعدم الاعتراف بأدمية الإنسان الفلسطيني وتحويله لمجرد تابع يبحث عن الأكل والشرب، علماً أن هذا الشعب يملك كل مقومات المواطنة والحق في ممارسة حقوقه السياسية في ظل دولة مدنية ديمقراطية مستقلة.
والمفارقة التاريخية أن بريطانيا وفي سياق سياسة الانتداب التي مارستها على كل فلسطين منذ 1916 حالت دون أن تمنح الشعب الفلسطيني دولته الواحدة المستقلة وفقاً لتصنيف الانتداب بأن من حق الشعوب المتقدمة أن تمارس حقها في قيام دولتها، ولو فعلت بريطانيا وطبقت هذا الحق ما ظهرت القضية الفلسطينية ولقامت دولة واحدة لكل مواطنيها، لكنها وظفت انتدابها لتنفيذ وعد غير قانوني وهو وعد بلفور الذي نص على قيام وطن قومى لليهود في فلسطين.
والمفارقة التاريخية الثانية أن إسرائيل منذ قيامها عام 1948، وعلى الرغم من قرار الأمم المتحدة رقم 181 الذي نص على تقسيم فلسطين لدولة لليهود ودولة عربية، فلم يتم الاعترف بهذا الحق، وحالت دون قيام هذه الدولة الفلسطينية بدعم ومساندة أوروبية وأمريكية، فكانت الحرب الأولى عام 1948، حيث احتلت إسرائيل ما يقارب 25 في المئة من المساحة المخصصة للدولة العربية ولتكمل احتلالها بحرب 1967، ومنذ ذلك الوقت ترفض إسرائيل قيام الدولة الفلسطينية وتمارس سياسة الاحتلال والاستيطان والتهويد والتشريد.
اليوم نفس السياسة تتكرر في حرب العامين في غزة والضفة، بحرمان الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه المشروعة في قيام دولته. إن للفلسطينيين حقوقاً تاريخية في أرضهم، وهذه الحقوق تدعمها العديد من القرارات الدولية التي صدرت عن الأمم المتحدة ومن أبرزها حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإنهاء الاحتلال، وقيام الدولة الفلسطينية وعدم شرعية الاحتلال والاستيطان. إن هذه الحقوق تعطي للشعب الفلسطيني الحق في مقاومة الاحتلال بكل الوسائل المشروعة.
وهنا السؤال: هل استخدام السلاح حق مشروع؟ وفقاً للقانون الدولي نعم، لكن وفقاً لمعايير وشروط معينة. والإشكالية ليست في استخدام السلاح الذي وافقت السلطة الفلسطينية على ضبطه والالتزام بالمقاومة السلمية، لكن في الحقوق المسلوبة المحروم منها الشعب الفلسطيني بسبب الاحتلال وإصرار إسرائيل على رفض قيام الدولة الفلسطينية.
وعلى الرغم من حرب العامين على غزة وقيام ما يسمى «مجلس السلام» تبقى الإشكالية قائمة مع هذا السلام المنقوص الذي تدعمه القوة، ف«مجلس السلام» يتكلم فقط عن نزع السلاح ولا يتكلم عن الحقوق والدولة الفلسطينية وإنهاء الاحتلال. المشكلة ليست في السلاح، لكن في تجاهل الشعب الفلسطيني وحقه في دولته.
[email protected]