وليد عثمان

لا يحسبن أحد أن المواجهة الأحدث بين النظم العربية وجماعة «الإخوان المسلمين»، وهي مواجهة كان الأردن ساحتها، هي الأخيرة في هذه المعركة مع طرفها المصنّف إرهابياً في كثير من البلدان.
الذين يتعاملون مع مواجهة الأردن، وطناً ونظاماً شرعياً، مع «الإخوان المسلمين» على أنها فعل عابر متعلق بشكل أو آخر مع ما يجري في الأراضي الفلسطينية، وبالتحديد السعي المزعوم من طرفها لنصرة غزة، يقعون في فخّ تنصبه الجماعة دوماً على هوامش الأزمات والمنعطفات الحادة في مسيرة المنطقة لمداراة مخططاتها لجرّها إلى حالة دائمة من القلق المعطل لأية انطلاقة إلى المستقبل.
وهذا الفخ دأبت الجماعة على إحاطته وإخفائه بالشعارات المحتكرة للدين والمختطفة له والموظفة لأدبياته في سياقات سياسية كثيراً ما حققت مكاسب لـ «الإخوان المسلمين» في حواضن شعبية انخدعت بخطابها وسمحت لها بالتوغل في أوساطها، ومنها إلى مواقع مهمة في مفاصل بعض الدول العربية.
ومما يُحمد في هذا السياق أن التطورات السياسية منذ أكثر من عشر سنوات سمحت بانكشاف زيف جماعة «الإخوان المسلمين»، وتحديداً لهذه الحواضن التي عرفت أنها كانت الستار الذي يخفي الأهداف الحقيقية لهذا التيار وسمح بتغلغله في ظروف بعينها إلى غرف صنع القرار.
هذه الهزيمة التاريخية للجماعة التي بدأت مرحلتها الأكبر في مصر عام 2013، وتوالت في أقطار أخرى، لا تعني نهايتها كما يتصور البعض، بل جعلها أشد ضراوة في معركتها مع النظم العربية التي أسهمت وتسهم في التصدي لخطابها الناضح بالكاذب، وسعيها الى إشعال الجبهة الداخلية في كل بلد والتعيش من الأزمات، خاصة التي تصنعها أذرع لـ«الإخوان المسلمين» في بعض البلدان العربية والأجنبية.
لم تنته المواجهة، ولن تنتهي، إنما أشكالها وميادينها فقط هي التي تتغير، فالحواضن الشعبية التي حيل بين الجماعة وبينها تعوّضها بفوضى وسائل التواصل ونجاحها في تشكيل قوى إعلامية تنطلق من أكثر من عاصمة في الإقليم والعالم، وهي قوى يجب الاعتراف بأنها أسرع في الوصول وأقدر على ترويج رسائلها المسمومة، بينما معظم الإعلام العربي يتحرك من موقع رد الفعل.
ومن آفات كثرة وسائط الإعلام، وشيوعها، وعدم تقيّدها بحدود أن المعلومة الأسبق تستقر وتتحول مع التكرار إلى حقيقة، وإن لم يتوافر لها أي قدر من المعقولية والمصداقية، وإن لم يذهب كل جهد لتصويبها سدى، فإنه يستلزم وقتاً طويلاً.
هذا هو الفضاء الذي تستخدمه جماعة «الإخوان المسلمين» في الترويج للأكاذيب وتهييج المشاعر في اللحظات العربية الملتهبة.
كل ذلك لا يعني أن الجماعة تخلت عن التحرك في الواقع عبر فلولها أوبقايا المنخدعين. وعلى خلفية ما جرى في الأردن، اقترح البعض العودة إلى نهج المواجهة الفكرية مع الجماعة، وهو أمر فات أوانه، فنحن إزاء مجموعة تدرك ما تفعل ومتأهبة دوماً للانقضاض علينا، وهو ما يفرض اليقظة الدائمة وضربها بيدٍ من حديد.

[email protected]