صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
ناجي صادق شراب
أكاديمى وباحث
أحدث مقالات ناجي صادق شراب
11 يونيو 2026
دول الخليج العربي.. رسالة سلام

منطقة الخليج العربي من أكثر مناطق العالم استهدافاً من قبل الدول الإقليمية المجاورة والدولية الطامحة للسيطرة عليها نظراً لأهميتها الاستراتيجية الكبيرة، وكونها منطقة النفط العالمية الأولى في العالم. وتاريخياً شهدت المنطقة كل أشكال الصراع بين هذه القوى ومحاولاتها المستديمة للسيطرة عليها. وفى مقدمة هذه الدول إيران التي اتسم سلوكها بالعدوانية وبفرض رؤيتها الأمنية، واعتبار منطقة الخليج مجالها الحيوي الأول، ولذلك عمدت حتى منذ زمن الشاه إلى التأكيد على فارسية الخليج، واحتلالها للجزر الثلاث لدولة الإمارات العربية المتحدة عشية انسحاب بريطانيا في سبعينيات القرن الماضي، وبروز ما عرف وقتها بنظرية فراغ القوة التي حاولت كل الدول ملأه كالولايات المتحدة والاتحاد السوفييتى سابقاً، وذهبت إيران أبعد من ذلك بمحاولة ضم البحرين والادعاء بملكيتها، ولقد شهدت المنطقة أطول الحروب بين إيران والعراق في أعقاب الثورة الإيرانية 1979، والتي دفعت دول المنطقة ثمناً لها من استقرارها وأمنها، والحرب الثانية التي مست جوهر الأمن الخليجي هي حرب العراق على الكويت ما ترك تداعيات خطرة على مفهوم أمن الخليج العربي والأمن العربي والعلاقة بينهما. وزادت المخاطر التي تستهدف أمن دول المنطقة في أعقاب ما عرف بالتحولات العربية وبروز دور جماعة الإخوان، ولقد زادت محاولات الاستهداف مع محاولة إيران خلق ما يعرف بالطوق الأمني على منطقة الخليج العربي بوجودها في اليمن الخاصرة الجنوبية لمنطقة الخليج، وتفعيل دور الحوثيين، وفي العراق الخاصرة الشمالية وتفعيل دور العديد من الجماعات الموالية لها كالحشد الشعبي، وفي سوريا الحد الشرقي وبتحكمها في الحد الغربي المتمثل في مياه الخليج ومحاولة التحكم في مضيق هرمز. هذا وزادت المخاطر بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي وزيادة وتيرة التصعيد واحتمالات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران كما اليوم.

إزاء هذه التهديدات كان لا بد لدول المنطقة أن تتبنى سياسات حكيمة عقلانية تحمي أمنها وإنجازاتها التنموية الكبيرة، فهي دول لا تسعى للحرب، ولم تكن في وقت من الأوقات خياراً لها، بدليل أنه وعبر تاريخها لم تقم بالاعتداء على أي دولة، وتبنت سياسات تستهدف السلام والأمن والاستقرار، وتقوم سياستها من فرضية أساسية أن أمن دول المنطقة يدعمه أمن واستقرار وتنمية الدول المجاورة، ومن هنا سياسة مد اليد والمساعدات الإنسانية. وتحاول هذه الدول النأي بنفسها عن أي استهداف أو الانجرار في حروب ليست لها، ورأينا ذلك تماماً في الحرب الإيرانية العراقية وكيف نجحت في النأي بنفسها عن هذه الحرب. ولعل موقف دول المنطقة من الحرب اليوم يؤكد نفس الموقف والخيارات بالنأي عن الحرب والقيام بدور السلام وتبني دور الوساطة والحوار، ورغم موقف إيران وعدوانها على الأهداف المدنية لدول الخليج العربي، ظلت هذه الدول متمسكة بالحياد والدعوة إلى إنهاء الحرب وتبني لغة الحوار، كما لعبت دور الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران.

هذا الموقف الثابت ينبع من الرؤية الحكيمة لقادة دول الخليج باعتبار أن المنطقة منطقة سلام وأمن واستقرار للجميع ما يحتم عليها التمسك بخيار السلام وليس الحرب. وهذا الموقف ليس نابعاً عن ضعف بل عن قوة وعدم قبولها لأي اعتداء.

