بداية نوضح أن مصطلح «المكارثية» الذي شاع في وصف حقبة الخمسينيات في الولايات المتحدة نسبة إلى السيناتور الجمهوري عن ولاية ويسكنسن من نهاية الأربعينيات إلى نهاية الخمسينيات جوزيف مكارثي ليس دقيقاً تماماً. في تلك الفترة عاشت أمريكا ما سُمّي «فترة الرعب الأحمر الثانية»، حيث كان يتم القبض على الأبرياء لمجرد الشك في أنهم يؤيدون الفكر اليساري.
في تلك الفترة دُمّرت حياة الكثير من المفكرين والمبدعين الأمريكيين بسبب آرائهم، وانتشرت عمليات الاعتقال لكل من يُشَكّ في أن أفكاره «اشتراكية». وحين وصل الأمر إلى حد الشطط، وبعدما قضت المحاكم بأن كثيراً من تلك الاتهامات كاذبة ولا أساس لها تم وضع حد لتلك الحملات. رغم أن تلك الحملات كانت تقوم بها أجهزة الأمن، خاصة المباحث الفيدرالية، إلا أنها التصقت في الأذهان بالسيناتور جوزيف مكارثي الذي كان يسرف في الخطاب السياسي المثير للرعب والذعر بما يقترب من حد العنصرية أحياناً.
أما الحقيقة التي استخلصها المؤرخون فيما بعد، فلم تكن المكارثية سوى «تكرار موسع» لما عرف بفترة الرعب الأحمر الأولى مطلع القرن بعد الثورة البلشفية في روسيا. حتى إن بعض مراجعي التاريخ الأمريكي جادلوا بأن المفروض أن يطلق على تلك الظاهرة «البالمرية» نسبة إلى المدعي العام ألكسندر ميتشل بالمر الذي أشاع الرعب من أن المجموعات العمالية في أمريكا تنظم نفسها للقيام بثورة مثل ما حدث في روسيا. وأصدر الكونغرس عدة قوانين مثل قانون التجسس عام 1917، وقانون الفتنة عام 1918 وقانون الهجرة بعد ذلك. إذ ربط البعض حالة الذعر من الأفكار اليسارية بالهجرة من شرق وجنوب أوروبا.
يرى آخرون، وربما هذا أقرب للمنطق، أن الوصف الأدق هو أن تسمى تلك الفترات «الهوفرية»، نسبة إلى جون ادغار هوفر مؤسس جهاز الأمن للمباحث الفيدرالية الشهير حالياً باسم «مكتب التحقيقات الفيدرالي». وكان هوفر وراء إصدار الرئيس هاري ترومان أمراً تنفيذياً عام 1947 يقضي بإجراء «اختبار ولاء» لكل الموظفين الحكوميين لضمان عدم وجود «اشتراكيين» في الجهاز التنفيذي.
لم تخترع إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب إذاً كل هذه الأمور، وإن كانت أعادت إحياء بعضها من التاريخ الأمريكي القريب والبعيد نسبياً. صحيح أن «اختبارات الولاء» في اختيار المسؤولين حالياً ليست على أساس الولاء للدستور الأمريكي وإنما للرئيس شخصياً.
يظل جذر كل تلك السياسات «المكارثية الجديدة»، جرياً على التوصيف الشائع في سلطات إنفاذ القانون وموقف السلطة التنفيذية من قوانين المساواة وحقوق الإنسان ومبادئ الحرية والديمقراطية.
كان هوفر يعتبر نفسه سلطة فوق القانون، لذا كان يفضل أن يكون رئيسه المباشر هو الرئيس في البيت الأبيض وليس وزارة العدل أو مكتب المدعي العام.
هناك الآن في أمريكا عودة حثيثة لتلك «الهوفرية» بموقف السلطة التنفيذية من القضاء، بل ومحاولة تعديل القوانين بشكل جعل بعض المعلقين الأمريكيين يرون الدولة تتجه نحو «الحكم الشمولي». ورغم أن المقارنة ستبدو باهتة جداً ومبتسرة، إلا أن هناك أيضاً من يقوم بدور جوزيف مكارثي من أمثال السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام الذي يزايد أحياناً على الرئيس في بعض المواقف.
طبعاً، تظل المقارنة مبتسرة لأن هذه الفترة لن تسمى «الغراهامية»، فالسيناتور الحالي وإن كان خطابه السياسي به بعض الشطط لا يصل إلى حد ما كان يفعله السيناتور الراحل من اتهامات عشوائية ومغرضة بحق الفنانين والكتّاب وغيرهم.
إلا أنّ هناك تصاعداً واضحاً في التوجّه نحو المكارثية، ليس في أمريكا وحدها بل في أغلب قلب الغرب الديمقراطي. وقد حل محل «الذعر الأحمر» لون آخر مثل الأزرق، نسبة إلى علم إسرائيل الذي لا يتحمل كثيرون مجرد انتقاده حتى لو ارتكب جرائم ضد الإنسانية واضحة بحكم القانون. أو الذعر الأصفر، نسبة إلى الصين والمبالغة المهولة في تصويرها كعدو جديد محل «العدو الشيوعي» في القرن الماضي.
مرة أخرى، لم تخترع إدارة ترامب حالات الذعر والرعب هذه، بل هو تيار ينمو في الولايات المتحدة وبعض دول أوروبا يقوده اليمين المتطرف الذي يضع مقابلاً له التطرف الليبرالي (أو اليساري سابقاً) الذي يعتبره خطراً على البلاد التي ينشط فيها.
لذا لم يكن مفاجئاً ما يحدث في الأيام الأخيرة من اعتقال الأمن لسيناتور عن ولاية كاليفورنيا لمحاولته توجيه سؤال لوزيرة الأمن الداخلي في مؤتمر صحفي لها في لوس أنجلوس. أو اعتقال قسّ ملوّن خلال صلاة في قلب العاصمة واشنطن لأنه انتقد مشروعات قوانين تسعى لخفض التأمين الصحي للفقراء. أو حتى فرض التفتيش على أفكار الناس من خلال وصول الأمن إلى حساباتهم على مواقع التواصل لمعرفة إن كانوا ينتقدون الرئيس أو السياسات الحكومية أو إسرائيل.
طبعاً، وكما كانت البالمرية والهوفرية مطلع القرن الماضي والمكارثية منتصف القرن الماضي، فكل تلك الممارسات المنافية للحرية تتم في إطار القانون، أو على الأقل هذا ما تراه السلطة التنفيذية التي لديها الآن القدرة على تعديل القوانين بأغلبيتها في الكونغرس.

[email protected]