لولا عيد أبي الطيب المتنبي في مصر، وربما، لولا كافور الإخشيدي لم يكن للعيد ذلك الحضور الكبير في الشعر العربي الذي يخلو من مفردة العيد تماماً في الأجزاء الثلاثة لديوان الشعر العربي الذي انتقاه أدونيس بذائقة شعرية وفلسفية فذّة قبل أكثر من نصف قرن، ثم، لم يعد ممكناً انتقاء شعر عربي آخر في مثل تلك الحساسية الفكرية والجمالية التي توفّرت في مختارات أدونيس.
في كل عيد يُستعاد بيت المتنبي ومطلعه الشهير «عيدٌ بأية حالٍ عُدتَ يا عيدُ»، ولأن الأعياد كثيرة، والاستعادات أكثر، فقد كثر الخطأ الوزني العروضي الفاحش في بيت المتنبي هذا، فقد كثر من قال «عيدٌ بأيّ حالٍ عدتَ يا عيدُ»، وهنا ينكسر وزن البحر البسيط «مستفعلن فعلن.. مستفعلن فعلن»، ومع كسر الوزن، ينكسر ظهر المتنبي، وتنكسر الموسيقى، بل، وتنكسر اللغة.. في زمن الانكسار الذي لا يُجْبَر بكل علاجات الأطباء.
بدأ عيد المتنبي من مصر باتجاه مصائره الوجودية والشخصية الحزينة، إلى أن قتله قاطع طريق تافه لا يعرف أن الدم الذي لطّخ به سيفه التافه أيضاً كان دم شاعر، وليس أي شاعر، بل، هو دم المتنبي الذي أسمعت كلماته من به صمم، أو أن القاتل التافه كان يعرف الشاعر، بل، كان يعرفه، ولكنه كما يبدو من سياق الحكاية، كان يبحث عن شهرة من خلال ارتكاب جريمة حتى ولو كانت في الصحراء الخالية من البشر، غير أن التاريخ قد خدم غريزة الشهرة عند مجرم نكرة، صار علماً في ما بعد ضمن سردية القتل والدم والجريمة، والتي تستعاد هي أيضاً هذه السردية البائسة في كل عيد.
وهناك بعض الشعوب، تبدأ أعيادها من المقابر، ومرّة ثانية «بأية حال عدت يا عيد»، هذه الشعوب الفقيرة التي تبكي عادةً بعض الدموع في المقابر، إلى جانب القليل من الماء الذي يرشه الابن على قبر أبيه، أو تلك الابنة التي تعتني بعشبة صغيرة نبتت عشوائياً عند حجر القبر الذي يشير إلى رأس أمها المسجّى تحت التراب.
صورة العيد، وبخاصة العيد العربي، ليست صورة مبهجة أو ملوّنة أو الأرجح أن كل أعياد العالم متشابهة، لأن الموتى متشابهون، لكن، ويا للمفارقة، لا تتشابه قبور البشر، بل، لا تتشابه حتى الأشجار والأعشاب والنباتات في التراب الذي يحتضن شعوباً ميتة بأكملها، حيث ينام هنا أو هناك، شعراء وقتلة وأطفال وطغاة.. بلا مجد ولا بطولات، سوى بطولة جماعية واحدة هي بطولة الصمت.
في الكثير من أعياد العالم ثمة ما يشبه عيد المتنبي، وبالطبع مع الإضافات المعاصرة التالية:.. عيد الجوع مثلاً، الذي يمكن أن يتحوّل عالمياً وثقافياً إلى يوم الجوع العالمي، أو خذ مثلاً آخر: عيد البكاء الذي يتحوّل بالطريقة الضمنية نفسها إلى يوم البكاء الدولي العالمي.
لا يتركك المتنبي في حالك، إنه كثير الدلالات والإحالات رغم أنه لا أحد، ربما، يعرف قبره الآن، وأين مكانه بالضبط، وهل هناك من يرش الماء على قبر الشاعر؟.
[email protected]