هناك خيارات كثيرة مفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران، هذه الخيارات كلها ليست قاصرة فقط عليهما، بل أي توافقات أو خيارات سترتد على المستقبل السياسي لدول المنطقة. ولعل من أبرز الأخطاء التي وقعت فيها إدارة الرئيس أوباما، أنها وقعت الاتفاق النووي مع إيران بعيداً عن دول المنطقة والتنسيق معها. واليوم وفي أعقاب انسحاب إدارة الرئيس ترامب من الاتفاق النووي وتبني استراتيجيات العقوبات الاقتصادية المتصاعدة، والذهاب لخيار الحرب الثلاثية، لا ينبغي تكرار الأخطاء السابقة، فكما أن المنطقة كلها تدفع ثمن أي حرب، لا بد أن يكون لدول المنطقة دور مباشر في أي خيارات يتم الاتفاق عليها بين واشنطن وطهران. ففي أي مفاوضات حول أي اتفاق نووي جديد أو أي اتفاق سياسي لا بد أن يكون لها حضورها السياسي والدبلوماسي. وعسكرياً هي ليست طرفاً في أي خيار لأي حرب، لكن هذا لم يمنعها من تقوية بنيتها العسكرية وهذا حق لكل دول العالم، وتنويع تحالفاتها الاستراتيجية وعلاقاتها الدولية، وفي الوقت ذاته إنشاء قوة عربية مشتركة وأساسها قوة خليجية مشتركه قادرة على التصدي لأي عدوان.

لم تعد دول الخليج العربي دولاً هامشية ليس لها دور في تقرير مصير أمن واستقرار المنطقة، وهذا الدور يفرض على جميع الأطراف الدولية أن تأخذ في اعتبارها موقف وأهداف دول المنطقة، حيث تبقى منطقة الخليج العربي منطقة من حق دولها أن تحافظ على مصالحها التي يجب أن يتم مراعاتها في أي تطورات مستقبلية.

28 مايو 2026
الحاجة لرؤية أمنية خليجية جديدة

الحرب الإيرانية ليست مجرد مرحلة عابرة، بل ستشكل مرحلة فاصلة بتداعياتها السياسية على مستوى كل أطرافها، فهي حرب إقليمية في إطار كوني بمشاركة الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. والمفارقة في هذه الحرب أن منطقة الخليج العربي كانت مسرحاً مباشراً لهذه الحرب، ورغم عقلانية وحكمة قيادات دول الخليج إلا أنها وجدت نفسها هدفاً مباشراً للاعتداءات الإيرانية، الأمر الذي أعاد بقوة طرح مفهوم الأمن الخليجي، وفرض على دولها مراجعة كل محددات ومكونات الأمن من منطلق أن المفاهيم التقليدية للأمن الخليجي لم تعد صالحة لمواجهة التهديدات والتحديات الجديدة التي فرضتها الحرب، وهو ما يستدعي الحاجة إلى رؤية وطنية تعزز أمنها، باعتبار أن قضية الأمن هي من الأولويات التي تشكل أعلى درجات المصلحة العليا لهذه الدول من منظور الإنجازات التنموية والتطور السياسي الشامل في بناء أنظمة حكم ناجحة، والمحافظة عليها تشكل أحد أهم مكونات الأمن على مستوى دولها والمستوى الجمعي الخليجي. ومن منطلق أيضاً أن هذه الدول ليست دولاً تتبنى خيار الحرب، فمنذ نشأتها وهي تتبنى سياسات تدعو للسلام والتعايش المشترك والتسامح وبناء علاقات جوار سلمية بعيدة عن المواجهة وخصوصاً مع إيران باعتبارها الدولة الجارة على الشاطئ الآخر للخليج. وتجسدت هذه السياسة رغم احتلال إيران جزر الإمارات الثلاث.. وصولاً للعدوان الإيراني الأخير الذي استهدف كل دول المنطقة، وهو ما شكّل تهديداً مباشراً لأمنها واستقرارها، ما استوجب المراجعة والبحث عن رؤية أمنية جديدة تأخذ في اعتبارها كل الاعتبارات الجيوسياسة والسياسية والأمنية والاقتصادية، وعلى اعتبار أيضاً أن أمن الخليج له أبعاده الإقليمية والعربية والدولية.

