ماذا تقول لمن قد جاء يسألك: كم أمسيةً شعريةً ساخرةً حضرتَ على مرّ السنين؟ ستظن أن النسيان داعب ذاكرتك. لا حرج، كم مرّةً قرأتَ أو سمعتَ عن محفل ثقافي مخصص للأدب الساخر، شعراً أو نثراً في السنوات العشر الأخيرة؟ لا تشغل البال بمنشطات الذاكرة. ليس عسيراً إحصاء عدد الصحف والمجلات الساخرة في العالم العربي. لكن الإحصائيات أصعب عندما يكون القحط حطّ والقحل حلّ.
لن نفتري على العالم العربي بأنه صار من الأمم التي لا تضحك عقولها، ولا تتبسّم نفوسها، ولا تمرح أرواحها. فما نحن أمّة أفئدتها فارغة من الظُّرف وحسّ النقد وصيد المفارقات. بل إن أوسع المثقفين إلماماً بفنون الأدب، يُعييهم أن يأتوا بأمثلة مختلفة متباينة غير متشابهة ولا متداخلة، لكل نوع من هذه المشتبهات: الطرائف، اللطائف، النوادر، الفكاهات، المُلَح...
للتوضيح، من المؤسف في تاريخ ميراثنا الأدبي، أن الغلبة الطاغية كانت للمنظومة المذكورة، النوادر والطرائف، ولم تكن للأدب الساخر، وهذه التسمية معاصرة. أليس غريباً أن لمكتبتنا العربية قمةَ السخرية الأدبية، متجليةً في«رسالة الغفران» و«رسالة الصاهل والشاحج»، لأبي العلاء، ولكن المبدعين لم يُثروا هذا اللون الفريد ببدائع وروائع أخرى؟ لن نعاتب المعرّي على اختيار لغة وأسلوب مركبهما محال. عندما يستعرض المرء أنواع الأدب الساخر في ثقافات الأمم، ويقارنها بأعجوبتي سجين المحبسين، يتذكّر قول المتنبي: «ومن وجد البحر استقلّ السواقيا». لن تبلغ بنا السخرية حدّ وصف إبداع شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء، بقول أبي الطيب: «ولكنْ معدنُ الذهب الرغامُ»(التراب)، فقد كانت المكافأة في عصره والقرون التالية، كجزاء سنمّار، رموه بالزندقة، في حين أن رائعتيه جديرتان بإخراج عصري يراوح بين والت ديزني وآفاتار، إذا رام الحالم الواهم من الماء جذوة نار. حتى الرسوم المتحركة إلى اليوم كسيحة غير متحركة.
شهدت الكتابة الساخرة عهداً تنفست فيه الصعداء في القرن العشرين. لحسن الحظ، مع ظهور الصحافة العربية، سادت اللغة الأدبية، وسرعان ما ظهرت الألوان الساخرة شعراً ونثراً، كانت سريعة الاشتعال سريعة الانطفاء. ما بعد النصف الأخير من القرن الماضي لم يكن طالع سعد للكلمة الساخرة. أغلبية الصحافة الساخرة الرفيعة لفظت أنفاسها، واليوم أمست أثراً بعد عين. أمّا الفنون الكوميدية السمعية البصرية، فحدث عن التهريج ولا هرج.
لزوم ما يلزم: النتيجة الطبية: إذا غابت منظومة الفنون الساخرة والكوميدية، فافحصوا دماغ الأمة بالرنين المغناطيسي.
[email protected]