رؤية أمنية ليست منغلقة ولا انعزالية، بل رؤية تتسم بالحكمة السياسية التي جنبت المنطقة كلها بل العالم حرباً إقليمية شاملة لها تداعيات كونية على الاقتصاد والسلام العالميين.

تجد دول الخليج العربي نفسها لأول مرة أمام أصعب اختبار جيوسياسي، فرض عليها البحث عن صيغة أمنية جديدة للدفاع عن نفسها ومنجزاتها في مواجهة مخاطر مصدرها هذه المرة الجارة الأخرى على ضفة الخليج، صيغة تأخذ في الاعتبار الأمن على المستوى الوطني لكل دولة، ثم على المستوى الخليجي، وأيضاً تحديد مفهوم جديد للعلاقة مع إيران، مع الأخذ في الاعتبار ما يجمع شعوب المنطقة من روابط جغرافية وتاريخية متجذرة.. وكذلك على المستوى العربي باعتبار أن الأمن العربي يشكل إطاراً تفرضه المصلحة العربية الواحدة.

وعلى المستوى الدولي، فإن الصيغة الأمنية المفترضة يجب أن تأخذ في الاعتبار أن منطقة الخليج العربي هي منطقة استهداف دولي من جانب الدول الكبرى لضمان تدفق النفط والوصول إلى المياه الدافئة. فدول المنطقة لم تعد دولاً تابعة، بل دول مؤثرة وفاعلة وتملك القوة الشاملة التي جعلت منها قوى متوسطة قادرة على التأثير في مجرى التطورات الدولية.

هذه المستويات تشكل أساساً لأي رؤية أمنية خليجية جديدة أساسها أمن دول مجلس التعاون، مع مراعاة أن هذا الأمن لن يتحقق في صورة شامة إلا في إطار مستويات الأمن المتكاملة. فنحن أمام أنموذج فريد من مفاهيم الأمن، قد يكون أقرب للأمن الأوروبي بتشكيل كيان أمني قوي وفاعل وقادر على الحفاظ على أمن وإنجازات ودور هذه الدول في مواجهة كل المخاطر التي تهددها.

14 مايو 2026
أمريكا وإيران.. والصفقة الكبرى !

تتأرجح العلاقات الأمريكية الإيرانية ما بين الحرب وعقدة ثيوسيديدس الأمنية إلى حين الوصول إلى الصفقة الكبرى نتيجة للحرب. وهنا نستحضر ما خلص له ثيوسيديدس المؤرخ اليوناني في قراءته للحرب بين اسبرطه وأثينا قبل 2500 من الميلاد وهو من أسس لنظرية القوة في العلاقات الدولية، وقوله بحتمية الحرب في هذه العلاقات التي تقوم على ركنين أساسيين هما العداوة والأمن وهما يفسران لنا السلوك السياسي للدول، وخصوصاً دول القوة التي تتنافس وتتصارع على مناطق النفود كما في الحرب الآن. فلا عداوة دائمة ولا صداقة دائمة، وعدو اليوم قد يكون صديق الغد، وصديق اليوم قد يكون عدو الغد.

هذه القاعدة تنطبق على العلاقات بين أمريكا وإيران التي شهدت كل أشكال العلاقات من التحالف والصداقة أيام الشاه إلى العداء والحرب والتفاوض في ظل النظام الحالي. ولعل من أبرز محطات هذه العلاقات، العداء الرسمي بين إيران وبريطانيا بقيادة محمد مصدق، ثم الإطاحة به بمساعدة الاستخبارات الأمريكية عام1953 وعودة حكم الشاه. واستمرت العلاقات طوال فترة حكم الشاه، ومن مفارقات هذه العلاقات مساهمة أمريكا بتزويد إيران بمفاعل طهران للأبحاث النووية، واستمرت العلاقات لتدخل منعطفاً تراجعياً مع الثورة عام 1979وصولاً للحالة الراهنة.

ومن المراحل المهمة إعلان إدارة الرئيس جورج بوش الابن عام 2002 إيران وكوريا الشمالية محورين للشر، لنأتي إلى إدارة الرئيس أوباما وتوقيع الإتفاق النووي عام 2015، وإجرائه أول اتصال هاتفي بعد ثلاثين عاماً مع الرئيس حسن روحاني، لتدخل العلاقات إلى حالة من الهدوء والاستقرار، وصولاً إلى المرحلة الحالية التي بدأت مع إدارة ترامب الأولى والانسحاب من الاتفاق النووي وفرض عقوبات وحصار عليها، لتدخل العلاقات مرحلة الحرب مع الولاية الثانية من خلال حرب الـ12 يوماً 2025 والتى أعلنت فيها الولايات المتحدة ضرب المفاعلات النووية، ثم حرب الأربعين يوماً في إبريل/ نيسان الماضي بمشاركة مباشرة من الولايات المتحده وإسرائيل، ووصلت ذروتها باغتيال الإمام الخامنئي وعدد من القادة العسكريين، ثم قيام إيران بالعدوان على دول الخليج العربية، وخصوصاً على دولة الإمارات العربية المتحدة، ودخول المنطقة في حرب إقليمية، رافقتها أزمة اقتصادية خانقة نتيجة إقدام طهران على إغلاق مضيق هرمز، وصولاً إلى مفاوضات إسلام آباد التي فشلت في الوصول إلى اتفاق بإنهاء الحرب، لكنها وضعت أساساً لمفاوضـات محتملــة وصولاً إلى خيار الصفقة الكبرى بعد الإعلان عن وقف لإطلاق النار، وليتم تمديدها والاستمرار في المفاوضات تجنباً لخيار الحرب الشاملة والبحث عن استراتيجية حفظ مـاء الوجــه للطرفين، وسعي كل طرف لتحقيق أهدافه والإعلان عن الانتصار في هذه الحرب.

وخيار الصفقة الكبرى يتجسد في المقترحات الأمريكية بنقاطها الـ15 وأبرزها تجريد إيران من قدراتها النووية والصاروخية، والتخلي عن وكلائها في المنطقة كحزب الله وحماس ودمج إيران اقتصادياً بالعالم الخارجي، وتحويلها إلى دولة سلام وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. وترتكز هذه الصفقة الأمريكية على عناصر أولها التأكيد على المصالح الأمريكية الثابتة في المنطقة وضمان بقاء إسرائيل وأمنها.. وبالمقابل قدمت إيران رؤيتها التفاوضية بنقاطها العشر التي تلخص عناصر الصفقة الكبرى كما تراها وتريدها، ومن أبرزها الحفاظ على نظامها السياسي وضمان عدم الاعتداء عليها، والاحتفاظ بحقها في قدراتها النووية للأغراض السلمية وقوتها الصاروخية، أى باختصار حقها في بناء قوتها الشاملة، إلى جانب الاعتراف بمصالحها ومناطق نفوذها في المنطقة، وعلى أن يشمل وقف إطلاق النار لبنان وغزة.

هذه العناصر تشكل في أدبيات التفاوض الحد الأقصى الذي يدخل فيه كل طرف مفاوض وهو يحمل معه أوراق القوة التي في حوزته، لتبدأ بعدها عملية التنازل إلى الحد الأدنى.

وهناك عوامل أخرى تساهم في تشكيل وبلورة عناصر الصفقة الكبرى على البعد الإقليمي والدولي للحرب، وهى أوراق يمارسها كل طرف وخصوصاً إيران. وهنا ليس من المصلحة انزلاق دول الخليج العربي في حرب ليست طرفاً فيها بل أن تكون طرفاً فاعلاً كأحد عناصر الصفقة الكبرى.

وأضف إلى ذلك الموقفين الصيني والروسي، فالصين خاصة لن تسمح بسقوط النظام الإيراني لأنه يعني ببساطة خسارة مشاريعها الاقتصادية وأهمها طريق الحرير الذي يعتبر أحد عناصر مكونات قوتها العالمية.

ولعل ما يساهم في بلورة مقاربة الصفقة الكبرى أمريكياً وإيرانياً أن الحرب ليست خياراً مستداماً رغم الحصار وفرض العقوبات على إيران ورغم قدرة الولايات المتحدة على معاودة الحرب وضرب قدرات إيران الداخلية.

وكما يقول الفيلسوف توماس هوبز «إن الجو العاصف لا يعني أن تسقط الأمطار». لكل هذه الأسباب والمتغيرات فإن الطرفين الأمريكي والإيراني أقرب لمقاربة تحقيق الصفقة الكبرى التي تحفظ ماء وجه كل منهما، وتضمن لكليهما أن يخرجا منتصرين.. لعلها لا تكون على حساب الدول العربية، وخصوصاً دول الخليج.

[email protected]

8 مايو 2026
أثينا.. وإسبرطة من جديد

نظريتا فراغ القوة والمؤامرة عادتا من جديد لتحكم العلاقات بين الدول وتفسر الحروب، كالحرب الأوكرانية والحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، وقبلها الحرب على غزة لأكثر من عامين، وما زالت قائمة، ومازالت خياراً تهدد به الدول وخصوصاً دول القوة، وتبرز معها مشكلة الصراع على النظام الدولي، ومحاولة إنهاء فترة السيطرة الأحادية الأمريكية من قبل الصين وروسيا، والدعوة لنظام تعددي جديد.

فالقيادة العالمية ليست مجرد منّة أو هبة، بل هي واقع تفرضه الدول القوية والقادرة على تغيير قواعد ومبادئ النظام الدولي القائم أو الجديد. القيادة في العالم تعني النظام الدولي الراسخ والثابت. تاريخياً، تجسد هذا النظام في الإمبراطورية الرومانية وصراعها مع الإمبراطورية الفارسية، ثم برز دور الإمبراطورية الأوروبية مع نظام الدولة القومية في أعقاب مؤتمر وستفاليا عام 1648 وصراع الدول الأوروبية في إفريقيا وآسيا. وصولاً إلى الحرب العالمية الأولى 1914 _1918 وبعده ظهرت

عصبة الأمم لتستمر حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية وبروز الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفييتي وبداية تشكيل النظام الدولي ثنائي القطبية بعد الحرب العالمية الثانية، وصولاً إلى انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، وبعدها محاولة الولايات المتحدة لفرض النظام الأحادي القوة والهيمنة على القرار الدولي.

لم تكن عملية التحول من نظام إلى آخر سهلة وسلسة، بل كانت تتم عبر تحولات كونية كبيرة في بيئة القوة الدولية. لقد أعاد أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد غراهام أليسون التذكير بنموذج إسبرطة أثينا وثيوسيديدس وعقدة الحرب الحتمية، والعقدة الأمنية التي تحكم السلوك السياسي للدول من خلال منطق العلاقات الدولية الذي لم يتغير ويقوم على القوة، وإن تغيرت الأساليب من السيف والجمل إلى الحروب النووية والبيولوجية والسيبرانية والذكاء الاصطناعي، ومن يملكها يملك التحكم في بنية النظام الدولي.

والسمة الأخرى المهمة التي تدفع للدخول في مرحلة الفوضى الدولية تقوم على مبدأ انتشار القوة وسعي الدول الإقليمية مثل إسرائيــل للتوسع. والسؤال: أي عالم ننتظر، وأي حرب، ومتى يدخل العالم الحرب العالمية الثالثة مــع تراجـــع دور الأمم المتحدة؟

إن آليات الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي تختلف عنها بين أمريكا والصين اليوم. فالاستراتيجية الأمريكية اعتمدت على إغراق الاتحاد السوفييتي بأعباء الحروب العسكرية وسباق التسلح حتى يتفكك. هذا الخيار غير قائم بالنسبة للصين. ولا يصلح للتعامل معها من زاوية أن الصين تبقى دولة مركزية واحدة على كبرها وحجمها وهي لا تخوض حروباً مع الآخرين. لا شك أن للصين تحالفاتها وحققت إنجازات اقتصادية كبيرة وتملك علاقات وشراكات استراتيجية مع العديد من الدول، إضافة إلى قدرات تكنولوجية منافسة للولايات المتحدة، لكنها ليست بالهشاشة التي يتصورها البعض كي تسقط كما الاتحاد السوفييتي. ومع ذلك لا تسعى الصين لأن تحل محل الولايات المتحدة، بل تريد عالماً متعدد الأقطاب أكثر عدالة واستقراراً. والسؤال: هل يمكن تجنب الحرب بين الصين وأمريكا؟ والسؤال أجاب عليه ثيوسيديدس المؤرخ اليوناني من خلال تحليله للحرب البلونيزية التي وقعت في القرن الخامس قبل الميلاد بين أثينا وإسبرطة .قام اليسون بدراسة النظام الدولي منذ ذلك التاريخ، وحدّد 16 حالة تم فيها صعود وحلول قوة مكان قوة أخرى في النظام الدولى.وكانت النتيجة أن النظام الدولي ليس حالة ثابتة؛ بل يتغير بتغير موازين القوة. فالنظام الدولي الذي قام بعد الحرب الثانية لم يعد بنفس القوة ونفس معايير التحولات في بنية القوة وبروز دول تقترب من قمة النظام الدولي كالصين في الوقت الذي تلوح فيه مؤشرات على تراجع قوة الولايات المتحدة كقوة أحادية، لكنها ما زالت تملك القوة للسيطرة والهيمنة الدولية.

ويبقى أن التحوّل إلى مرحلة جديدة من الأحادية إلى التعددية يحتاج إلى مرحلة انتقالية كما هي اليوم، حيث الحروب والمنافسات والصراعات الدولية،و كلها تنبئ بأن النظام الدولي يتجه نحو نظام أكثر تعددية.

17 أبريل 2026
الإمارات وإيران.. ونموذج كانط في السلام

د. ناجي صادق شراب

دولة الإمارات ليست طرفاً مباشراً فى الحرب الإيرانية، لكنها وجدت نفسها طرفاً مدفوعاً إليها كباقى دول الخليج العربي بسبب الاعتداءات الإيرانية التى استهدفت بنية الدولة وإنسانها ونموذجها الذي كافحت منذ نشأتها في بنائه وهو النموذج الأقرب إلى النموذج الكانطي فى مواجهة النموذج الإيراني المغاير، وهو نموذج التنوير والسلام والتسامح وبناء الإنسان وتبنيها لنموذج القوة الناعمة الشاملة التي وضعتها في مصاف الدول المتقدمة في مؤشرات السلام والسعادة والتسامح والرفاهية،وهذا لم يمنع أن تبني الدولة قوتها الصلبة ببناء قوة عسكرية هدفها حماية هذا النموذج وليس من أجل الحرب. فالإمارات وعلى مدار تاريخها لم تعتدِ على غيرها بل تبنت سياسة حسن الجوار حتى مع إيران رغم احتلالها لجزرها الثلاث 1971. 
بل ذهبت دولة الإمارات إلى أبعد من ذلك، وحافظت على علاقتها الدبلوماسية مع إيران وتبنت مقاربة الدبلوماسية لتثبت حقها فى جزرها.
ولعل هذه الحرب التي تشهدها منطقة الخليج كشفت عن بعد مهم وهو حرب نموذج الحكم الرشيد وحرب القيم. وتستحضر هذه الحرب النموذج الكانطي التنويري، وهو نقيض نموذج التعصب والتشدد الأيدولوجي ونظام الحكم الثيوقراطي الذى تتبناه إيران. وكما جاء في كتاب كانط فيلسوف السلام العالمي «مشروع السلام العالمي» الذي تحدث فيه عن مشروع دستور تلتزم به الأمم جميعاً درءاً للحروب. وعنده أن «كل إنسان عقلاني له حق طبيعي في الحرية، والحروب تمثل المأساة الكبرى ومصدر كل الشرور»، وأعلن أن «أكبر شر يصيب الشعوب لا يعني الحرب الماضية ولا الحرب الحاضرة بل الاستعداد للحرب القادمة». وعنده أيضاً «أن الحروب لا تحقق السلام وتخلو من العدالة». هذه العبارات الموجزة توضح لنا أن النموذج الإماراتي يعتبر ترجمة كامله للنموذج الكانطى في السلام والتنوير والحداثة والعدالة وتجنب الحرب، وفي المقابل فإن النموذج الإيراني الذي يقوم على الحكم المطلق ويفرض قيوداً على حرية الفكر، يطرح سؤالاً: لماذا إصرار إيران على امتلاك كل هذه القوة والسعي لامتلاك القوة النووية، والسعي للسيطرة ومحاربة كل نموذج تنويري إنساني يناقض نموذجه؟.
إن الخطر الحقيقي من هذا المنظور ليس امتلاك دولة الإمارات والدول الخليجية الأخرى القوة العسكرية، وهى قادرة، بل قوتها الحقيقية في نموذجها في الحكم الرشيد وفي المواطـنة الكامـــــلة وممارسة كـــــــــل الحــــقــوق الـســــياســــية والاجتماعية والتمكين السياسي والمشاركة في الحكم وبناء دولة المؤسسات السياسية. هذه هي مــــصادر الخطر التي تراها إيران لأنها بحكم التجاور الجغرافي والعلاقات البشرية ستكون دافعاً قوياً للشعب الإيراني في أن يقاوم النموذج الذي يحاول النظام تكريسه.
وكما يقول المفكر الإيراني عبد الكريم سروش، إن أخطر ما يهدد المجتمع الإيراني ليس الحرب من الخارج بل قمع المستبدين في الداخل للأصوات المطالبة بالحرية والعدالة.
لقد دافع كانط عن استقلالية الإنسان وتحرره من السيطرة على وعيه وفكره، وهذا معنى التنوير وأساس الحكم الرشيد، وهنا المقارنة بين النموذج الإماراتي الذي يقوم على الحكم الرشيد وعقلانيته والنموذج الإيراني الذى يقوم على الإنغلاق الفكري ومصادرة أي حرية للفكر والنقد الإيجابي في تحويل الإنسان إلى مجرد فرد رعية يسود فيها النظام الرعوي الأبوي.
وتحدث كانط عن حق المواطن فىي التفكير والمشاركة السياسية، وهنا الفرق الآخر بين النموذجين، هنا إنسان مواطن بحقوق إيحابية، وهناك مواطن يتعرض للقمع والعنف الفكري والحرمان السياسى. كما تحدث كانط عن مفهوم السلام الأبدي وأساسه قيام أنظمة حكم تحترم القوانين والعدالة وعدم التدخل في شؤون غيرها. وهنا النموذح الإماراتي الذي يتبنى مفهوم السلام الشامل، وما «وثيقة الأخوة الإنسانية» إلا مثالاً، فيما النموذج الإيراني يقوم على دعم الميليشيات والفصائل وخلق وكلاء له في دول أخرى، كما النموذج اللبناني والعراقي واليمني.
ولعل من أبرز ما يوضح قوة النموذج الإماراتي كيف لدولة الإمارات أن تحتضن أكثر من مئتي جنسية تعيش على أرضها بكامل حقوقها وتتمتع بروح الانتماء والولاء الواحدة كتعبير عن روح الإنسانية وقيم التسامح والتعايش التي تميز نموذج الإمارات مقابل نموذج لا يحترم حقوق الأقليات ويقوم على سيطرة جماعة واحدة. 
وفي هذا السياق، المقاربة تكمن في الإجابة عن التساؤل: لماذا استهداف الإمارات في حرب ليست طرفاً فيها بل تعارضها، والإجابة تكمن في محاربة نموذج التنوير والإنسانية والسلام الإنسانى وبناء الإنسان الرشيد، وهو نموذج يشكل الخطر الحقيقي على النموذج الإيراني الذي يقوم على القوة، وفكرة تصدير الثورة والهيمنة والسيطرة واحتلال أراضي الغير من خلال احتلالها للجزر الثلاث التابعة للإمارات، والسعي لفرض نظرية الاستعلاء القومي الذي يميز السلوك السياسي الإيراني.

[email protected]

3 أبريل 2026
أحلام الهيمنة لن تتحقق

مقاربات ونظريات كثيرة تفسر لنا الحرب التي تشهدها المنطقة بأبعادها الإقليمية والدولية، ومنها نظرية الهيمنة البحرية ونظرية القلب. والسؤال الرئيسي لهذه الحرب: لماذا استهداف دول الخليج العربي رغم مواقفها المعارضة للحرب ودعوتها الدائمة للحوار والتمسك بسياسات حسن الجوار؟ الإجابة قد تكمن في التفسير الجيوسياسي، وابتداءً وبإيجاز نظرية الهيمنة، وهي مصطلح معقّد وأصله الكلمة يونانية التي تعني الحكم أو الأمر. وأول من تناوله المؤرخ اليوناني ثيوسيديدس في وصف الهيمنة الأثينية في الحرب البيلونيزية مع أسبرطة، ويفسرها المفكر الأمريكي جون ميرشماير في بلوغ دولة من القوة تمكنها من السيطرة على الدول الأخرى. هذه النظرية تفسر لنا اليوم دوافع الولايات المتحدة في هذه الحرب ومحاولتها السيطرة على المنطقة، فمن يسيطر على اليابسة يسيطر على العالم. والنظرية الثانية التي تفسر لنا أسباب الحرب وسعي أطرافها للسيطرة على المنطقة وهو ما يعرف بنظرية قلب الأرض، وهي نظرية جيوسياسية للجغرافي البريطاني هالفورد ماكندر، وملخصها أن من يسيطر على منطقة آسيا الوسطى يسيطر على العالم، ومن يسيطر على أوروبا يسيطر على قلب الأرض، ومن يسيطر على قلب الأرض يسيطر على جزيرة العالم ومن يسيطر على جزيرة العالم يسيطر على العالم بأسره.
ووظفت هذه النظرية في تفسير الحربين العالميتين الأولى والثانية، وتفسير الحرب البارده بين أمريكا والاتحاد السوفييتي، وهي أساس سياسات الاحتواء.
كما تفسر لنا هذه النظرية الحرب التي تشهدها منطقة الخليج العربي وهي من أهم المناطق الجيوسياسية والاقتصادية في العالم. وبناء على هذه النظرية يمكن القول أن من يسيطر عليها يسيطر على المنطقة بأكملها وعلى الشرق الأوسط ويعيد رسم خريطته ومناطق النفوذ فيها كما يريد. هذا التفسير ليس بعيداً عن واقع المنطقة والحرب وأهداف أطرافها الثلاث إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. لقد كانت المنطقة تاريخياً وما زالت منطقة استهداف بين القوى الإقليمية والدولية، وارتبطت قوة الدول المهيمنة والمسيطرة على العالم بالسيطرة على المنطقة بإعتبارها منطقة قلب، فقد سيطرت عليها بريطانيا حتى الحرب العالمية الثانية، وبعدها تحولت المنطقة لمنطقة صراع وتنافس بين القوى المهيمنة عالمياً، فالولايات المتحدة تعتبرها أحد ثوابت أهدافها ومصالحها الحيوية وربطت سيطرتها بنظرية الهيمنة الأمريكية على اليابسة، فيما تطلع الاتحاد السوفييتي للوصول للمياه الدافئة في المنطقة من خلال إقامة علاقات مميزة مع مصر والعراق واليمن وغيرها.
وإقليمياً رأينا سعي إيران في زمن الشاه للسيطرة على المنطقة ومحاولته السيطرة على البحرين واحتلاله للجزر الثلاث التابعة لدولة الإمارات، وإصرار إيران على تسمية الخليج العربي بالخليج الفارسي. هذه الصراعات تزامنت مع تحول دول الخليج العربي إلى دول مستقلة، وبفضل حكمة قياداتها حافظت على استقلالها وأقامت مجتمعات مزدهرة والتزام بسياسات تقوم على الأمن والسلام وحسن الجوار وعدم الانجرار إلى الصراعات الإقليمية، ونجحت في بناء دول قوية اقتصادياً، وتبنّت سياسات واستراتيجيات تقوم على الشراكات الاستراتيجية مع الدول الكبرى عالمياً مثل الصين وروسيا ودول الاتحاد الأوروبي والهند وتقوية تحالفاتها مع الدول العربية والإسلامية.
هذه القوة والقدرات الجيوسياسية والاقتصادية تفسر لنا الأهداف غير المعلنة والحقيقية لأطراف الحرب الثلاث. فهذه الحرب هدفها الرئيسي السيطرة على المنطقة والتحكم في مواردها. فمن جهة تحاول الولايات المتحدة تثبيت وجودها لإبقاء تفردها على رأس النظام الدولي، وإيران من ناحيتها منذ زمن الشاه وحتى الآن تعتبر المنطقة في نطاق نفوذها من خلال إصرارها على احتلال جزر الإمارات الثلاث، والمضي في عدوانها الغاشم على الإمارات ودول الخليج الأخرى في انتهاك صريح لكل القوانين الدولية ولمبادئ حسن الجوار.
مازلنا نذكر خطاب وزير خارجية الإمارات سمو الشيخ عبد بن زايد آل نهيان أمام الجمعية للأمم المتحده عام 2018 الذي حذر فيه من سياسات وأهداف إيران وتبنّيها ودعمها لجماعات مثل حزب الله وجماعة الحوثي وتدخلها في لبنان وسوريا.
أما إسرائيل فأهدافها معروفة في تحقيق حلم إسرائيل الكبرى وتحول إسرائيل للقوة الإقليمية الوحيدة.
ويبقى أن هذه الأهداف هي مجرد أحلام في مخيلة أصحابها، لأن الإمارات ومعها دول الخليج الأخرى لديها من القوة والقدرة والحكمة ما يكفي لإحباط كل ما يمكن أن تتعرض له من مخاطر.

[email protected]